هيئة علماء المسلمين في العراق

غثاء السيل والوهن الأممي .. الدكتور حسن سعيد
غثاء السيل والوهن الأممي .. الدكتور حسن سعيد غثاء السيل والوهن الأممي .. الدكتور حسن سعيد

غثاء السيل والوهن الأممي .. الدكتور حسن سعيد

إن التأمل في واقع حال أمتنا الإسلامية في هذا الوقت يجعل جميع أبنائها يفكرون ملياً في الدواعي التي أوصلت المسلمين إلى هذه المواصل في الوقت الحاضر، فحالة التفكك وتناثر القوى وغياب معالم الوحدة واقع حال ليس لأحد أن ينكره، وكلٌّ من أفراد أمتنا له طريقته في التفكير، وفي قراءة واقع الأمة في هذه المرحلة، ومن البدهي أن تكون وجهات النظر متباينة وليست مشتركة لأول وهلة.


 فبعض أفراد الأمة يعزو أسباب بعد الأمة عن مراتب الصدارة للعالم إلى تسلط الحكام، وجورهم على الشعوب، وولائهم للشرق والغرب، وانشغالهم بالحفاظ على عروشهم، حتى لو أريقت دونها آلاف الألتار من دماء الأبرياء، ولو هدمت كل قائمة في البلاد ما عدا قوائم كراسيّهم؛ وآخر يعزو أسباب ذلك إلى تسلط الأعداء على بلدان أمتنا، واحتلالها وتدمير كل مفاصل القوة فيها، كي تصاب بحالة من الشلل الحضاري، فلا تقوم لها قائمة في الأرض بعد ذلك؛ وآخر يعزو الأسباب إلى بعد كثير من المسلمين عن تعاليم دينهم، وتقليدهم الأعمى للغرب.


هذا ما يبدو من الأسباب التي أوصلت الأمة إلى هذا الحال في هذا الزمان، لكنّ ممعن النظر في واقع الأمة يجد أن هذه أعراضاً لمرض واحدٍ أنتجت تلك الإفرازات الخطيرة، وهنا يجد الجميع أنفسهم بأمس الحاجة للرجوع إلى صاحب العصمة العقدية والتشريعية والسلوكية والفكرية، فلا شك أن الجميع سيجدون بغيتهم عند رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، إذ ستجد الأمة في منهج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تحذيرات كثيرة، وإرشادات عديدة، للحيلولة دون وصول الأمة إلى ما وصلت إليه الآن، ولكن أفراد الأمة هم من يتقحّم في المحذورات ويقع فيها، وقد بيّن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ذلك بقوله: « إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ أُمَّتِي كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَجَعَلَتِ الدَّوَابُّ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهِ، فَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ وَأَنْتُمْ تَقَحَّمُونَ فِيهِ » [رواه مسلم]، فيا ترى هل أخبر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن واقع الأمة اليوم؟ وهل أفصح عن أسباب ذلك؟.


 لا مرية أن البحث في إخبارات رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الغيبية المستقبلية سينتهي بالوقوف على تشخيص دقيق للحالة الغثائية ووصف ناجع للشفاء منها، وذلك بقوله (صلى الله عليه وسلم):« يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا» ، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: « بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ» ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: «حُبُّ الدُّنْيَا، وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ » [رواه أبو داود بسند صحيح].


لتتأمل الأمة هذا الحديث فترى قراءة تامة ودقيقة من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لكل  ما تمر به الأمة من أزمات، وما يعتريها من نكبات، وتعلم أسباب ذلك، وذلك مشخَّصٌ تشخيصاً دقيقا من حبيب الله محمّد (صلى الله عليه وسلم)، فالحديث مصدّر بكلمة (يوشك) وهي من ألفاظ الاحتمال، لكنها يوم تصدر من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في معرض قراءة الغيب فهي تفيد حتمية الوقوع للحدث، وإنما يقولها (صلى الله عليه وسلم) تأدباً منه في تعامله مع أخبار الغيب التي يطلعه الله عليها، فالمعنى واقع على الأمة لا محالة، وستشهده في قابل أيامها، كلما فقدت معالم الظهور والصدارة الأممية، وقد تحقق التداعي الأممي على أمة الإسلام بألوان السيطرة الاستعمارية، ومحاولات القضاء عليها، واستمر ذلك التداعي حتى هذه الساعة، والواقع في فلسطين وأفغانستان والعراق شاهد على ذلك.


