هيئة علماء المسلمين في العراق

المؤسسات الدينية بين المجتمع والقادة .. د. فلاح إبراهيم
المؤسسات الدينية بين المجتمع والقادة .. د. فلاح إبراهيم المؤسسات الدينية بين المجتمع والقادة ..  د. فلاح إبراهيم

المؤسسات الدينية بين المجتمع والقادة .. د. فلاح إبراهيم

     أودع الله تعالى في الفطرة البشرية جنوحها إلى التديّن، فالإنسان في فطرته مجبول على الرجوع إلى إله يهرع إليه عند خوفه وفزعه، ولو كان هذا الجنوح إلى صنم أو خرافة، فالهاجس الديني مسيطر على حياة الإنسان سواء كان بالفطرة أم بالاكتساب من المجتمع الذي ينشأ فيه، ومن هنا كان سلطان العامل الديني وأثره في حياة الفرد ثم المجتمع؛ حتى أصبح متحكّمًا في كل شؤون حياة الإنسان سواء أدرك ذلك أم لم يدرك.


     واتخذ الحكام والملوك ورؤساء الأحزاب من الدين وسيلة ناجعة للتعامل بها مع المجتمع في كثير من القضايا الداخلية والخارجية، من أجل الحصول على تأييد رموز القيادة الدينية فيما يتخذونه من قرارات تؤيد الوجهة التي يريدون، فهم يُوقدون حروب مصالحهم ويُلبسونها ثياب التدين، وإن كانوا علْمانيين؛ من أجل أن يحشدوا ويسخروا لها طاقات أممهم، ولا يضيرهم أن يقولوا بعد أن تقع الواقعة: (نحن آسفون على ما حدث)، وليس على ما ارتكبوه من خطيئة بحق الشعوب، وعلى الشعوب أن تدفع لهم أو عنهم ثمن كلمة (نحن آسفون).


     لقد أدى تدخل الملوك والحكام بهذه الطريقة وما يتبع ذلك من اتخاذ رموز دينية مقرَّبة من دائرة الحكم تُسوغ لهم أفعالهم، وتُلْبس على الناس دينهم إلى إرباك المؤسسة الدينية وتخبطها في كثير من البلاد، إذ جعلوها ألعوبة بأيديهم يصبغونها بالصبغة التي يريدون؛ ممّا أفقدها هيبتها واحترامها ومصداقيتها، فدخل المجتمع في فوضى لا آخر لها حين غاب عن روحه الوازع الديني الحقيقي، وطغت على المشهد الصراعات الدينية.


     وليس ذلك محصورًا بين الديانات المختلفة، فربما كان الصراع على أشده في ضمن الدين الواحد على نحو ما شهدته المسيحية إبان العصور الوسطى، وكذلك ما تشهده البلاد الإسلامية بين الفينة والأخرى من اقتتال، حيث كان الصراع المذهبي سببا في إيقاد كثير من الحروب وإذكائها.


     والحروب التي نشبت أو تنشب على أسس دينية وطائفية هي أقسى الحروب على مرّ التأريخ، وأطولها عُمْرًا، على نحو ما حدث في غضون الحروب الصليبية التي لا تفتأ تُوقد نيرانها بين الحين والآخر، وإن اختلفت مسمياتها ودواعي نشوبها، إذ لا تلبث طويلا حتى تظهر أسباب اندلاعها الحقيقية في فلتات ألسنة مُسعّريها.


     وكذلك كبرى الدول والامبراطوريات التي قامت على مرّ التأريخ قامت على أسس ومبادئ دينية سواء كانت سماوية أم وثنية، وربما قوّضت بعض هذه الدول بعضًا لأسباب دينية، وخلّفت وراءها نزعات ثأرية طائفية ودينية امتدت لقرون وربما لآلاف السنين.


     لذلك ينبغي على قادة المجتمع الذين يريدون إحلال السلام الحقيقي على المستوى المحلي والإقليمي والدولي أن يُولوا اهتمامهم ويُفكروا بإصلاح المؤسسة الدينية في ضمن المجتمع الواحد أو بين المجتمعات المختلفة؛ لأن العامل الديني هو من أقوى عوامل إصلاح المجتمعات ووحدتها وتماسكها وتآلفها، كما أنه في الوقت نفسه يُمثل أقوى عوامل تفرقها وضعفها واقتتالها عند اختلافها وتعدّد مذاهبها، ولا يزال العالم يشهد بين الحين والآخر مَن يخرج فيُثير نقاط الاختلاف في الديانات والمذاهب؛ من أجل إثارة الفتنة والكراهية والحقد بين أبناء المجتمعات المختلفة، أو بين أبناء المجتمع الواحد.


     صحيح أن هناك عوامل أخرى تُساهم في ترابط المجتمع وتماسكه، كاللغة والثقافة والتأريخ وغيرها، إلّا أن هذه العوامل لم تُشكل نقطة اختلاف كبير بين الشعوب والمجتمعات بقدر ما للدين من أثر في ذلك.


