هيئة علماء المسلمين في العراق

التاريخ الهجري .. وقفات وتأملات .. د. حسن سعيد
التاريخ الهجري .. وقفات وتأملات .. د. حسن سعيد التاريخ الهجري .. وقفات وتأملات .. د. حسن سعيد

التاريخ الهجري .. وقفات وتأملات .. د. حسن سعيد

كان من عادة الناس قبل الإسلام أن يؤرّخوا بالحوادث التي تقع لهم في أيام دهرهم، ويعود هذا المنهج إلى عميق التاريخ وأيامه البعيدة، فقد كان الناس يؤرّخون بنار إبراهيم (عليه السلام) التي ألقي فيها، فجعلها الله تعالى برداً وسلاماً عليه، إلى أن رُفعَت القواعد من بيت الله الحرام على يد الخليل إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام، فأرّخ الناس حينئذ ببناء البيت، وظلوا على هذه الحال حتى تفرّقوا وخرجوا في الأرض قبائل شتى، فأرّخوا بخروج كل منهم، ومنهم قبائل العرب التي استمرت على ذلك حتى مات كعب بن لؤي، وأرخوا بموته إلى عام الفيل، وبقي الناس على ذلك حتى خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إذ قام رجل في مجلسه فقال: أرِّخوا، فقال عمر رضي الله عنه: ما أرِّخوا؟ فقال الرجل: شيءٌ تفعله الأعاجم في شهر كذا من سنة كذا، فقال عمر: حسنٌ، فقال: من أي السنين نبدأ؟ فقالوا: من مبعثه صلى الله عليه وسلم، وقالوا: من وفاته عليه الصلاة والسلام، وقال الإمام عليٌ كرّم الله وجهه: من مُهاجَرَة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفراقِه أرض الشرك، فأقره أمير المؤمنين عمر، ثم قال: بأي الشهور نبدأ؟ فقالوا: من رمضان، ثم قالوا: من المحرّم، فإنه منصرَف الناس، وهو شهر حرام، فأجمعوا على المحرم. [المنتظم في تاريخ الملوك، لابن الجوزي: 4/227؛ البداية والنهاية، لابن كثير: 3/252].


كان ذلك استقراءً تاريخياً مقتضباً لاستعمال التاريخ الهجري في تحديد السنين والشهور، وهذا الاستقراء يمثل وقفة تأمل مهمة لمعرفة أصل العمل بالتاريخ الهجري، وبمزيد تأمل تتجلى معالم جليلة أخرى في اختيار الهجرة توثيقاً لبداية السنين، واختيار شهر الله المحرّم توثيقاً لبداية الشهور، فالاعتداد بالهجرة النبوية بداية لكل سنة يربط القلب بتضحيات النبي صلى الله عليه وسلم من أجل دين الله تعالى، ومواقفه الداعية إلى الاعتزاز بالإسلام ديناً ومنهجاً في الحياة، وكذلك تعني الهجرة انتقالاً من أرض الشرك والمعصية إلى أرض الإيمان والطاعة، وهكذا ينبغي على المؤمن أن ينقل قلبه وبدنه من المعصية وطاعة النفس والشيطان إلى التقوى وطاعة الواحد الديان، وذلك لا يحصل إلا بهجرة المعاصي والسيئات.


واختيار شهر الله المحرم بداية للسنة الهجرية مع كون الهجرة قد وقعت في الثاني عشر من ربيع الأول ـ في غالب الروايات ـ له دلالات بالغة الأهمية، فمن تأمل في التاريخ الهجري وجده ينتهي بشهر ذي الحجة، الذي تقام فيه فريضة الحج إلى بيت الله تعالى، والحج يمثل محطة تنقية وتطهير عامة وشاملة للمسلم، إذ المسلم يعود قافلاً من فريضة الحج وما عليه من سيئة، كيوم ولدته أمه، وفي ذلك قال عليه الصلاة والسلام: « مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ » [رواه البخاري بالرقم (1521)]، وهذا ما أشار إليه الصحابة الكرام بقولهم: (فإنه منصرَف الناس)، فانتهاء العام بشهر ذي الحجة يجعل المسلم يحثّ الخطى في اغتنام ما بقي من أيام السنة قبل انتهائها، فإذا تم له النقاء والطهارة من الذنوب عاد كيوم ولدته أمه بل هو أفضل من ذلك بكثير؛ لأن الوليد لا سيئة له ولا حسنة،   أما المسلم الذي يتنقى من ذنوبه ويتطهر، يخلو من السيئات لكنه يعود بعظيم الحسنات.


ومنها تعظيم مكانة هذا الشهر العظيم، الذي هو أحد الأشهر الحرم التي قال الله تعالى عنها: ((إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ )) [سورة التوبة: من الآية36]، فالابتداء بشهر محرّم ومعظّم يكون باعثاً للمسلم على الانطلاق بجدّ ومثابرة في تحصيل عظيم الأجور من الأعمال الصالحة، وفي ذات الوقت يكون رادعاً قوياً لمن تدعوه نفسه إلى فعل المعاصي والمخالفات، وهذا ما عناه الصحابة (رضوان الله عليهم) بقولهم: (وهو شهر حرام).


إن هذه الوقفات والتأملات في التاريخ الهجري تجعل المسلم يشعر بعظيم نعم الله تعالى الوافرة، وأعظمها نعمة الإسلام، فبالإسلام نسمو ونعلو، ونرقى ونرتقي، وكل حادثة من الحوادث التي مر بها المسلمون في تاريخهم تحمل بين طياتها دلالات عظيمة لو بحث المسلم عنها، وفتش في مكنونها، لرآها كنزاً ثميناً يحقق له معالم السعادة التي يرجوها في الدنيا والآخرة. 


 


 


أضف تعليق