 لكن السؤال الذي يدور في الخلد، ويجول في الخاطر هو: ما سبب ذلك؟ قد يظهر للوهلة الأولى أن السبب هو (القلة) كما أفصح به القائل بقوله: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ فأجابه (صلى الله عليه وسلم) بإجابة أزالت حيرته وحيرة كثيرين ممن ظنوا أن القلة ـ سواء في العدد والعدة والإمكانات ـ هي سبب تسلط الأمم وتداعيها على أمة الإسلام، فقال له (صلى الله عليه وسلم):« بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ »، لم تكن الكثرة في الأمة باعثاً على التمكين في الأرض في يوم ما إطلاقاً، بل القلة المخلصة المؤمنة الواثقة بالله هي من كانت تُمَكَّن في الأرض، وذلك لأجل إظهار الرابط العقدي المهم الذي تضمنه قوله تعالى: (( وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ))، ولكن ما العلة إذن؟ وما السبب في تداعي الأمم وتكالبها على أمة الإسلام؟ السبب يكمن في قوله (صلى الله عليه وسلم):« وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ »، حالة غثائية تعتري واقع الأمة، لكن ما السر في تشبيه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الأمة بغثاء السيل؟.


 إن الناظر إلى غثاء السيل سيرى أنه رغوة كثيرة خفيفة تعلو السيل، وإن هذا الغثاء عبارة عن أخلاط الأرض من ترابها وأعوادها والمخلفات فيها، كما أن غثاء السيل ليس له حرية القيادة بل من خواصه الانقياد التام، وارتهان حركته بحركة السيل، وأنه على كثرته غير نافع، وليس ذا تأثير مطلقاً، وهذا هو حال أمتنا في هذا العصر، أمة كثيرة بأفرادها، بلغوا أكثر من مليار ونصف المليار، لكن ليس لهم ثقل القيادة في الأرض، إذ انقاد حكام بلدان الأمة، وكثيرٌ من أبنائها للشرق أو للغرب، سياسةً كان ذلك الانقياد أو سلوكاً، حتى ذابت على إثر هذا الانقياد هوية كثيرين ممن سلكوا سبيله، ومحي انتماؤهم للإسلام، ولم يعد لهم أي تأثير في وجودهم وحياتهم.


أما سبب هذه الحالة الغثائية التي تصيب الأمة، فقد بيّن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ذلك بقوله: « وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ»، هذا هو السبب وراء غياب تأثير الأمة في العالم، وفساد الكثير من أبنائها، وانكفاء الآخرين منهم على ذاتهم ومصالحهم، حتى البقية الباقية منها وهم الصلحاء والأخيار، وإن كان لهم حضور وتأثير لكنه ليس تأثيراً كبيراً يعيد الأمة إلى سابق عهدها ومجدها إلا بمزيد من التضحية والثبات أمام رياح التغيير التي تصدهم وتغريهم وتمنيهم، وقد تحقق ما أخبر به رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فقد نزع الله مهابة أعدائنا منا على مستوى الأمة، وإن كانت الرهبة في قلوب الأعداء من الفئة المؤمنة الثابتة على الحق باقية قائمة ما قام الحق، والتي عاهدت الله ـ تعالى ـ على الثبات فلم تغيّر يوم غيّر الناس، ولم تبدّل يوم بدّلوا، لكن هذه الفئة المؤمنة أيضاً ليست في ملاذٍ آمن من الخطر، ولا بعيدة عن السبب الثاني وهو الوهن، والوهن كما أخبر به رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه: «حُبُّ الدُّنْيَا، وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ »، لتحذر من أبواب الدنيا التي ستفتح لها فلا تلجها، وتفضّل الموت في سبيل الله على الحياة في ذل الأعداء، ولتحذر بقية الأمة مما هي فيه من مظاهر تعلّق القلب بالدنيا، وافتتانهم بنعيمها الوقتي، وليجعلوا دنياهم هذه أرضاً يبذرون فيها بذور الخير والعمل الصالح، ويغنموا حياتهم في طاعة الله، فإذا كانوا كذلك غنموا غنائم عظيمة أدناها انحلال عقدة الخوف من الموت، وأعلاها السعي والمشاركة في إعادة الأمة إلى موقع الصدارة والريادة في الحياة، وأغلاها نيل مرضاة الله وجمع حصاد الخير في جنة الخلد.


مقال خاص بموقع    الهيئة نت    


 


أضف تعليق