هيئة علماء المسلمين في العراق

شهر رجب ما بين الشرع والعرف.. د. عمر الراوي
شهر رجب ما بين الشرع والعرف.. د. عمر الراوي شهر رجب ما بين الشرع والعرف.. د. عمر الراوي

شهر رجب ما بين الشرع والعرف.. د. عمر الراوي

كثيرة هي الأعمال التي نقوم بها، ونتصور أنها مما شرعها ديننا الحنيف، ولربما نُكثر فيها الجدال والنقاش، من أجل أن نجعل لها تأصيلا شرعيا، وبعد البحث عنها نتفاجأ بأنها مما ورثناه من عُرْفِنا، ورأيناه من فعل من سبقنا من آبائنا وأجدادنا، ومن تلك الأعمال ما يقوم به كثير من المسلمين في شهر رجب من دفع الزكاة وتخصيص الصيام فيه، وتفضيل العمرة فيه على باقي الأشهر، وتخصيص ليلة السابع والعشرين للاحتفال بذكرى الإسراء والمعراج.


وهذه الأعمال لم يرد فيها نص ثابت في السنة يُبن فضل القيام بها في شهر رجب عن باقي الأشهر القمرية.


أما بالنسبة للزكاة فمن الأخطاء الواردة في مجتمعنا المعاصر أن كثيرا من الناس يعتقد أن الزكاة لا تكون إلا في شهر رجب، وهذا أمر يجب التنبيه عليه؛ لأن من شروط وجوب زكاة الأموال حولان الحول عليها، وحولان الحول لا يكون في رجب فحسب، بل يكون في جميع الأشهر القمرية، فلو امتلك المسلم نصاب الزكاة في شهر محرم أو صفر أو في أي شهر قمري آخر؛ فالواجب عليه أن يبدأ الحساب من ذلك الشهر؛ فإذا جاء الشهر نفسه من العام الهجري القادم، وعنده ذلك النصاب وجب عليه إخراج زكاة ماله فيه.


ومن الأخطاء الشائعة أيضا أن قسما من المسلمين يحسب في زكاة المال على الأشهر الميلادية، وهذا أمر لا بد من التنبيه عليه؛ لإن الحساب في الزكاة لا يكون إلا على الأشهر القمرية.


 فإذا عملنا بهذا النظام الشرعي وهو أن تكون زكاة الأموال على مدار السنة الهجرية؛ فإن هذا سيكون في مصلحة الفقير، حيث إن الزكاة لن تنحصر في شهر واحد، بل ستكون المنفعة مستمرة طيلة أشهر السنة.


أما حصر الزكاة في شهر رجب فقط، معتقدين أن إخراجها فيه أفضل من غيره من أشهر السنة القمرية؛ فهذا اعتقاد خاطئ ولن يصبَّ في مصلحة الفقراء والمحتاجين، لذا فمن الواجب علينا أن ننتبه لهذه المسألة، ونُغلب حكم الشرع على أحكام العرف.


ومن الأعمال الشائعة في شهر رجب أيضا تخصيص الصيام فيه، وهذا أمر لم يرد فيه نص، قال الحافظ ابن حجر رحمة الله: (( لم يرد في فضل شهر رجب، ولا في صيامه، ولا في صيام شئ منه معين، ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه حديث صحيح يصلح للحجة)).


ومما تعارف عليه كثير من الناس في عصرنا أن أجر العمرة في شهر رجب مضاعف عن غيره من الأشهر القمرية الأخرى، وهذا مما لم يرد فيه نص، بل النصوص صريحة في أن أجر العمرة مضاعف في شهر رمضان.


وأما تخصيص ليلة السابع والعشرين من رجب للاحتفال بذكرى الاسراء والمعراج؛ فهذا لا دليل عليه، ولم يثبت أن الإسراء والمعراج حدث في شهر رجب، وقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله ، أن الخلاف في تحديد وقته يزيد على عشرة أقوال، فمنهم من قال أنه في رمضان، وقيل أنه في شوال، وذهب آخرون إلى أنه في ربيع الأول أو ربيع الآخر. وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية أن ليلة الإسراء والمعراج لم يقم دليل معلوم على تحديد شهرها أو عشرها - أي في العشر التي وقعت فيه - أو عينها، يعنى نفس الليلة.


وتنبيهنا على هذه المسائل ليس من باب التشديد على الناس، بل هو من باب حثهم على الحرص على تطبيق الأحكام الشرعية بحسب تأصيل الشرع لها، وليس بحسب نظرة العرف إليها؛ ذلك لأن كثيرا من المسائل الخلافية في وقتنا مبنية على مبادئ العرف وليس على أحكام الشرع، وحينما تُعرض مسألة منها ترى المتأثر بالعرف يتفاجأ من الحكم الشرعي لها، وفي كثير من الأحيان لا يتنازل عما قاتل من أجله بل يقول هذا ما وجدنا عليه آباءنا وأجدادنا، وهذه حقيقة واقعة في مجتمعنا.


إن توعية مجتمعنا بهذه المسائل واجب شرعي، فكثير من المسلمين في عصرنا يفعل أفعالا ويعتقد أنها من المنصوص عليها في الكتاب والسنة، وهي ليس لها أصل لا في الكتاب ولا في السنة.


مقال خاص بموقع    الهيئة نت    


أضف تعليق