هيئة علماء المسلمين في العراق

من تجليات الحركة التحررية المعاصرة بسوريا والعراق ... طلعت رميح
من تجليات الحركة التحررية المعاصرة بسوريا والعراق ... طلعت رميح من تجليات الحركة التحررية المعاصرة بسوريا والعراق ... طلعت رميح

من تجليات الحركة التحررية المعاصرة بسوريا والعراق ... طلعت رميح

آن أوان الذهاب والنظر إلى ما بعد أبعد من الحالة المعاشة في العراق وسوريا، بأهوالها ومراراتها وانقساماتها وانتصاراتها ومكاسبها وخسائرها.


الآن يعيش كل من العراق وسوريا مخاض بناء وتطوير حركة تحررية تتجاوز البدايات الأولى  وتطورها لتصبح كاملة المعالم، كان ما سبق فصولا في تشكلها، وبقية فصول اكتمال بنائها في الوعي الجمعي قيد التفاعل حاليا.


وفي الطريق إلى ما بعد الغد، ما تزال الخطوات متعددة، لكن الأهم فيها، أننا على مسافة من طرق باب تشكل الحركة التحررية المشتركة والمتضامنة استراتيجيا، سواء نظر للأمر باعتباره جزءا من كل، أي جاء التشكل مرتبطا بالرؤية الاستراتيجية الشاملة للحركة التحررية العربية والإسلامية، التي تتبلور بهذا الاتجاه - من الوطني إلى العربي والإسلامي - أو بحكم طبيعة دول الاحتلال في كلا البلدين أو لأسباب أخرى عديدة تتطلب التأمل والنظر المتعمق، وليس أقلها أهمية، ضرورة المواجهة الاستراتيجية المشتركة كشرط للنجاح في ظل تبلور مشروعين متضادين داخل الدول العربية والإسلامية، عناصر تفكير كل منهما "متوحدة" غير أن أحدهما في كامل الارتباط الاستراتيجي والآخر ما يزال متفككا.


لقد شهدنا خلال الحقبة الماضية - ويوما بعد يوم - وضوحا وتحديدا صارما، لاستراتيجية خصوم هاتين الحركتين التحرريتين – وهم نفس الخصوم - كما عشنا حالة تبلور واختزان للمضامين الوطنية المضادة للخصوم والمتحركة والمضحية لأجل مشروع التحرير المتشابه إلى درجة التطابق تقريبا.


ومن خلال تجارب الصراع والمواجهة، بات ممكنا القول، بأن الأساس قد وضع لبناء البرنامج التحرري وبلورة التحالفات القادمة لقيادة هذا التحرر نحو النصر.


ويمكن القول – أيضا - بأن الجغرافيا ليست الدافع وحدها، للحديث عن المصير المشترك لنمو وتطور تلك الحالتين التحرريتين باتجاه الفعل الاستراتيجي المشترك، وأن الدافع لا يتوقف كذلك عند حدود طبيعة العدو المشترك الواحد، ونمط الصراع الذي شهد ويشهد تداخلا بين ما هو داخلي وخارجي على نحو أشد تعقيدا مما عاشته الحركتان التحرريتان في كلا البلدين في أزمان سابقة.


بل كذلك، طبيعة التوازنات التي تعيشها كل حركة تحررية على حدة، وحالة التنامي والتطور لطبيعة وأهداف البرنامج التحرري، إذ لم يعد ممكنا بحكم طبيعته الفكرية، أن يكون وطنيا محضا، كما جرى الحال عليه في مرحلة الستينات، التي حكمها البعد الوطني – وحده - فانتج الاستقلال تفرقا، كما لم يحقق الانعتاق الحقيقي من ربقة الاستعمار.


ولقد كان من الطبيعي أن تبدأ كل حركة تحررية تجربتها ارتباطا بخصوصيات واقعها، وكذا بحكم وقوعها تحت ضغط الحالة التقسيمية التي حولها المستعمر إلى وضعية خاضعة للقانون الدولي، غير أن الأمور لابد لها أن تتطور عبر بذل الجهود الفكرية والاستراتيجية لتحقيق وحدة الفعل الاستراتيجي، كان طبيعيا النهوض على أساس البنية الوطنية، لكن ما ليس طبيعيا أن يستمر التمترس عند هذا السقف قائما.


