هيئة علماء المسلمين في العراق

المنهج الرشيد .. في استقبال العام الجديد ... حسين مسعود
المنهج الرشيد .. في استقبال العام الجديد ... حسين مسعود المنهج الرشيد .. في استقبال العام الجديد ... حسين مسعود

المنهج الرشيد .. في استقبال العام الجديد ... حسين مسعود

مع بداية عام جديد يحسُن التذكير في أن يكون لنا منهجٌ رشيد وخطوات مدروسة فيما يتعين علينا فعله ونحن نستقبل هذا العام الجديد، فاستقبال الأمة لعام جديد هو بمجرده قضية لا يستهان بها، وإن بدا في أنظار بعض المفتونين أمراً هيناً، ومن هذا المنطلق كانت هذه الوقفات المنهجية في استقبال هذا العام:


أولاً: (الاعتبار بمرور الأيام):


فإن عجلة الزمن تدور، وقطار العمر يمضي، وأيام الحياة تمر، فمن منّا يتأمل في ذلك جيداً، ويعتبر بما يجري، فالاعتبار مطلبٌ شرعي، أمرنا الله تعالى به في كتابه الكريم فقال سبحانه: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) [الحشر: 2]…


إن العقلاء والحكماء من الناس ليتبصرون في مضي الدقائق والساعات والليالي والأيام، ويعتبرون بما فيها من مواعظ وأحداث وفوات، فيقررون استغلالها فيما ينفعهم، فإن كل ماضٍ قد يُسترجع إلا العمر المنصرم، فإنه نقص في العمر، ودنٌّو في الأجل…


قال الفضيل بن عياض لرجل: كم أتى عليك؟ قال: ستون سنة. قال: فأنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك يوشك أن تبلغ. فقال الرجل: إنا لله و إنا إليه راجعون.


قال الفضيل: أتعرف تفسير قولك: إنا لله و إنا إليه راجعون!


إن من علم أنه لله عبد وأنه إليه راجع فليعلم أنه موقوف، ومن علم أنه موقوف، فليعلم أنه مسئول، فليعد للسؤال جوابا، فقال الرجل: فما الحيلة؟ قال: يسيرة. قال: ما هي؟ قال: تحسن فيما بقي يغفر لك ما مضى، فإنك إن أسأت فيما بقي، أُخذت بما مضى وما بقي والأعمال بالخواتيم.


إن الفرح بقطع الأيام والأعوام دون اعتبار وحساب لما كان فيها ويكون بعدها هو من البيع المغبون، فالعاقل من اتعظ بأمسه، واجتهد في يومه، واستعد لغده.


ثانياً: (التفاؤل والاستبشار بالخير):


ما أجمل ونحن في بداية هذا العام أن نتفاءل بالخير، ونستبشر بأن قادم الأيام أفضل، وأن ننطلق بروحٍ جديدة، روح التفاؤل والتحدي، عن عائشة رضي الله عنها قالت: “كان يعجبه عليه الصلاة والسلام الفأل الحسن ويكره الطيرة” رواه ابن ماجة والحاكم، بل ذهب عليه الصلاة والسلام إلى أبعد من ذلك فقال كما في حديث أبي هريرة “إذا قال هلك الناس فهو أهلكهم” رواه مسلم…


كانت نظرته عليه الصلاة والسلام للمستقبل نظرة تفاؤل، نظرة تبعث الأمل في النفوس، مع أنه مّر به من المحن والمصائب والنكبات والآلام الشيء الكثير، فلم يُعرف أن الظروف غيّرته أو اصابته بالملل، بل كلما استحكمت حلقاتها ازداد تفاؤلاً وتشوقاً للنصر، وها هو صلى الله عليه وسلم يغضب عند غياب التفاؤل عن بعض أصحابه في وقت اشتداد الأزمة، فعن خباب بن الأرّت - رضي الله عنه - قال: شكونا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة فقلنا: ألا تدعو الله فقعد وهو محمر وجهه وقال: "كان الرجل فيمن كان قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه فيجاء بمنشار فيوضع فوق رأسه فيشق باثنين فما يصده ذلك عن دينه والله ليتمنّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون". رواه البخاري.
لقد كان صلى الله عليه وسلم يستصحب التفاؤل في كل أحواله، ويستشرف المستقبل جيداً بروح طموحة متفائلة، كارهاً للتشاؤم، ناظراً لقادم الأيام بنظرةٍ ثاقبة، عن عائشة أنها قالت للرسول عليه الصلاة والسلام: هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال: “لقد لقيت من قومك فكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت – وأنا مهموم – على وجهي فلم أفق إلا في قرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم”. قال: “فناداني ملك الجبال فسلّم علي ثم قال: يا محمد إن الله قد سمع قول قومك وأنا ملك الجبال وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك إن شئت أطبق عليهم الأخشبين “فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا”. متفق عليه.


