هيئة علماء المسلمين في العراق

ماذا بعد الحج؟؟ ... عمران السامرائي
ماذا بعد الحج؟؟ ... عمران السامرائي ماذا بعد الحج؟؟ ... عمران السامرائي

ماذا بعد الحج؟؟ ... عمران السامرائي

الحمد لله رب العالمين وأتم الصلاة والتسليم على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد.


ذكر الله تعالى الحج وما يجب فيه من أعمال في سورة البقرة فقال تعالى:{فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (200) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202) وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } [سورة البقرة : 200- 203].
وأريد من القارئ الكريم أن يقف عند نهاية كل أية من الآيات السابقة والتي هي: { وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} ،{ وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}،{ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ}،{ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}،نجد أن نهاية الآيات الأربع تتحدث عن الآخرة ، فمن سعى إلى الدنيا وطلبها وبذل عمرها من أجلها ونسي الآخرة فما له في الآخرة من نصيب ، على عكس من أقام الموازنة وطلب الدنيا لمعاشه وعمل للآخرة لأنها معاده ، والله تعالى سريع الحساب وتتجلى سرعة الحساب في الآخرة بشكل أدق ، ثم ختمت تلك الآيات التي تحدثت عن الحج وكيفيته بقول الله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } ليعود الأمر إلى التقوى التي جاءت مطلع سورة البقرة {الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ } [البقرة : 1 ، 2] وتذكير الناس أنهم إلى الله تعالى يحشرون فيكون الحساب.


ثم ما نجده من حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الحج قول عظيم ألا وهو قوله عليه الصلاة والسلام : (( مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ )) صحيح البخاري :2 / 133.


وقال عليه الصلاة والسلام: (( تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقرَ والذنوبَ كما ينفى الكير خبثَ الحديدِ والذهبِ والفضةِ، وليس للحجةِ المبروةِ ثوابٌ إلا الجنة)). سنن الترمذي:2 / 153، وقال الإمام الترمذي: حديث حسن.


وبالنظر إلى مغزى الآيات والأحاديث نلحظ دفعهما وإشارتهما وحثهما على الاستعداد لليوم الآخر ، فإذا حج المسلم وسَلِمَ حَجهُ مما ينقِصُه رَجِعَ كأن لم يكن عليه ذنب وهذه بشارة للمسلم الحاج ثم هي بداية أخرى له للسير إلى الله تعالى والاستعداد ليوم المعادِ والتشمير عن سواعد الجدِ في الطاعات والحرص على اجتناب المعاصي بكل أشكالها، ولا يقتصر الأمر على من حج البيت الحرام بل المسلم غير الحاج فتحملُ له تلك الآيات السابقة الذكر كذلك معنى التزود والاستعداد للآخرة ففيها تذكير بالحساب و الآخرة و المحشر والرجوع إلى الله تعالى ، وهنا ينبغي ذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَالْعَاجِزُ مَنِ اتَّبَعَ نَفْسَهُ وَهَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ )). سنن الترمذي:4/ 347، قال الإمام الترمذي : هذا حديث حسن.


وفي رواية (( والأحمق من أتبع نفسه هواها )) وفسر (الْكَيِّسُ) بالعقل ولذا كان ضده الأحمق كما في الرواية الأخرى. ينظر: فتح الباري:9 / 342.
قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعليقاً على الحديث : ( فقسم الناس إلى قسمين كَيسٌ وعاجزٌ فالكيس: هو اللبيب الحازم العاقل الذي ينظر في عواقب الأمور فهذا يقهر نفسه ويستعملها فيما يعلم أنه ينفعها بعد موتها وإن كانت كارهة لذلك). شرح حديث لبيك اللهم لبيك:1 / 34.


ولذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( مَنْ أَحَبَّ دُنْيَاهُ أَضَرَّ بِآخِرَتِهِ ، وَمَنْ أَحَبَّ آخِرَتَهُ أَضَرَّ بِدُنْيَاهُ ، فَآثِرُوا مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى )). الآداب للبيهقي:1 / 498 ، ( لأن من أحب دنياه عمل في كسب شهوتها وأكب على معاصيه فلم يتفرغ لعمل الآخرة فأضر بنفسه في آخرته، ومن نظر إلى فناء الدنيا وحساب حلالها وعذاب حرامها وشاهد بنور إيمانه جمال الآخرة أضر بنفسه في دنياه يحمل مشقة العبادات وتجنب الشهوات فصبر قليلا وتنعم طويلا ، ولأن من أحب دنياه شغلته عن تفريغ قلبه لحب ربه ولسانه لذكره فتضر آخرته ) . فيض القدر للمناوي:16 / 156.


كل ذلك يحمل المسلم على أن يعيد النظر في حساباته وعمله وفي سلوكه وخلقه وعباداته أهي مما يرضى الله تعالى وهي على وفق سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، أما أنها معطوبة يشوبها النقص والتهاون فيما يجب عدم التهاون فيه؟.


فالحج نهاية عام هجري وإيذانا بقرب عام هجري جديد مما يعني عمراً آخر للمسلم حريٌ بالمسلم أن يستعد له ويضع في ذهنه ونفسه تجديد نشاطه وطاعاته بما يكون له ذخراً في الآخرة وبركة في الدنيا.


ثم إن أعظم عمل يجعله المسلم نصب عينيه هو أن يحمل هم إرضاء الله تبارك وتعالى فهذا مما يسبب له السعادة في الدنيا و الآخرة وهذا ما نجده في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمّاً وَاحِداً كَفَاهُ الله ما هَمهُ من أمرِ الدنيا والآخرةِ ، ومنْ تَشاعَبتْ به الهُمومَ لم يبالِ الله في أي أُوديةِ الدُنيا هلكَ)). المستدرك على الصحيحين:7 / 395، وقال الإمام الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.


فبذل الجهد في تحقيق مرضاة الله تعالى معين على هموم الدنيا لأن المسلم سينشغل بإرضاء من بيده تفريج الهموم والكروب ومن بيده تيسير العسير وهو الله العلي القدير وأعظم ما يشغل المسلم بهما وقته ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي قال:(( يقُولُ الرَّبُّ عَزَ وجَل: مَنْ شَغَلهُ الْقُرْآنُ وَذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ وَفَضْلُ كلاَمِ الله عَلَى سَائِرِ الْكَلاَمِ كَفَضْلِ الله عَلَى خَلْقِهِ)) سنن الترمذي:5 / 104، وقال الإمام الترمذي: هذا حديث حسن غريب.


نسأل الله تعالى أن يعيننا على دوام ذكره وحسن عبادته إنه ولي ذلك والقادر عليه وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


للمزيد في القسم العلمي يرجى فتح الرابط الآتي:


https://www.facebook.com/AmsiScientific/posts/


 


أضف تعليق