     إن أي خطوة جادة لإصلاح المجتمعات ولاسيّما الإسلامية منها يجب أن تبدأ بإصلاح المؤسسة الدينية وإقامة ركائزها على أسس قوية؛ لأنها العامل الرئيس والمتحكم في عواطف الشعوب ومشاعرهم، بل إنّ الساسة وأصحاب الحكم والقرار الذين يزعمون أنهم يحكمون الناس - على اختلاف دياناتهم- على مبدأ المساوة الاجتماعية والمواطنة تحكمهم عواطفهم الدينية وما يضمرونه من مشاعر تجاه الآخرين من أصحاب الديانات الأخرى، وإن حاولوا إخفاءها حينا تظهر عليهم في أحيان أخرى، وكثيرًا ما تتغلب عليهم نزعتهم الدينية والطائفية عند احتدام الأمور.


     وما نشهده اليوم في العراق وسوريا واليمن وليبيا من اقتتال أربك العالم وأدخله في دوامة عالمية، دخلت في صراعاتها جميع الدول سواء كان دخولها مباشرًا أم غير مباشر ما هو إلّا صورة من صور الصراع الديني المذهبي، ولا يكاد يسلم منه أحد حتى الذين يدّعون أنهم لا شأن لهم في الدين من العلْمانيين وغيرهم، وإن كانوا حقيقة هم مَن يُغذّون هذه الصراعات ويُموّلونها.


     ولهذا، كان إصلاح الجانب الديني عند هذه الطبقة من المجتمع أولى من غيرهم من الطبقات؛ إذ هم الذين يقودون أممهم إلى حلبات صراعات لا نهاية لها، ولا تأتي بأي خير، كما تستهلك مقدرات الأمة لقرون لاحقة وربما لقرون سابقة.


     ومن الأمثلة الشاهدة القريبة على ذلك ما جرّته حرب التحالف الأمريكي على العراق سنة 2003 حين أعلن الرئيس الأمريكي بوش الابن ومن قَبله بوش الأب: أن هذه الحرب هي حرب صليبية مقدّسة، وسارعت بعض الجهات الدينية إلى مباركة هذه الحرب المقدسة؛ ليتبيّن لهم بعد ذلك أنّ المعلومات التي بنَوا عليها حربهم المقدسة هذه كانت مكذوبة ولا صحة لها، وذلك باعتراف أرباب هذه الحروب.


     وتكرر الأمر نفسه مع التدخل الروسي في سوريا حيث سارعت الكنيسة الروسية إلى مباركة هذا التدخل والعدوان ووصفته بـ(المقدّس).


     وما تزال جميع الأمم التي دخلت في هذه الحرب الصليبية (المقدسة) تدفع الثمن الباهض من دماء أبنائها وأقوات شعوبها، فضلا عن الشرخ الكبير الذي تسببت به في انقسام المجتمعات وتخندقها دينيا وطائفيا بطريقة لم يسبق لها مثيل، ولاسيما في هذا العصر الذي بلغت فيه الأمم ما بلغت من التمدّن والحضارة، ولا تزال رحى الحرب تدور، ولا يستطيع أحد أن يُوقفها أو يُدرك على وجه الدقة نتائجها الكارثية على حياة الشعوب.


     وستحتاج هذه المجتمعات والشعوب إلى قدر كبير من العفو والتسامح؛ من أجل أن ترأب الصدع الذي أحدثته هذه الحروب (المقدسة)؛ ولتتجاوز الآثار المادية والنفسية التي خلّفتها هذه الحروب، والتي لا يُحيط بحجم ضررها على الأجيال إلا الله تعالى.


     علمًا أن نتيجة هذه الصراعات معروفة لدى الجميع ويتحدثون بها، فبعد أن تنزف الشعوب ما تنزفه من دمائها، وتخسره من أقواتها وأموالها ستجد نفسها مجبرة - وعلى ما هي عليه من اختلاف في الديانة أو الطائفة - على التعايش فيما بينها، وأن يحتمل بعضها بعضا، كما ستُدرك أن محاولات الاستئصال لديانة أو طائفة بعينها لم تنجح في عصور الجهل والتخلف والانحطاط؛ فأنى لها أن تنجح اليوم في عصر الحضارة والحرية والعلم والتكنلوجيا ووسائل الاتصال الحديثة والعولمة؟.


     لقد كان من أكثر أسباب تشظّي المجتمع الواحد واختلافه هو تعدُّد المرجعيات الدينية للدين الواحد أو تعددها في المذهب الواحد، وما يترتب على ذلك من اختلاف المصالح، وكفى بذلك سببا رئيسا وكبيرا في إذكاء الصراعات بين مكونات المجتمع الواحد، فإذا كان هرم القيادة الدينية تتجاذبه الصراعات فما بالنا بقاعدته.


     وبنظرة سريعة لمجتمعات عالم اليوم نرى أن أكثر المجتمعات تماسكا هي تلك التي تتمتع بمؤسسة دينية مستقلة وذات مرجعية واحدة، وإن كانت ديانتها وثنية.


     لهذا، نقول: إن من أولى أولويات القادة المخلصين المصلحين هو إصلاح المؤسسة الدينية، والعمل على استقلالها، وإقامتها على أسس قوية ومتينة، تعتمد في عقيدتها ورؤيتها ومنهجها مبدأ الوسطية والاعتدال وفق الضوابط الأصولية التي اختارها الله تعالى لعباده، والتي لا يمكن لأحد أن يخرج عنها وعن محجتها البيضاء وخطوطها العريضة التي تُمثل إجماع الأمة.


 خاص بالقسم العلمي


أضف تعليق