هيئة علماء المسلمين في العراق

حرب الموصل أقل الحروب شفافية في التأريخ الأمريكي الحديث
حرب الموصل أقل الحروب شفافية في التأريخ الأمريكي الحديث حرب الموصل أقل الحروب شفافية في التأريخ الأمريكي الحديث

حرب الموصل أقل الحروب شفافية في التأريخ الأمريكي الحديث

في تبجح فارغ للتحالف بقيادة الولايات المتحدة بشأن سقوط قتلى مدنيين؛ يقول العقيد (جون توماس)، المتحدث باسم القيادة العسكرية للتحالف: ((نحن لسنا سعداء بذلك، ونحن لن نكون سعداء بذلك أبدًا)). وأضاف ((لكننا واثقون تمامًا أننا نبذل قصارى جهدنا لمحاولة الحد من وقوع قتلى أو جرحى في صفوف المدنيين[1])).


يمكن للناظر فضلًا عن المراقب أن يرى بوضوح أن أمريكا تجيد إسقاط القنابل والقذائف بأنواعها حيث تريد بدقة عالية، ولكنها تدعي أنها قاصر عن السيطرة على مدى الانفجارات التي تتسبب بها تلك الحمم وبالتالي ليس لديها تصور بشأن أعداد أولئك الذين يطالهم الأذى بعد أن يستقر الغبار كما يقولون. والبنتاغون يعرف هذا، بطبيعة الحال، لكنه لم يكن جادًا في اتخاذ الحدود الدنيا من التدابير المتاحة للحد من وفيات الأبرياء؛ وعلى الرغم من التقنيات العسكرية المتقدمة والأسلحة الذكية والمعدات المتطورة التي يستخدمها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، إلا أن هذه التدابير لا يمكنها وقف قتل الأشخاص غير المقاتلين لأن الولايات المتحدة وحلفاءها يختارون محاربة تنظيم الدولة المعروف أيضًا باسم (داعش) في المقام الأول -كما هو معلن- مهما كان حجم التكلفة البشرية ومدى الأضرار الجانبية الأخرى.


ويلاحظ خبراء أن القيادة العسكرية الأمريكية لا تلقي بالًا لتطبيق الخطوات التي تضمن عدم إلحاق الأذى بالمدنيين في الهجمات التي تنفذها قواتها الجوية خاصة، مثل جمع معلومات استخبارية مفصلة، وتوقيت مهاجمة المواقع التي يحتمل تواجد الأشخاص المقاتلين فيها. ويكتفي القادة العسكريون الأمريكيون بالتواري وراء نفي وقوع قتلى مدنيين أو التقليل من أعداد الضحايا، وذلك يفسر عدم رغبة أمريكا إجراء تحقيقات في الأحداث، أو قيامها بإجراء تحقيقات بطيئة جدًا لا يتم الإعلان عن نتائجها في غالب الأحيان؛ علمُا أن جميع الحالات التي يعترف بها الجيش الأمريكي بقتل مدنيين تكون أرقام الضحايا أقل بكثير من الواقع؛ وهذا ما صدقته التقارير وأثبتته التحقيقات. وعلى سبيل المثال لا الحصر، في 26 أيار/مايو اعترف الجيش الأمريكي بمقتل أكثر من 100 مدني في غارة جوية على حي (موصل جديدة) آذار الماضي، في الوقت الذي أفادت الوكالات الإخبارية أنه في اليوم الأول تم انتشال جثث ما لا يقل 240 شخصًا من تحت أنقاض تلك الغارة، واستمرت عمليات انتشال الجثث حتى وصلت أعداد ضحايا تلك الغارة إلى نحو 500 شخص، وفي مثال ثان؛ نقلت وكالات الأنباء أن أكثر من 60 مدنيًا، لقوا حتفهم خلال يومين من الضربات الجوية للتحالف على حي التنك غربي مدينة الموصل، ولكن نفى التحالف سقوط قتلى مدنيين، ووفي مثال آخر؛ يصر التحالف على عدم وجود أدلة كافية تشير إلى وقوع ضحايا مدنيين في غارة جوية نفذتها طائراته الحربية على حي السكك غربي الموصل في نيسان/أبريل الماضي، في حين أكدت منظمة (هيومن رايتس ووتش) أنها وثقت سابقًا أن تلك الغارة قتلت 13 مدنيًا على الأقل؛ ومع شديد الأسف يوجد من هذه الحالات كثير.