لقد اختطت المقاومة العراقية طريقا واضحا في مواجهة الاحتلال الأمريكي، وكان أمر المواجهة واضح المعالم، فكانت المقاومة العراقية راية وطنية حملت على أكتافها برنامج التحرر الوطني، وهي من بعد تحولت إلى نمط الحراك الشعبي السلمي تفاديا لمخطط التفجير والحرب الأهلية الذي تمترس خلفه الاحتلالان الأمريكي والإيراني، والآن تعيش الحركة التحررية العراقية مخاض البناء الوطني الشامل لمواجهة تحدي الاحتلالين والوجودين العسكريين للولايات المتحدة وإيران.


والحال كذلك في تجربة الحركة التحررية السورية، وإن جاء "عكسيا" في دورته، إذ انتقل من الحراك الشعبي السلمي إلى المقاومة.


بدأت التجربة كثورة ديموقراطية سلمية وتحولت إلى حركة متسعة بين معارضة سياسية وجماعات تحمل السلاح، في مواجهة الاحتلالين الإيراني والروسي، وعندها انقلب اتجاهات حركة الصراع لتمزج الأبعاد الوطنية بالدولية وقبلها الإقليمية والطائفية، وهي الآن على أعتاب إطلاق برنامج تحرري في مواجهة الاحتلال الاستعماري.


وفي كلا الحالتين، اعتمد الأعداء استراتيجية إعلامية وسياسية وعسكرية تقوم على ادعاء وجود قوات الاحتلال لمحاربة الإرهاب، بعد دخول بعض المجموعات المسلحة – داعش والنصرة - بما غير طبيعة المعركة إلى صراع من نوع آخر يغطى وجود ودور الاحتلال.


والآن وفي كلا الحالتين نجد الحركتين التحرريتين في مواجهة الاحتلالين الإيراني والأمريكي، ويضاف في الحالة السورية وجود الاحتلال الروسي، فضلا عن الاحتلال الصهيوني الجاثم في الجولان منذ عام 1967.


وإذا نظرنا لكلا الحركتين في العراق وسوريا، سنكتشف بوضوح أن كليهما انطلق باستدعاء التراث الجهادي التاريخي المقاوم، دون خطط استراتيجية سابقة الأعداد، وأن كليهما انطلق تحت ضغط خارجي مباغت لم تكن أيهما مهيأ ومستعدا له.


الآن وقد انتهت الأمور إلى ما انتهت إليه - وبعدما سقط غطاء حكاية الإرهاب - وقد كان هو الآخر مشتركا في الوصف والرؤية والوقائع في كلا البلدين- فيبدو البلدان وحركتهما التحرريتين في وضع متشابه إلى حد كبير، بل هما في مواجهة واحدة على الصعيد الاستراتيجي والفكري والعقائدي، فكلا البلدين يواجهان احتلالًا إيرانيًا وميلشياويًا، وكلاهما يعيش تحت سطوة احتلال أحد أو كلا الدولتين الأشد عدوانية وعسكرة في العالم، وكلاهما ينشد بناء وطن تعددي مستقل ..الخ.


وهنا يبدو الأمر الأول والأهم، هو ضرورة تغيير الاستراتيجيات هنا وهناك – بحكم تبدل الأوضاع - واطلاق فكرة ومفهوم ومضمون الحرب التحررية في كلا البلدين، كخط رئيسي للصراع، وهو ما يتطلب إعادة ترتيب الأفكار والأوراق والعلاقات مع القوى الوطنية والإسلامية في كل بلد، والانطلاق نحو علاقات استراتيجية بين الحركتين التحرريتين في كلا البلدين، وفي ذلك قد يكون عمق مساحة الحركة الاستراتيجية أحد مستهدفات الفعل بكافة المجالات، إلا أن الأهم على الصعيد المفاهيمي، هو أن بناء مضمون حالة التحرر في حالة الصراع الراهنة بات يفرض الاطار المشترك لا الاطار المفرد.


الفكرة الفارقة في هذه المرحلة والتجاوز الحقيقي لتجربة الستينات تتجلى هنا تحديدا، والفكرة الفارقة والتجاوز الحقيقي لما فرضه الاستعمار من تقسيم تتجلى هنا، والفكرة الفارقة في تحديد مضمون النظام العربي والإسلامي القادم تتجلى هنا.


خاص موقع    الهيئة نت    


 


 


أضف تعليق