هيئة علماء المسلمين في العراق

الأمين العام في حوار مع قناة اليرموك: الشعور الشعبي العراقي لديه إرث من العداء مع إيران
الأمين العام في حوار مع قناة اليرموك: الشعور الشعبي العراقي لديه إرث من العداء مع إيران الأمين العام في حوار مع قناة اليرموك: الشعور الشعبي العراقي لديه إرث من العداء مع إيران

الأمين العام في حوار مع قناة اليرموك: الشعور الشعبي العراقي لديه إرث من العداء مع إيران

كشف الأمين العام لهيئة علماء المسلمين، الدكتور (مثنى حارث الضاري)، عن حقائق ومعلومات شهدها الملف العراقي منذ احتلاله في 2003 وحتى الآن.


واستعرض الأمين العام في حوار خاص أجرته معه قناة اليرموك الفضائية أمس الأول بمناسبة الذكرى الثالثة عشرة لاحتلال العراق؛  الكثير من الجوانب ذات الصلة بالواقع العراقي، والعملية السياسية والأحداث الجارية حاليًا في البلاد.


وفيما أدناه التفاصيل الكاملة لما جاء في الحوار:


توصيف المشهد العراقي:


ابتدأ الأمين العام في بداية اللقاء بشرح موجز للمشهد العراقي، وذلك ردًا على سؤال القناة بشأن حقيقة ما حصل ويحصل في العراق منذ سنة 2003، قائلاً:


خير وصف لما يجري في العراق منذ ثلاثة عشر عامًا وحتى الآن؛ هو أن كان العراق بلدًا وكان شعبًا، وكان دولة بغض النظر عن كل ما يمكن أن يُعطى من ملاحظات في ذلك الوقت، وواقع العراق الآن يقول غير ذلك تمامًا، فكل ما وُعد به العراقيون في وقتها بوعود بـ"التحرير" كما أسموه، أو بنقلهم إلى مصاف الدول "الديمقراطية"، أو إنهاء حالة الدكتاتورية كما كان يقوله  الإعلام المضاد وما يُسمى بـ"المعارضة العراقية"، ذهب أدراج الرياح بعد الاحتلال.


كان العراق دولة طموحة جدًا وشعبًا ناميًا فتح ذراعيه لإخوانه العرب والمسلمين، وكان يأمل أن يتقدم خطوات أخرى من أجل أن  يصيغ لنفسه واقعًا جديدًا يُمكن أن يتعدى إلى غيره؛ لكنه انتقل بعد سنة 2003 إلى مربع آخر، والاحتلال ومن معه دائمًا كانوا يقولون" لا نريد العودة إلى المربع الأول"؛ لكنهم أعادوا العراق إلى مربعات ودوائر ومستطيلات ما قبل المربع الأول، وأعلنوها صراحة بقولهم "سنعيدكم إلى ما قبل التاريخ" وأستطيع أن أقول إنه في هذا المجال نجحت أمريكا والتحالف الدولي في هذا الأمر.. فأصبح العراق يُعاني سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا وعلى كل المستويات، وأصبح العراق الآن يتصدر قوائم العالم التي تدل الأشياء السيئة، سواء لكثرة ما يقع فيه من أحداث مثل فقدان الأمن وسوء الإدارة والفساد المالي ونهب المال العام، وتردي وانهيار الأوضاع الصحية، وفقدان الخدمات والضرورية ،وهذا الوضع السيئ الذي فيه العراق الآن؛ دليل على وجود مشروع حقيقي لإرجاع العراق إلى خانة ما تحت الصفر، من أجل منعه من القيام بدوره الحقيقي في المنطقة والإقليم وعلى مستوى العالم.. وما يحصل الآن من وقائع سياسية في المنطقة والإقليم دليل على ذلك.


يُشبه أحد علماء العراق البارزين وهو الدكتور أحمد عبد الستار الجواري؛ الأديب المعروف والوزير السابق، العراق بأنه حصن البوابة الشرقية، ويقول: حيثما توجهت شرقًا فسيتغير الوجه واللون واللسان، ومحاولة غلبة هذا الجانب الشرقي على العراق والأمة.


فالعراق كان حصنًا، وهذا الحصن والجدار والبواية؛ لم تُكسَر فقط؛ وإنما اقتُلِعَلت، فانفتحت الأبواب على شر مستطير نحن فيه إلى هذه اللحظة؛ ولهذا فإن 9/4 ذكرى مؤلمة لما جرى في العراق ولما يجري في المنطقة الآن.. وقد قلنا سابقًا وما زلنا نقول ـ ولكن مع الأسف لم يكن أحد يسمع، والذي  يسمع لا يستطيع أن يفعل شيئًا ـ : بذهاب العراق في حضن الاحتلال الأمريكي ستذهب المنطقة، وهذا ما حصل الآن ونعض أصابع الندم، لكن بعد ماذا؟!