مقولة غالبًا ما نسمعها من القادة العسكريين الأمريكيين في معرض إجاباتهم على أسئلة توجه إليهم بخصوص سقوط قتلى مدنيين يُقرّ التحالف الدولي بهم خلال المؤتمرات الإعلامية والمقابلات الصحفية؛ وهي: ((مقتل مدني واحد هو عدد كبير جدًا))؛ ولكن على أرض الواقع هناك حقائق مدللة مثيرة للصدمة مفادها أن الولايات المتحدة قتلت الكثير من المدنيين في العراق، ومع ذلك تأبى أمريكا الاعتراف بالأعداد الحقيقية للقتلى المدنيين، ولا ترغب بإجراء تحقيقات بشأن آلاف الضحايا المدنيين الذين سقطوا قتلى في العراق خلال هجمات قواتها والجوية منها خاصة، ولم تلقَ الدعوات والنداءات الصادرة عن المنظمات الحقوقية المحلية والدولية والأممية التي تطالب بحزم إجراء تحقيقات دقيقة وشفافة في كافة ملابسات حوادث قتل المدنيين ومحاسبة المسؤولين واتخاذ التدابير الفعالة للحيلولة دون تكرار مثل هذه الحوادث، في الوقت الذي تقوم القيادة المركزية الأمريكية بتضليل الرأي العام في تقييمها للحرب بعدم إدراج آلاف الضربات الجوية للتحالف في العراق؛ وهذا ما كشفه تحقيق أجرته التايمز[2]، الذي أكد أن احصائيات الجيش الأمريكي حول الضربات الجوية القاتلة مخطئة. إذ إن آلاف الضربات لم يبلغ عنها، في حين أكد (نيل ساموندز) من منظمة العفو الدولية للصحيفة أن البنتاغون لم يكشف سوى عن 10٪ فقط من الأعداد الفعلية للقتلى من المدنيين جراء الغارات الجوية للتحالف في العراق.


تفيد التقارير الدولية[3] بأنه في الوقت الذي يدعي التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة مقتل مدني واحد في كل 157 غارة جوية؛ يؤكد باحثون أن المعدل في الواقع هو موت مدني واحد في كل خمس غارات جوية - وهو معدل يبلغ 31 ضعف ما يدعيه الجيش؛ الأمر الذي يثبت أن التحالف ينتهج سياسة عدم الإبلاغ عن أعداد كثيرة من المدنيين الذين لقوا مصرعهم في القصف الجوي؛ ويُرجَّح أن يكون العدد الفعلي للخسائر البشرية أعلى بكثير؛ نظراً لصعوبة ظروف التوثيق، فضلًا عن أن قيادة التحالف لا تفصح عن آلاف الطلعات الجوية التي تنفذها في العراق لتضليل الرأي العام الأمريكي بشأن الكلفة البشرية والمادية لهجمات طائراتها الحربية؛ والسؤال الكبير هو: أين محققو جرائم الحرب في الأمم المتحدة من الغارات الجوية التي شنتها الولايات المتحدة على الموصل والتي تسببت بوقوع خسائر هائلة في الأرواح؟!.