أخي الكريم:


ابتسم للحياة، واستنشق عبير التفاؤل، وابدأ عامك متحرراً من الكآبة والسآمة، وتوشح وشاح العزم والأمل، واسمو بنفسك عالياً، ولا تقطع الأمل بربك فإن بيده مقاليد الأمور كلها، وقديماٍ قيل (تفاءلوا بالخير تجدوه).


ثالثاً: (التخطيط السليم للأعمال):


لا شك أخي الكريم أنك تدرك أنّ للنجاح وسائل موصلة إليه بإذن الله تعالى، ولا يمكن أن تكون ناجحاً بدون تلك الوسائل، ولكي تكون ناجحاً لا بد لك من التخطيط السليم لنشاطك ووقتك، حيث لا يخفى علينا أهمية التخطيط في نجاح الفرد في دراسته أو عمله بخاصة أو حياته بعامة.


بل لو جئت تتأمل في مناهج الناجحين في الحياة لوجدتهم من أكثر الناس تخطيطاً لأعمالهم وحفظاً لأوقاتهم…


قد يتساءل أحدهم عن مدى أهمية التخطيط في الحياة فنرد عليه ونقول له أن التخطيط أمر حتمي في الحياة لا غنى عنه، فالشخص الذي نجح في وضع رسالته ورؤيته في الحياة لا بد وأن يحول هذه الرؤية إلى أهداف واضحة، ثم يضع خطة محكمة لتنفيذ هذه الأهداف وذلك لأنه يريد أن يتوجه بكل قوته نحو هدفه مباشرة ويريد الوصول بأسرع وقت ممكن، ولا يكون ذلك إلا بالتخطيط لهذه الجهود قبل عملها. وكما يقول براين تريسي: “كل دقيقة تقضيها في التخطيط توفر لك 10 دقائق في التنفيذ، وهذا يعطيك 1000% من العائد المستثمر من بذل الطاقة”.


ولذلك فالتخطيط هو خير معين لك للنجاح في الوصول إلى أهدافك، وكما تقول الحكمة: “ليس تحديد الهدف هو أهم ما في الأمر، الأهم هو خطة السعي وراء تحقيقه والالتزام بهذه الخطة”. بل هو أساس النجاح وكما هي الحكمة الشهيرة التي تقول: “إذا فشلت في التخطيط فقد خططت للفشل”.


ويذهب أحد حكماء الإدارة (ستيفن إيه برينان) إلى أبعد من ذلك حيث يجعل التخطيط هو السبيل الأوحد للنجاح فيقول: “يمكننا الوصول إلى أهدافنا فقط من خلال خطة نعتنقها بشدة ونعمل على تنفيذها بقوة. ليس هناك طريق آخر إلى النجاح”.


إن المسلم يخطط تخطيطاً بعيداً يتجاوز الحياة الدنيا، إنه التخطيط لآخرته ومصيره بعد موته ومنقلبه عند قدومه على ربه، بل لأجل ذلك ينبغي أن يتعلم التخطيط لحياته الدنيا ليكتمل النظام في كافة جوانب حياته.


ولابد أن يسبق التخطيط وضوح الغاية والهدف ليتأتّى بعدها تحديد المراحل ومن ثم التخطيط للوصول إليها، أما من عميت عليه الأهداف والغايات فلأي شيء يخطط؟


رابعاً: (العزيمة الصادقة):


على استغلال أيام هذا العام ولياليه في فعل الخير ونفع الناس، إنّ اتصاف المرء بالعزيمة والطموح في ضوء نور معرفته لهدفه وسبيله، هو أقوى ما يمكن أن يتصف به الشخص الفاعل والمؤثر، فالعزيمة تدفع وتقوّي، والطموح يُبشّر ويجذب نحو الهدف المرسوم، كثير من المتساقطين في هذه الحياة إنما يعود سبب سقوطهم لضعف عزائمهم وصدق الله إذ يقول: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾ [آل عمران: 159].


وقد أدرك النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم هذا المفهوم الأعظم، ومن ثُم انطلق في حياته من عزيمة لا تعرف الكّل، بل عمل على تقوية العزائم في نفوس أصحابه وأمته، وحاول جاهداً أن يجعل لهم طموحاً متدرجاً نحو معالي الأمور، وكان كثيراً ما يقول في صلاته هذا الدعاء "اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد". 