الطائفية والنسيج الاجتماعي العراقي:


وفي معرض رده على أسئلة القناة بشأن الطائفية في العراق، أجاب الدكتور الضاري بالقول:


 إن أخطر ما في القضية العراقية هو الجانب الاجتماعي؛ لأنه على سوء كل الجوانب الأخرى؛ يمكن إصلاحها إذا ما اقتُلِع الاحتلال وآثار الاحتلال والعوامل الأخرى المؤثرة، يمكن أن يبني العراق نفسه كما بنت أمم أخرى نفسها، ولكن المشكلة تكمن في الواقع الاجتماعي أو (النسيج الاجتماعي) ـ كما اصطلحنا عليه في أدبيات الهيئة وناقشناه كثيرًا ـ؛ فهناك متشائمون يقولون بأن العراق انتهى وأن نسيجه الاجتماعي تفكك، وأن الطائفية قد غزته ووصلت إلى النخاع، وأن هناك حربًا أهلية.


وهناك طرف آخر ينظر بصورة أخرى؛ يقول بأن الوطنية ما تزال قائمة، وما زال العراق قويًا، والنسيج الاجتماعي محافظ على صلابته.


والغريب؛ أن أصحاب هذه الأقوال ينتقلون مرة هنا ومرة هناك بحسب الواقع السياسي، فمن جاء مع الاحتلال ومن تعاون معه من داخل العراق كانوا يقولون بأن "العراق انتهى وأن الطائفية موجودة وهذه حرب أهلية"؛ لتبرير الاحتلال وآثار الاحتلال، بينما كان خطاب القوى الوطنية ـ ونحن منها ـ خلاف بالمطلق لهذا القول، وما زلنا على ذلك.


وبعد حين لما استولى هؤلاء على الحكم وتمكنوا ودُعِموا أمريكيًا وإيرانيًا؛ بدأوا يتحدثون عن "الديمقراطية والمجتمع والوحدة الوطنية ـ التي كانوا يلمزونها في البداية ـ وأن المجتمع متماسك وأن هناك قلة متطرفة متشددة، ومتمردون وإرهابيون ومثاليون"... وما إلى ذلك، فإذن هناك نوع من تغيير المقاعد والمواقف بحسب المتغير السياسي.


أما كواقع حال؛ نحن في الوسط؛ فالنسيج الاجتماعي رغم التهديد ما زال متماسكًا إلى حد ما، والطائفية الموجودة في العراق خطيرة جدًا وتحاول أطراف سياسية كثيرة ـ وفي مقدمتها الأحزاب الطائفية الممسكة بالحكم من هذا الجانب أو من ذاك ـ أن تُعمّق هذا الأمر لتبرير وجودها؛ لأنها لن تستمد مقومات هذا الوجود إلا بإذكاء الروح الطائفية، لذلك تجد آثار هذه الطائفية ظاهرة، ومع الأسف؛ انتشرت هذه الطائفية في المحيط العربي الآن، وبعد التغول الإيراني الواضح والصريح، أصبحت مشكلة كبيرة ليست في العراق فقط.. وهذه المشكلة على خطورتها ما زالت هذه الطائفية تُدار سياسيًا، وتغذى سياسيًا، وتوظف سياسيًا؛ لتحقيق أهداف سياسية.


نعم، الطائفية أخذت من هذا الجرف كثيرًا ومن ذاك الجرف كثيرًا، وتحولت طبقة معتدلة وسطية إلى طبقة متطرفة، ولكن هذا التطرف وهذه الطائفية عاطفية؛ يُمكن بالعمل عليها أن تعود الأمور ليست إلى كما كانت ـ لأن هذا الأمر يكاد يكون مستحيلاً ـ ولكن يُمكن التخفيف من غلواه في هذا الموضوع.


الوطنية العراقية باقية، ومن هنا نحن طرحنا مشروع العراق الجامع، لأننا نمتلك معطيات تؤكد على هذا الأمر، والكثير الآن يعودون ويكتشفون بأن هناك نوعًا من التعميم ونوعًا من الإطلاق في النفي المطلق؛ بمعنى "لا توجد وطنية أو توجد وطنية"، لا فالأمر ليس هكذا، لأن العراق وقع في مشكلة كبيرة ينبغي أن تُدرَس وتُقيّم علميًا؛ وأن ننظر له، فيه مشاكل طائفية ومشاكل اجتماعية وأخلاقية وغيرها، ولكن عوامل المحافظة على الوطنية العراقي ما زالت موجودة؛ لأن غالب أهل العراق يعتقدون تمامًا بأن الحل في التعايش، لأنه حالة مطلوبة، وقد تعايشنا على مدى قرون طويلة كما تعايشت الأمم الأخرى، وخطاب التعايش في العراق اليوم حجمه على الأرض كبير لكن أصواته قليلة، لأنه لا يُسمح لها، ولا يُراد لهذا الصوت المعتدل أن يطغى، من أجل أن تبقى حالة التشاد والتضاد السياسية، التي تريدها الطبقة السياسية الحاكمة والداعم الإقليمي (إيران) والداعم الدولي (الولايات المتحدة)، والأطراف المستفيدة في داخل العراق من تجار الحروب وغيرهم كثير، يسعون إلى إبقاء هذه الحالة كما هي م أجل إعطاء أدلة على عدم القدرة على التعايش.