تشكل حماية المدنيين خلال النزاعات المسلحة أولى أولويات القانون الدولي الإنساني ومحور اتفاقيات جنيف بشأن حماية الأشخاص المقيمين وقت الحرب، التي نصت جميعها على أهمية الحفاظ على أرواح المدنيين وعدم نقل المعارك والقتال بين الأطراف المتنازعة الى مناطق السكن وعدم اقحام الأهالي في حرب فرضت عليهم، ويجب أن يحظى المدنيون في جميع الأحوال بمعاملة حسنة احترامًا لإنسانيتهم، دون أي تمييز ضار يقوم على العنصر أو اللون أو الدين أو المعتقد أو الجنس أو مسقط الرأس أو الثروة أو غيرها، كما نصت عليه صراحة المادة الثالثة الفقرة الأولى من اتفاقيات جنيف الأربع.


ولكن الواقع على النقيض من ذلك تمامًا؛ إذ يدلل السياق المتكرر للضربات الجوية الأمريكية والحكومية التي تسفر عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا على أن استهداف التجمعات المدنية أمر متعمد، ناهيك عن عدم الالتزام أصلاً بقواعد التمييز بين المدنيين والمقاتلين. علمًا أن قوات التحالف الدولي والقوات الحكومية قامت بتنفيذ آلاف الغارات الجوية مع العلم المسبق بأثرها الذي ينال من حياة المدنيين؛ وهذا ما اعترفت به؛ الأمر الذي يجعلها خروقات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، الذي يعد الأفراد المرتكبين لكذا انتهاكات، عن قصد أو عن غير قصد، مسؤولين عن جرائم حرب واضحة المعالم؛ لا سيما أن الغارات الجوية التي تقتل مدنيين عمداً أو بشكل عشوائي، أصبحت جزءًا من هجمات منتهجة ضد السكان المحليين، يمكن أن ترقى لمستوى الجرائم ضد الإنسانية.


وقعت مجازر عديدة خلال الأشهر التسعة الماضية من حرب الموصل؛ راح ضحيتها عشرات الآلاف من أهالي المدينة، حسب الحصيلة الأولية للخسائر في صفوف المدنيين جراء الحرب الدائرة بين القوات الحكومية والميليشيات الموالية لها بدعم من قوات التحالف الدولي بقيادة واشنطن من جهة، وبين مسلحي (تنظيم الدولة) المعروف أيضًا باسم (داعش) من الجهة الأخرى، ولا تزال آلاف الجثث مدفونة تحت أنقاض القصف المتواصل؛ الأمر الذي يرجح ارتفاع حصيلة القتلى بشكل كبير، وفقًا لدراسة رسمية رفيعة المستوى مستسقاة من أحدث تقارير المخابرات الكردية بشأن الحرب في الموصل. وكشفت صحيفة (الإنديبندنت) البريطانية، عن مقتل أكثر من (40) ألف مدني في المعركة المدمرة لاستعادة مدينة الموصل من (تنظيم الدولة)، وفقا لتقارير استخباراتية حصرية، وأكدت الصحيفة أن أعداد القتلى المدنيين جراء الحرب في الموصل أعلى بكثير من التقديرات السابقة.[4]


تسبب القصف المدفعي والصاروخي العنيف والمتواصل على غربي الموصل جنبًا إلى جنب مع الغارات الجوية المكثفة، في مستوى مأساوي من الدمار في هذا الجانب من المدينة، حسب ما أكده تقرير منظمة (العفو الدولية) الصادر في 10 تموز الماضي بعنوان: (بأي تكلفة: الكارثة المدنية غربي الموصل، العراق)، مما يعزز حقيقة استخدام القوات الحكومية وحلفائها للقوة النارية بشكل أكبر وأكثر تعسفًا منذ المراحل الأخيرة من الهجوم على شرقي الموصل، ابتداءً من كانون الثاني/يناير 2017 واستمر خلال الأشهر السبعة التالية أثناء الهجوم على غربي المدينة. وأكدت المنظمة في تقريرها أن الحكومة في العراق وقوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة تعتمد بشكل كبير على استخدام الاسلحة المتفجرة التي لها آثار واسعة النطاق مثل الذخيرة المضافة الداعمة للصواريخ (IRAMs)، واستخدام القدرات المتطورة على الاستهداف المباشر، ما ألحق دمارًا هائلًا في المناطق المكتظة بالسكان في الجانب الغربي من الموصل، الذي يقطنه أكثر من مليون نسمة حسب بيانات الأمم المتحدة التي قدّرت أعداد السكان غربي الموصل بأكثر من 1.2 مليون نسمة في بداية الحرب على المدينة.