كان عليه الصلاة والسلام يسأل ربه أن يثبته على ما تحقق من إنجاز، وأن يعطيه العزيمة ع


لى إكمال السبيل، سائلاً ربه أن تكون عزيمة رشيدة نافعة حكيمة عليمة.


لقد أُوذي المسلمون في غزوة أحد - الغزوة الثانية التي لقي فيها صلى الله عليه وسلم أعداءه - وجُرح فيها عليه الصلاة والسلام، وقُتل عمه حمزة وآخرون ممن كان يحبهم، ومثّل أعداؤه بجثث أصحابه وأحبابه، بل جُرح هو جروحا متكاثرة وألمّ الألم والحزن بجميع أصحابه، فمنهم من قُتل، ومنهم من جُرح ولا يزال جرحه ينزف دماً، ثم تنزل آيات القرآن على الرسول الكريم يقرؤها على أصحابه وهي تقول: ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 139]، فلا ينبغي عليكم أن تهنوا أو تحزنوا فيقعدكم الوهن أو الحزن عن سبيلكم الذي اخترتموه وهدفكم الذي سعيتم إليه. وبالفعل، فقد دفن المسلمون أحزانهم في قلوبهم، ولم يستسلموا لمصابهم الذي حل بهم، وكان هذا الأذى الذي حدث للمسلمين في أُحد فرصة انتهزها المنافقون وأعداء الرسول عليه الصلاة والسلام، ليقضوا عليه وعلى دعوته، وغلت مراجل المدينة والقبائل من حولها ترجو القضاء عليه.


ومن هنا كان صلى الله عليه وسلم يركز في توجيهه لأصحابه نحو بناء العزيمة في نفوسهم، وأنّ قلوبهم صاحبة القول النهائي في ذلك، وأنه لابد من همّة القلب قبل همّة الأعضاء..


إنه في مواقف كثيرة، يخبرهم، أن المرء قد يبلغ الدرجات العُلى بهمّة قلبه، حتى قبل أن تصل إليها جوارحه وأعضاء جسده، يقول في الحديث عليه الصلاة والسلام: "من همّ بحسنه فلم يعملها، كتبها الله عنده حسن


وقد يتفوق المؤمن الفقير بهمته العالية على الغني كثير المال كما في قوله صلى الله عليه وسلم: “سبق درهم مائة ألف درهم”، قالوا: يا رسول الله! كيف يسبق درهم مائة ألف؟، قال: “رجل كان له درهمان، فأخذ أحدهما، فتصدق به، وآخر له مال كثير، فأخذ من عرْضها مائة ألف”.


فلكأنّ الإسلام هنا يبين أن الطريق إلى الله إنما يقطع بقوة العزيمة وعلو الهمة وتصحيح النية ودفق الطموح، وأن عملاً قليلاً قد يصل صاحبه بعزمه ونيته إلى أضعاف مضاعفة مما يقطعه قليل العزيمة ضعيف النية…


خامساً: (التجديد):


التجديد مع العام الجديد أمرٌ مطلوب، وشيءٌ محبوب، فالعام الجديد تتجدد فيه الهمم ويستعاد فيه النشاط وتراجع فيه الأحوال وتتابع الأعمال وتترقب الآمال.. بل كلمة الجديد تأنس لها النفس، ويتطلع لها الفؤاد، ويفرح بها القلب، ويشرق بها الأمل، ويُطرد بها الملل، فالإنسان خُلق ملولاً ويحتاج للتجديد بين الحين والآخر. والمتأمل لهذا الدين وشعائره بل وللكون ومظاهره يجد أنها مراعية لهذا الجانب فهي مليئة بالتجديد، متميزة بالتغيير، بعيدة عن الرتابة، طاردة للسآمة، تجد الليل والنهار والشروق والغروب والحر والبرد والسهل والجبل واليابسة والبحر والبساتين والأشجار والعيون والأنهار والجداول والخمائل ولو كانت الحياة على وتيرة واحدة لضّج الناس قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ۚ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُور ﴾ [فاطر: 27، 28].


