هيئة علماء المسلمين في العراق

إرشادات شرعية في بيان فضل العشرة الأولى من شهر ذي الحجة
إرشادات شرعية في بيان فضل العشرة الأولى من شهر ذي الحجة إرشادات شرعية في بيان فضل العشرة الأولى من شهر ذي الحجة

إرشادات شرعية في بيان فضل العشرة الأولى من شهر ذي الحجة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه أجمعين.


أولاً: يقول الله عز وجل: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ *  لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} [سورة الحج 27-28].


والمراد بالأيّام المعلومات في هذه الآية، هي العشر الأُوَل من ذي الحجة؛ في ضوء القول الراجح عند علماء التفسير وكثير من الفقهاء؛ ومنهم ابن عبّاس والشافعي والجمهور.


ثانيًا: أهم العبادات في العشر الأُوَل من ذي الحجة:


أ) العمل الصالح: لحديث ابن عبّاس رضي الله عنهما: (ما من أيّام العمل الصالح فيها أحب إلى الله عز وجل؛ من هذه الأيام ـ يعني أيام العشر ـ قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله؛ إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء) رواه الإمام البخاري.


وللعلماء في المراد بالعمل الصالح اتجاهان:


الأول: كل أعمال البر المشروعة في دين الإسلام، من قراءة القرآن الكريم، وذكر الله عز وجل مطلقًا، وصلاة، وصدقة، وتسبيح، والحرص على صلاة الجماعة، وقيام الليل، والاستغفار، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.


ومن ذلك الصيام؛ فقد بوّب الإمام النووي في كتاب (رياض الصالحين) فقال: (باب فضل الصيام وغيره في العشر الأول من ذي الحجة) وأورد حديث البخاري المذكور آنفًا.


الثاني: المراد بالعمل الصالح في الحديث المذكور؛ هو ذكر الله عز وجل على وجه الخصوص، وليس كل أعمال البر، والدليل على ذلك؛ آية سورة الحج: { وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ}.


وفي ضوء هذا؛ فالعمل الصالح الوارد في الحديث لفظ عام والمراد به معنى خاص وهو ذكر الله عز وجل، ويؤيد هذا الفهم لحديث البخاري؛ ما رواه الطبراني في الكبير من حديث ابن عمر رضي الله عنهما؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من أيام أعظم عند الله سبحانه ولا أحب إليه العمل فيهنّ من هذه الأيام العشرة، فأكثروا فيهنّ من التهليل والتكبير والتحميد).


ويبدو لي أن القول الثاني هذا هو الراجح؛ وسبب ترجيحه ما جاء في رواية البخاري عندما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلين: "يا رسول الله؛ ولا الجهاد في سبيل الله؟" فهذا السؤال يدل على أن المراد بالعمل الصالح نوع مخصوص منه وليس عموم العمل الصالح، وإلا فالجهاد في سبيل الله يدخل في معاني العمل الصالح، فلمّا ميّز النبي صلى الله عليه وسلم بين العمل الصالح وبين الجهاد في سبيل الله؛ دل ذلك على أن المراد بالعمل الصالح في الأيام العشر من ذي الحجة هو ذكر الله عز وجل على وجه الخصوص، ولذلك عدّ عليه الصلاة والسلام المجاهد الذي يخرج (بنفسه وماله في سبيل الله ولم يرجع من ذلك بشيء) هو المعادل للعمل الصالح؛ دل هنا على أن العمل الصالح هو ذكر الله عز وجل بكل أنواع الذكر المشروعة.


ومن أدلة الترجيح للقول الثاني؛ الحديث الذي رواه ابن ماجه؛ عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم؟)قالوا: بلى. قال: (ذكر الله تعالى). قال النووي:: "قال الحاكم أبو عبد الله في كتابه المستدرك على الصحيحين: هذا حديث صحيح الإسناد"؛ الأذكار:ص25.


ب ـ والمراد بالجهاد في سبيل الله في حديث البخاري؛ هو جهاد الطلب لا جهاد الدفع؛ لأن جهاد الدفع فرض عين لا يُقدّم عليه أي عمل مستحب، للحديث القدسي: (وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه) رواه البخاري.


ثالثًا: ومن الأعمال الصالحة في العشر الأوائل؛ ما جاء في فضل ذكر الله عز وجل في يوم عرفة ـ وهو اليوم التاسع من شهر ذي الحجة ـ فقد جاء في سنن الترمذي: عن عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: (خير الدعاء دعاء عرفة، وخير ما قلتُ أنا والنبيّون من قبلي؛ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) وقد ضعف الترمذي إسناده.


وفي موطأ الإمام مالك: (أفضل الدعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلتُه أنا والنبيّون من قبلي؛ لا إله إلا الله وحده لا شريك له).


وقال النووي: بلغنا عن سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم، أنه رأى سائلاً يسأل الناس يوم عرفة، فقال: يا عاجز؛ في هذا اليوم يُسأل غير الله عز وجل؟!


ويستحب صيام يوم عرفة لغير الحجاج، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في فضل صيامه: (وإني لأحتسب على الله أن يُكفّر سنة ماضية وسنة قادمة) رواه مسلم.


رابعًا: ومن أنواع الذكر التي لها الأولوية في أيّام العشر هذه مع أيّام التشريق؛ قراءة القرآن الكريم، وسائر أنواع الذكر الأخرى ومنها التكبير؛ ويبدأ دبر صلاة صبح يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيّام التشريق.


قسم الفتوى ـ هيئة علماء المسلمين


1437هـ


أضف تعليق