هيئة علماء المسلمين في العراق

دراسة شرعية حول حكم عقد الزواج بغير إذن ولي المرأة
دراسة شرعية حول حكم عقد الزواج بغير إذن ولي المرأة دراسة شرعية حول حكم عقد الزواج بغير إذن ولي المرأة

دراسة شرعية حول حكم عقد الزواج بغير إذن ولي المرأة

ورد إلى قسم الفتوى في هيئة علماء المسلمين؛ سؤال يتعلق بحكم عقد الزواج، دون إذن ورضا ولي المرأة، وفيما يأتي تفصيل المسألة:


السؤال:: ما هو الحكم الشرعي في عقد زواج حصل بين رجل وامرأة مكلفين؛ بغير إذن ولي المرأة (الأب) ولا رضاه، ثم جرى العقد بحضور شاهدين ولكن ليس عند قاض شرعي صحيح؟


 الجواب:: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


للفقهاء في حكم العقد المذكور مذهبان:


الأول: مذهب جمهور الفقهاء من السلف والخلف؛ يرى أن العقد المذكور باطل؛ لأنه مخالف للأدلة الشرعية في هذا الموضوع، ومنها:


1) قال تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ} [سورة البقرة، من الآية: 232].


أ ـ وجه الدلالة من الآية الكرية؛ أن قوله تعالى: {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} ظاهر أن العَضْلَ يتعلق بالأولياء، والآية من أصرح الأدلة على اعتبار الولي عند الزواج، وإلا لما كان لعضله معنى، ولأنه لو كان للمرأة أن تزوج نفسها؛ لم تحتج إلى وليها، ومّن كان أمره إلى نفسه لا يُقال: إن غيره منعه.


وذكر ابن المنذر؛ أنه لا يُعرف عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم خالف ذلك؛ ويدل على صحة المعنى المفهوم من منطوق الآية؛ سبب نزولها، وهو الآتي:


ب ـ  روى البخاري في سبب نزول هذه الآية؛ عن معقل بن يسار رضي الله عنه، قال: إنها نزلت فيه، قال: زوجت أختًا لي من رجل فطلقها، حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها، فقلت له: زوجتك وفرشتك وأكرمتك، فطلقتها، ثم جئت تخطبها؟ لا والله لا تعود إليك أبدًا، وكان رجلاً لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فأنزل الله تعلى هذه الآية: {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ}، فقلت: الآن أفعل يا رسول الله، قال: (فزوجها إياه). [صحيح البخاري ـ كتاب النكاح ـ باب من قال: لا نكاح إلا بولي ـ رقم الحديث: (5130) ـ 7/16].


جـ ـ قال الإمام القرطبي بعد ذكره لسياق هذه الآية: (إذا ثبت هذا ففي الآية دليل على أنه لا يجوز النكاح بغير ولي لأن أخت معقل كانت ثيبا، ولو كان الأمر إليها دون وليها لزوجت نفسها، ولم تحتج إلى وليها معقل، فالخطاب إذا في قوله تعالى: {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ}، للأولياء، وأن الامر إليهم في التزويج مع رضاهن). [الجامع لأحكام القرآن: 3/158 ـ 159].


د ـ وقال الأمام الشافي رحمه الله تعالى ـ بعد أن ذكر هذه الآية التي نزلت في قصة معقل بن يسار بشأن زواج أخته: (وهذا أبين ما في القرآن من أن للولي مع المرأة في نفسها حقًا وأن على الولي أن لا يعضلها إذا رضيت أن تنكح بالمعروف). [كتاب الأم للشافعي: 5/13].


2) روى أبو داود وابن ماجه عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها؛ فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له). [سنن أبي داود 6/98ـ 99ـ وسسن ابن ماجه: 1/605].


3) روى الترمذي وابن ماجه عن أبي موسى رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا نكاح إلا بولي) [جامع الترمذي: 4/226، سنن ابن ماجه: 1/605].


