هيئة علماء المسلمين في العراق

التقويم الهجري والهوية الضائعة*.. د.عمر الراوي
التقويم الهجري والهوية الضائعة*.. د.عمر الراوي التقويم الهجري والهوية الضائعة*.. د.عمر الراوي

التقويم الهجري والهوية الضائعة*.. د.عمر الراوي

لكل أمة هوية تعتز بها وتدافع عنها، وهوية أمتنا تتمثل بتاريخها المجيد الذي صنعه رجالها، عبر القرون الماضية من خلال ما خاضوه من صولات وجولات.


وتبرز عظمة تاريخنا الإسلامي من خلال التقويم الهجري الذي وضعه الخليفة عمر رضي الله عنه، والسبب الذي دعاه لذلك هو أن أبا موسى الأشعري "رضي الله عنه" كان واليا على البصرة، والتبست عليه كتب الخليفة وأوامره المختلفة فلم يستطع تنفيذ بعضها في المواضيع المحددة لخلوها من التاريخ، الأمر الذي ألجأه للكتابة إلى الخليفة يلتمس منه ضرورة وضع تاريخ لأوامره ورسائله، ليسهل عليه التنفيذ والتأجيل، حسب متطلبات الحاجة، فرأى الخليفة أن رأي عامله وواليه مصيب، وأدرك في الحال أهمية الموضوع، وضرورة وضع مبدأ للتاريخ الإسلامي.


وفي رواية أخرى أنه عرض على الخليفة عمر ابن الخطاب رضي الله عنه "صك مكتوب" لرجل على آخر بدين يحل عليه في شهر شعبان، فقال عمر: أي شعبان هذا؟ الذي مضى أو الذي هو آت؟ أو الذي نحن فيه؟ ثم جمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وطلب منهم أن يضعوا للناس شيئا يعرفون فيه حلول ديونهم.


ومن يتمعن في الروايتين يجد أن أمر الفاروق بسن التاريخ الهجري يأتي من باب الحرص على حفظ التاريخ الإسلامي ومن أجل حفظ حقوق الناس وعدم التفريط بها، وهو بهذا الفعل يبين لنا أهمية هذا التقويم، وأنه الهوية التي يجب على المسلمين الاعتزاز بها وعدم التفريط بحقها، لأن تضييعها هو تضييع للتاريخ الإسلامي الذي سطرته تلك الدماء الزكية التي بقيت تدافع عن الإسلام والمسلمين.


ومن يقلب صفحات التاريخ الحديث يجد أن الغرب استخدم كل الوسائل الممكنة من أجل القضاء على التاريخ الهجري ففي القرن الثاني عشر الهجري، أرادت الدولة العثمانيَّة تحديث جيشها وسلاحها، فطلبتْ مساعدة الدول الأوروبيَّة العظمىومنها فرنسا وألمانيا وإنجلترا، فوافقوا على مساعدتها بشروط منها: إلغاء التقويم الهجري في الدولة العثمانيَّة، فوافقت على ذلك، وفي القرن الثالث عشر الهجري أراد خديوي مصر أن يَقترض مبلغًا من الذهب من إنجلترا وفرنسا؛ لتغطية مصاريف فتح قناة السويس، فاشترطتَا عليه ستة شروط؛ منها: إلغاء التقويم الهجري في مصر، فتمَّ إلغاؤه واستبدال التقويم القبطي والميلادي به.


كل هذا وغيره يبين لنا أن للتاريخ الهجري أهمية كبيرة، ولو لم يكن كذلك لما استخدم الغرب جميع إمكانياته من أجل استبداله ومحوه من الأمة الإسلامية، وما دام أنه بهذا القدر الكبير وجب على المسلمين في عصرنا هذا وفي كل عصر أن يستشعروا قيمته الحقيقية، ويحافظوا عليه لأنه هوية لا يجوز التفريط بها وحضارة يجب أن تبقى باقية إلى قيام الساعة.


ومن ينظر في حال المسلمين اليوم يجد أنهم في بُعد عن التاريخ الهجري، فلو سألنا كثيرا منهم في أي سنة هجرية نحن؟ فلا تجد إلا القلة القليلة التي تجيبك، وكذلك الحال لو سألتهم عن الأشهر الهجرية فقليل من يعرفها وقليل من يذكرها مرتبة، حتى إن قسما كبيرا أصبح يحسب زكاة الأموال على التاريخ الميلادي؛ لأنه لا يفقه أي شيء عن التاريخ الهجري.


إن تاريخنا الهجري أصبح منسيا عند كثير من المسلمين، بل أقول وبكل مرارة أني قمت بالتذكير بهذه المسألة عبر صفحات التواصل الاجتماعي وإذا بأحدهم يرد وبكل وقاحة ( الناس صعدت للقمر أبقوا على هالعقلية)، وكم من أمثاله في المجتمعات الإسلامية؟


إننا بحاجة إلى توعية المجتمع الإسلامي بهذا الأمر، والدعوة إلى الاهتمام بالتاريخ الهجري، ذلك لأن تناسيه هو بحد ذاته مساعدة للغرب في تكريس ثقافته في المجتمع الإسلامي.


وهذه التوعية ليست بالأمر العسير بل باستطاعة كل مسلم التنبيه إلى ذلك فيبتدئ بتوعية أهله وأقاربه وأصدقائه، ويسخر صفحات التواصل الاجتماعي والمنتديات وغيرها بالتذكير بهذه القضية، من أجل أن نسترجع هذه الهوية العظيمة.


 


*مقال خاص بـ(   الهيئة نت    )


 


 


 


أضف تعليق