ووفق المبدأين (16 و 27) من مبادئ حقوق الإنسان الأساسية المتعلقة باستخدام القوة والأسلحة النارية؛ فإنه يجب أن يعتبر أي استعمال تعسفي أو منحرف لاستخدام القوة والأسلحة النارية جريمة جنائية. ولا تُعتبر طاعة أوامر الرؤساء دفاعًا مقبولًا في حالة وقوع وفاة أو إصابات خطيرة إذا كانت تلك الأوامر تخرق القانون خرقًا واضحًا ولاحت أمام الشخص فرصة معقولة لرفض إطاعتها. ويجب أن يعتبر الذي أصدر الأوامر مسؤولًا كذلك.[5]


كشفت وكالة (اسوشيتد برس) في أحدث تحقيق لها؛ أن ما بين (9000 – 11000) مدنيًا قتلوا في معركة استعادة الموصل من (تنظيم الدولة)، وهي أرقام تفوق عشر مرات ما أعلن عنه رسميًا في أوقات سابقة، ولم تـُقر بها أي جهة سواء كانت القوات الحكومية أو التحالف الدولي أو التنظيم، في حين أصدرت منظمة العفو الدولية؛ قائمة بأسماء (9606) مدنيين قتلوا خلال عملية استعادة الموصل، ويعتقد أن المئات ما زالوا تحت الأنقاض، فيما تتوقع إحصائيات استخباراتية رفيعة المستوى، أن أعداد القتلى المدنيين في معركة الموصل قد تتجاوز (40000) قتيل.


وفي هذا السياق؛ أكدت هيئة علماء المسلمين في العراق في بيان لها[6]؛ أن ما شهدته مدينة الموصل من قتل ودمار هائل يُعد جريمة عصر وانهيارا للقيم في كل المقاييس العالمية. ونقتبس من البيان: ((إن ما جرى في معركة الموصل من قتل ودمار كان أمرًا متعمدًا وسياسة منتهجة؛ هدفها تدمير المدينة وقتل أكبر عدد من أهلها وتهجير الباقين، في جريمة أقل ما توصف به أنها (جريمة عصر وانهيار قيم) شهدها العالم، ولن يمحو آثارها الحديث عن النصر ولا التضليل الإعلامي فإن صور دمار المدينة تفضح هذا التضليل وتكشف زيفه)).


مما تقدم؛ يتبين لدى الجميع أن لدى قيادة الجيش الأمريكي مشكلة دائمة في الإعلان عن الأعداد الحقيقية للضحايا المدنيين جراء الحروب التي تشنها هنا وهناك، لا سيما في العراق والوطن العربي، وهذا يثير العديد من القضايا المثيرة للقلق حول التكلفة البشرية للحرب الأمريكية ضد (الإرهاب). وقد بات واضحًا أن الحملة العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة تقلل كثيرًا من أعداد الضحايا المدنيين في العراق. وأن حرب الموصل هي أقل الحروب شفافية في التأريخ الأمريكي الحديث.


 


  قسم حقوق الإنسان


16/ ربيع الثاني/ 1439هـ


  3/1/2018م


 


 


[1] قال ذلك في مقابلة تلفزيونية أجراها العقيد جون توماس مع قناة (فوكس نيوز)، بتأريخ 16/تشرين ثاني/نوفمبر 2017م.


[2] https://goo.gl/zsmFJv


[3] https://goo.gl/zGqReu


[4] https://goo.gl/FHeUhX


[5] https://goo.gl/tPd49D


[6] http://www.iraq-amsi.net/ar/98741            








أضف تعليق