قال الشوكاني: (وفي قوله صلى الله عليه وسلم: (لا نكاح إلا بولي)؛ هذا النفي يتوجه إما إلى الذات الشرعية؛ لأن الذات الموجودة أعني صورة العقد بدون ولي ليست بشرعية، أو يتوجه إلى الصحة، فيكون النكاح بغير ولي باطلاً، كما هو مصرح بذلك في حديث عائشة رضي الله عنها) السابق. [نيل الأوطار: 6/119].


4) روى ابن ماجه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تزوج المرأةُ المرأةَ، ولا تزوج المرأة نفسها؛ فإن الزانية هي التي تزوج نفسها). [سنن ابن ماجه: 1/606].


وفي ضوء هذه الأدلة: عند جمهور الفقهاء يكون عقد الزواج الوارد في السؤال باطلاً، وعلى الرجل أن يفارق زوجته فورًا، وعليهما التوبة أيضًا، وعلى المرأة أن تعتد من زواجها الباطل، وبعد انتهاء عدتها؛ إذا أراد الزوج أن يعود إليها فعليه أن يعقد عليها عقدًا جديدًا شرعيًا بكل أركانه وشروطه، أو على أقل تقدير أن يكون العقد عند قاضٍ شرعي صحيح.


 


المذهب الثاني: بعض الفقهاء من الحنفية والظاهرية والجعفرية؛ يرى أن العقد المذكور صحيح، وقد استدل أصحاب هذا القول بعدة أدلة، منها:


1 ـ قال تعالى: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا} [سورة البقرة: من الآية: 130].


ووجه الدلالة على هذه الآية يتلخص في وجهين:


الوجه الأول: (إضافة عقد النكاح إليها من غير ذكر الولي؛ {حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ}).


الوجه الآخر: (إضافة المراجعة إليهما من غير ذكر الولي؛ { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا}). [أحكام القرآن للجصاص: 1/400].


2 ـ جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ (أن جارية أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت أن أباها زوّجها وهي كارهة، فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم)؛ أي: خيّرها بين فسخ النكاح وبين بقائه وعدم فسخه.


3 ـ أن البالغة العاقلة البكر في تزويج نفسها بنفسها؛ إنما تتصرف في خالص حقها، وهي من أهل التصرف لكونها بالغة عاقلة، ولهذا كان لها التصرف في مالها، وكذا التصرف بزواجها. [ينظر: أحكام القرآن للجصاص: 1/402].


4 ـ اتفق الفقهاء جميعًا على جواز قيام الرجل بعقد الزواج لنفسه إذا كان جائز التصرف بماله، والمرأة البالغة إذا كانت جائزة التصرف بمالها، وجب جواز عقد نكاحها بنفسها. [ينظر: أحكام القرآن للجصاص: 1/402].


القول الراجح:


وقول مذهب الجمهور هو الراجح؛ لأن الأدلة التي ذكرها أصحاب المذهب الثاني تُعد مُقيّدة بأدلة مذهب الجمهور، والعلماء يكاد يتفقون بأن الأدلة المطلقة إذا جاءت نصوص أخرى تقيد إطلاقها؛ فيجب حمل المطلق منها على المقيد، وهذه المسألة من ذلك.


 


وخلاصة صحة عقد الزواج، هو أن يتوفر الآتي:


1) رضا المرأة بالزوج الذي سيعقد عليها، ولا يصح العقد بغير رضاها.


2) إذن الولي ورضاه بالعاقد على موليته، ولا يصح العقد بغير رضاه ولا إذنه، وإذا تعسف فالقاضي وليها، وعقد الزواج بغير إذن الولي ولا رضاه ومن غير قاض شرعي صحيح؛ لا يصح، ولا يلتفت إلى الأقوال التي تخالف هذا المعنى، لأنها مخالفة للأدلة الشرعية الصحيحة.


3) أن يكون عقد الزواج بحضور شهود عدول، وبعدد لا يقل عن اثنين ذكرين.


4) أن يكون في عقد الزواج إعلان، ولا سرية فيه.


والله أعلم


قسم الفتوى ـ هيئة علماء المسلمين


 


أضف تعليق