هيئة علماء المسلمين في العراق

إذا هبت رياح الخير فاغتنمها ... د. أيمن العاني
إذا هبت رياح الخير فاغتنمها ... د. أيمن العاني إذا هبت رياح الخير فاغتنمها ... د. أيمن العاني

إذا هبت رياح الخير فاغتنمها ... د. أيمن العاني

الحمد لله الحنان المنان المتفضل على عباده بمواسم الرحمة والغفران والعتق من النيران، والصلاة والسلام على النبي العدنان المبعوث رحمة للأنس والجان وعلى اله وصحبه الكرام الحسان، وبعد ..


فقد جُبلت النفس البشرية على حب الخير والاستزادة منه والرغبة الفطرية في مضاعفة الربح واغتنام الفرص وتسارع الخطى إلى كل ما ينفع ويفيد؛ وكان مِن منّ الله عز وجلّ على هذه الأمة أن جعل لها مواسم خير سنوية وشرع اغتنامها عن طريق أداء العبادات والأعمال الصالحة والأقوال التي تُقرب العبد من ربّه، وتُعينه على مواجهة ظروف الحياة بنفس طيبةٍ وعزيمةٍ صادقة.


وعشر ذي الحجة -الأيام العشرة الأولى من شهر ذي الحجة- من أهم مواسم الخير في حياة المسلم؛ فهي أفضل أيام السنة، كما أن ليلة القدر هي أفضل ليالي السنة، ولذلك يستحب الإكثار فيها من السنـن والـنـوافـل، والصيام لغير المحرم بالحج، والصدقة، وتعلّم القرآن وتعليمه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبرّ الوالدين، وصلة الرحم، والذكر، والدعاء، والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.


ولقد ورد فضل الأيام العشر من شهر ذي الحجة صريحاً في القرآن الكريم الذي سماها بالأيام المعلومات لعظيم فضلها وشريف منزلتها، قال تعالى { وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ }. حيث أورد ابن كثير في تفسير هذه الآية قوله: " عن ابن عباس رضي الله عنهما: الأيام المعلومات أيام العشر ".


كما جاء قول الحق تبارك وتعالى: { وَلَيَالٍ عَشْرٍ }. وقد أورد الإمام الطبري في تفسيره لهذه الآية قوله : " وقوله : " وَلَيَالٍ عَشْرٍ " ، هي ليالي عشر ذي الحجة؛ ولاشك أن القسم بها يُنبئُ عن شرفها وفضلها.


وقد روى أحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه من العمل فيهن من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتحميد))، وعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((أفضل أيام الدنيا أيام العشر)).


أن هذه الأيام المباركات تُعد مناسبةً سنويةً مُتكررة تجتمع فيها أُمهات العبادات وهي الصلاة والصيام والصدقة وكذلك الحج وهو ركن الإسلام الأعظم، ولا يتأتى ذلك في غيرها، وانها أيام يشترك في خيرها وفضلها الحُجاج إلى بيت الله الحرام، والمُقيمون في أوطانهم لأن فضلها غير مرتبطٍ بمكانٍ مُعينٍ إلا للحاج، وهي أيام تشتمل على يوم التروية، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة الذي تبدأ فيه أعمال الحج، ويوم عرفة، وهو يوم مغفرة الذنوب والعتق من النار، وهو يوم يباهي الله ملائكته، وقد اشتملت هذه الأيام أيضا على ليلة المُزدلفة التي يبيت فيها الحُجاج ليلة العاشر من شهر ذي الحجة بعد دفعهم من عرفة. واشتملت هذه الأيام على أعظم أيام الدُنيا وهو يوم النحر، العاشر من ذي الحجة، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن أعظم الأيام عند الله تبارك وتعالى يومُ النحر، ثم يوم القَرِّ ". وأخيرا وليس آخرا، إن هذه الأيام هي الأيام العشر التي أتمها الله تعالى لسيدنا موسى عليه السلام، والتي كلم الله تعالى موسى في تمامها، وإنها الأيام الخاتمة لأشهر الحج، حيث تُغفر الذنوب، ويُجرد المرء من خطاياه كيوم ولدته أمه، وان الله تعالى جعل هذه الأيام المعلومات ميقاتاً للتقرُب إليه سبحانه، التي حرص السلف الصالح على اغتنامها والاكثار فيها من العبادات والطاعات وذكر الله والتهليل والتحميد وذبح القرابين كسوق الهدي ونحر الأضاحي؛ وبعد كل هذا نرى كثيرا من الناس يغفلون أو يتغافلون عن فضل هذه الأيام التي هي أفضل من العشر الأخيرة من رمضان، خلا ليلة القدر.


ولا يسعني في نهاية هذه التذكرة إلا أن أختم بالإصغاء لوصية ابن رجب؛ وهو يصرخ فينا ويقول: "الغنيمة الغنيمة بانتهاز الفرصة في هذه الأيام العظيمة، فما منها عوض ولا لها قيمة، والمبادرة المبادرة بالعمل والعجل العجل قبل هجوم الأجل"؛ نسأل الله تعالى أن يكتبنا في هذه الأيام الفضليات من التائبين العابدين الحامدين السائحين الرَّاكعين الساجدين الآمرين بِالمعروف والناهين عَنِ المُنكرِ والحافظين لحُدود اللَّه المؤدّين فرائضه, المنتهين إلى أمره ونهيه؛ كي نكون من المؤمنين الذين يبشرهم ربهم بما وعدهم من إدخالهم الجنة ؛ إنه سميع مجيب


مقال خاص ب   الهيئة نت    


أضف تعليق