أما ونحن بدأنا عاماً جديداً لماذا لاتهّز هذه الكلمة أعماقنا، وتوقظ وجداننا، فنهرع إلى الجدّ والتجديد في حياتنا، وطرائق تفكيرنا؟ لماذا لانجدد بتجديد العام ونغير بتغيير الزمان؟ حقاً إن كثيراً منّا غيروا وجددوا مع تغير الزمان ولكنه تجديد إلى الأسوأ، وتغيير إلى الأدنى وتقدم إلى الحضيض، فليس التجديد بالتحلل من الأخلاق والتحلل من القيم والتنكر للدين والانسلاخ من الحياء، فما ذلك إلا دمار وضياع، وتيهٌ وضلال قال تعالى ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [الأنفال: 53]


ينبغي على المسلم أن يجدد في إيمانه، في صلته بربه، أن يغير في طريقة حياته وأعماله ونشاطاته الخيرية، حتى تجري دماء التجديد في جسمه. يتخذ لنفسه برنامجاً جديداً حافلاً، يقرأ القرآن ليجدد إيمانه، يتأمل حياة النبي صلى الله عليه وسلم ليجدد أخلاقه وتعامله، يزور القبور ليجدّد لواعج الخوف في قلبه، يزور المرضى ليكسب الأجر ويجدد وازع شكر النعمة والصحة والعافية، يسأل عن الأيتام، ينفس عن المكروب، يفرج عن المهموم، يجدد في طرائق دعوته.. إلى غير ذلك من الأعمال العظيمة التي يتجدد بها الإيمان، وتتحرك بها المشاعر، وتأنس بها النفس، هكذا يجب أن يكون الإنسان مع نفسه، وأن يعيد تنظيم حياته، وأن يستأنف مع ربه علاقةً أفضل، وعملاً أكمل، وأن يفكر بجدية وتجديد ماذا سيقدّم لأمته ودينه من جديد!


سادساً: (اغتنام الأوقات بالطاعات):


إن على المسلم أن ينظر في أي شيء يصرف وقته، قال بعض أهل العلم: رأيت عموم الخلائق يدفعون الزمان دفعاً عجيباً، إن طال الليل فبحديث لا ينفع، أو بقراءة كتاب أو سمر قراءة كتاب في أي شيء؟ فيما لا ينفع ككثيرٍ من القصص التافهة، والمجلات الماجنة، وإن طال النهار فبالنوم، أو التسكع على الأرصفة والشواطئ والصّف في الأسواق، يقتلون أوقاتهم ويضيّعونها فيما لا فائدة منه…


الوقت الذي يمكن ملؤه، وقوة الجسد المعينة على العمل، وفترة الشباب تكون زاخرةً بهذين الأمرين. وإذا علمنا أنه لا يتحسر أهل الجنة على شيء إلا على ساعةٍ مرت بهم في الدنيا لم يذكروا الله عز وجل فيها، فإذا قارنّا هذا بالساعات الطوال التي تضيع في غير ما فائدة، بل إنّها تقضى في المعاصي، ولا يُبقي كثيرٌ من الناس لربهم وعبادته سبحانه إلا ساعة إذا اكتملت، هذا إذا اكتملت، لاشك أنّ هذا خسارةٌ لعمر العبد وأنّ العواقب سوف تكون ضده أليمة، وهنا ينبغي أن يقف العاقل مع نفسه وقفةً يتذكر فيها ربه، ويعد العدة لما بعد الموت.


أي والله ينبغي اغتنام كل فرصة، واغتنام العمر حتى آخر لحظة، وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألَّا تقوم حتى يغرسها فليفعل) رواه الإمام أحمد. في هذا الحديث الصحيح انتهاز الفرصة في عمل صالح في آخر لحظة، ولو كان الإنسان لم ير ثمرته، فسوف يرى ثمرته في الآخرة، ولو لم يجدها في الدنيا. إن المشكلة تكمن في عدم معرفة قيمة الوقت…


الوقت سريع التقضي، أبي التأتي، لا يرجع مطلقاً، والعاقل هو الذي يفعل ما يغتنم به وقته، قال بعض أهل العلم: ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه، وقدر وقته، فلا يضيع منه لحظة في غير قربة، ثم ليس فقط انتهاز العمر بالطاعات، واغتنام الأوقات بالعبادات، وإنما يقدم الأفضل فالأفضل من القول والعمل، فإنّ اغتنام الوقت في أفضل ما يمكن مسألة تحتاج إلى فقه؛ لأن مسألة التفاضل بين الأعمال لا يمكن التوصل إليها إلا من خلال الأدلة الشرعية، ولذلك فلا بد أن يكون للمسلم علمٌ بالأعمال التي نص الشارع على فضلها، وأنّها أفضل من غيرها…


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


حسين مسعود القحطاني


أضف تعليق