هيئة علماء المسلمين في العراق

أنفس ما يجري على اللسان ... د. كاظم النعيمي
أنفس ما يجري على اللسان ... د. كاظم النعيمي أنفس ما يجري على اللسان ...  د. كاظم النعيمي

أنفس ما يجري على اللسان ... د. كاظم النعيمي

لو أنك تسمعت الضجة التي تسود أرجاء العالم وحاولت استبانة معناها ما وجدت إلا بُغام الغرائز المهتاجة تريد إثبات نفسها وتحقيق رغباتها، وتجد الإنسان مشغولاً بما ينبغي له فعله من إسكات رغباته المحصورة ما بين فكيه وفخذيه.


من أجل ذلك حث الله جل في علاه عباده المؤمنين به أن يقاوِموا هذا الذهول السائد وأن يتخلصوا من هذه الغيبوبة العامة، وأنْ يذكروه برغم هذه المنسيات وهذا هو سر الوصايا المتكررة بإدمان الذكر.


(( وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ )).


(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا )).


((فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُم )).


إن ذكر الله تعالى أشرف ما يحضر بالبال وأشرف ما يمر بالفم وأشرف ما يتألق به العقل الواعي وأشرف ما يستقر في العقل الباطن.


إن ذكر الله تعالى يجب أن يأخذ صوراً كثيرة وذلك حسب مناسبة الأحوال التي يكون الناس بإزائها.


فمثلاً أمام من يرفضون الاعتراف بالخالق ويكرهون الإيمان به نقول لهم: (( اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ )).


أما الذين يتخذون مع الله شركاء يكون ذكر الله بتوحيده وإفراده بالعبودية، والتوجه إليه وحده بالدعاء والرجاء، (( قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (64) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ )).


الناس قد يقلقون للمستقبل أو قد يشعرون بالعجز أمام ضوائق أحاطت بهم، ونوائب نزلت بساحتهم، وهم أضعف من أن يدفعوها، إنهم إذا كانوا مؤمنين تذكروا أن الله عز وجل على كل شيء قدير، وأنه بكل شيء عليهم وبصير، وأنه غالب على أمره، وأن شيئاً لن يفلت من يده  ولذلك يشعرون بالطمأنينة، وهذا المعنى هو المراد من قول الله عز وجل: (( الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ )).


فذكر الله هنا يشعر الإنسان المؤمن بالسكينة لأنه يعلم أنه في حماية من لا يضام عنده أحد، وأنه إذا أوى إلى الله فإنما يأوي إلى ركن شديد، ولهذا يشعر بالطمأنينة وهذا نوع آخر من الذكر وذكر الله تعالى يخامر قلب المؤمن عندما يزله الشيطان إلى ذنب يرتكبه في جنب الله، إنه لا يبقى في وهدته التي أنزلق إليها إنه يذكر أن له رباً يغفر الذنب ويقبل التوب (( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ )).


كذلك يأتي ذكر الله في موقف الإنسان مع ماله الذي يعشقه ويحب جمعه وإدخاره فيأتيه الشيطان ويحاول أن يملأ فؤاده خشية المستقبل وأن يغريه بالشح به، إلا أن ذكر الله يفك تلك القيود ويزرع في نفس المؤمن الأمل والرجاء إذا هو بسط يده بالنفقة قال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (10) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ )).


ويقول سبحانه: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ )).


وحينما يخلو الإنسان مع نفسه وفي أوقات فراغه فإذا أراد الله به خيراً ذكَّره فذكَره، ذَكَر مَن خَلَقه (( مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ))، مَن رَزَقَه (( وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ)) من علَّمه ((خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ )) فعرفتْ نفسُه قدرها وعجزها وفقرها (( وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا )).


ذَكر اللهَ وهو بحالته تلك ففاضتْ عيناه أنه دخل في قائمة " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله" وعد منهم: " ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه"، إنها عين بكت من خشية الله " عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله".


إن لذكر الله عز وجل معنى كبيراً إنه يذكر دائماً بالله سبحانه فلا ينساه العبد: (( وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ )).


إن ذكر الله من أشرف العبادات وأنفس ما يجري على اللسان، من كلمات وما يثبت في القلوب من معان، وهو مفتاح الصلة المباشرة بالكبير المتعال: (( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ )).


وقد تنافس الصالحون في الله، وربطوا أفْئِدَتَهُم وأذهانهم به، وقد رأوا ذكر الله تعالى طريقاً سريعاً للوصول إلى مقام القرب ولأُنْس بالله عما تزْخَرُ به هذه الحياة الدنيا من فُتُونٍ ومُجونٍ: (( وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ )).


أخي: لا تترك ذكر الله لعدم حضور قلبك مع الله فيه؛ لأن غفلتك عن وجود ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره، فعسى أن يرفعك من ذكرٍ مع وجودِ غفلة إلى ذكرٍ مع وجودِ يقظة ، ومن ذكرٍ مع وجودِ يقظةٍ إلى ذكرٍ مع وجودِ حضورٍ وأُنسٍ.


فاذكر الله ذكرا كثيراً في الصباح والعشي وفي كل حال: (( الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا    وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ )).


ولْنحذرْ أن نقول : (( إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ )) بل نقول: (( وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ )).


وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين


 


 


 


 


 


أضف تعليق