هيئة علماء المسلمين في العراق

لمسات بلاغية في آيات قرآنية .. العمر مهاجر
لمسات بلاغية في آيات قرآنية .. العمر مهاجر لمسات بلاغية في آيات قرآنية .. العمر مهاجر

لمسات بلاغية في آيات قرآنية .. العمر مهاجر

الحمد لله الذي كان تنزيله اعجازاً للإنس والجن على أن يأتوا بمثله فما استطاعوا قال تعالى (( قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ))[1]. فله الحمد كل الحمد أن أكرمنا بكتاب رفعنا به بين الأمم وأعلى شأن لساننا بين الألسن فهو صاحب الفضل، ولو شكرناه طول حياتنا ولم نفتر لحظة واحدة ما وفِّينا حق نعمة من نعمه فله الحمد والشكر... والصلاة والسلام على نبينا إذ بعثه فينا وهو منا بالمكان الوسط فصلِّ اللهم عليه صلاة وسلاماً دائمين تامين إلى أن ترضى بها عنا إنك نعم المولى ونعم المجيب.
لقد بذل علماؤنا الأجلاء جهدهم لإبراز الأسلوب القرآني الرائع بمستواه البلاغي فتعلمنا منهم أن القرآن الكريم معجز بنظمه وما فيه من فصاحة تُهَذِّب الألسن وتأسر القلوب، إذ إن القرآن صار معجزاً لأنه جاءنا بأفصح الألفاظ في أحسن نظم مُضَمَّناً أصحَّ المعاني. وسبك اللفظ حتى صار أرقها تعبيراً وأسهلها قراءة وأَروعهَا سماعاً.
وإنّ مما يدهش أن القرآن الكريم لم يعجز الناس كل الناس من وجه واحد فقط. وإنما أعجزهم من وجوه عدة، فأعجزهم أن يعارضوه بكل المستويات.
فمن جانب استطاع القرآن الكريم أن يعجز العرب حين نزوله وهم أهل الفصاحة والبلاغة والخطابة والشعر سليقة وبديهة، فاستولى على كياناتهم بعد النفاذ إلى أرواحهم إذ هو الفصيح في اللغة، الخفيف على الألسن، حَسَنُ الوَقْع في المسامع، الآخذ بمجامع القلوب والأرواح فهذا زعيم من زعماء العرب والعربية على كفره إلا أن القرآن أسر لسانه ولم يؤمن قلبه. بل أعترف بإعجاز القرآن فشهد للقرآن بفضله ولم يشهد شهادة الإسلام هذا هو الوليد بن المغيرة إذ يقول: ( والله لقد سمعت من محمد كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن: وإن له لحلاوة، وان عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وان أسفله لمغدق وانه ليعلو ولا يُعْلَى عليه، وما يقول هذا بشر )[2].
ومن جانب آخر فإن إعجازه يذهب إلى ما في القرآن من تعليمات عالية وإرشادات سامية وغايات نبيلة[3]، وعلوم متعددة طبيعية وكونية وعلمية وغيرها مما دعا إلى أن نقول بأن الله تعالى معجز بآياته في كل شأن.
واعلم أن سياقات القرآن وجمله المترابطة كالكرستال في الوصف الذي من أين جئته أعطاك لوناً جديداً بَرَّاقاً لامعاً مضيئاً. وأن بعض آياته كالعقد إذ تَتْبَعُ حلقاته احداها الأخرى فلا تستطيع أن تقطع العِقد ولا أنْ تُرَتِّبَ بِحَلَقِهِ شيئاً بعد أن نظمه نَاظِمُهُ على هذا النظم والسبك. فتبارك الله على ما أنزل من كتاب أذهل البشر والجن.
ونجد من حسن التعبير أنّ الله تعالى اختار ألفاظاً في مواضع لا يصلح مكانها غيرُها، ذلك لغايات يقتضيها السياق أو تقتضيها القصة. وتكلم في ذلك علماؤنا الأجلاء من أمثال الرماني والخطابي والزمخشري والباقلاني والزملكاني والزركشي والسيوطي حتى وصل إلى العصر الحاضر فالتقينا بالدكتور فاضل صالح السامرائي أدام الله فضله، وأطال في عمره الذي أنار الأذهان فأظهر هذا العلم على ساحة الإعجاز البياني والفني.
وان مما دعا للكتابة في هذا الموضوع أن المسلمين اليوم ( وأخص منهم طلاب العلم ) يؤمنون بالقرآن تعصباً لا عقلاً، وجودياً ( هذا ما وجدنا عليه آباءنا ) لا تحليلياً عقلياً، قومية لا ديناً. وأنهم لا يفهمون أين محل أعجازه وماهي موازين الأعجاز أو القواعد التي تَوصل إلى فهم الإعجاز.
وأبقى أقول أنا العبد لله وعسى أن يقبلني ولا أدعي أنني فارس هذا المعترك أو أعرف كل شيء فما أنا إلا إنسان قلَّ ما يصيب فأسأله المولى المجيب أن يعينني على ما أعددته وأن يعلمني بما ينفعني وينفعني بما علمني إنه ولي ذلك والقادر عليه.


1- سورة الإسراء، الآية /88.
2- الجامع لأحكام القرآن: 19/72,
3- ينظر: مقدمة تفسير مجاهد: 12.


أضف تعليق