رغم كل السوء الموجود، ورغم استهداف جزء كبير من الشعب العراقي لدفعه إلى اتخاذ موقف طائفي في مقابل موقف طائفي آخر، ثم احتدام الموقف؛ ما زالت عوامل بقاء هذا التعايش موجودة، ويُمكن العمل عليها، ولكن لا نستطيع العمل الآن إلا بعد أن نزيل المرض والداء المتثمل بالعملية السياسية باعتبارها مشروع الاحتلال السياسي، وإذا اختفى عن العراقيين فحينئذ من الممكن أن نذهب إلى معالجة مشاكل أخرى وفق آليات معينة.


العملية السياسية ودور إيران فيها:


وفيما يتعلق بالعملية السياسية والدور الإيراني المؤثر فيها، قال الأمين العام في هذا الإطار:


نظريًا من الممكن الخلاص من العملية السياسية، وبكل بساطة وسهولة، ولكن عمليًا؛ فإن العملية السياسية ممسوكة بقوة ومدعومة بقوة، لأسباب عديدة؛ فالداعم الدولي وهو الطرف الأمريكي يعتقد أن العملية السياسية التي يسميها "الديمقراطية في العراق" هي نتاج مشروعه العسكري، وبالتالي فإنه حريص على ألا يقول العالم أنه أخطأ؛ فلذلك يُدَعِّم هذه العملية بما استطاع، والطرف الإقليمي إيران مستفيد من هذا الوضع على اعتبار أن العراق جسر إلى المنطقة كلها، وهذا ما هو حاصل الآن، والدليل على ذلك؛ أن ما حصل مؤخرًا من مظاهرات وما جرى في الأزمة السياسية، وموقف مقتدى الصدر منها، ومحاصرة المنطقة الخضراء؛ كلها ذهبت أدراج الرياح.. لِمَ؟ لأنه جاء قرار أمريكي يقضي بدعم حكومة العبادي، ـ وليس شرطًا أن تكون حكومة تكنوقراط ـ ولكن المهم هو تدعيم الحكومة قدر الأمكان، ومن قبله جاء القرار الإيراني برفض هذه الحكومة، لأنها ـ وإن كنا نعتقد نحن تمامًا بأنها لن تقدم ولن تؤخر  وأن الضغوط السياسية ستجعلها لعبة تبادل أدوار ومقاعد جديدة ووجوه جديدة تمثل القوى السياسية نفسها ـ ومع ذلك كانت إيران تخشى على نفوذها في العراق، فعارضت التغيير، ولكن جرت المعركة تحت الطاولة ثم تمخض الأمر عن وزارة جديدة أتِيح للعبادي أن يُشكلها بدون الرجوع إلى موضوع "التكنوقراط".


إيران تمتلك الآن أغلب خيوط اللعبة في العراق، والسبب في ذلك واضح وظاهر؛ فإيران استلمت هدية على طبق من ذهب ـ وهي احتلال العراق ـ بدون كلفة، وقبلها استلمت هدية على طبق آخر ـ وهي احتلال أفغانستان ـ فقد كانت عاصمتان معروفتان مُسلمتان شرق إيران وغربها تقض مضاجع طهران، وأراد الغرب في لحظة تاريخية معينة أن يحسم هذين الملفين، فتعاونت إيران بكل ما تستطيع وإن ادعت خلاف ذلك، بل إنها اعترفت على ألسنة كثير من سياسييها بذلك؛ من رفسنجاني إلى غيره، والآن أصبح واقع حال وبدأت الوثائق السياسية تظهر عن التعاون والجلسات المشتركة، بل أن خطة احتلال العراق بالأساس ثم تنفيذ المخططات التفصيلية بعد ذلك كحل الجيش العراقي واجتثاث البعث وغير ذلك؛ كلها جرت بناءً على طلبات إيرانية، والإدارة الأمريكية مالت أخيرًا إلى تغليب الرغبة الإيرانية؛ لأنها توافق رغبة "صقور الجمهورية" في ذلك الوقت، وهذا ما حدث.


النصائح والأمنيات والرغبات الإيرانية نُفِّذت بإرادة أمريكية، وبمال أمريكي وعربي، وبجندي أمريكي، ولم تدفع إيران شيئًا ففتحت أجواءها وسهّلت عبور ما يسمى "المعارضة"، ثم بعد ذلك دعمت العملية السياسية التي يُديرها ما تسميه هي "الشيطان الأكبر"، بكل قوة، وبدأ النفوذ الإيراني قبل انسحاب الجزء الأكبر  من قوّات الاحتلال؛ يتعزز عن طريق أدواتها في العراق، فالحاكمون كلهم كانوا في إيران أو قريبين منها، فـ"حزب الدعوة" الذي يحكم العراق من عام 2006 وإلى الآن، هو أداة إيرانية واضحة، و"المجلس الأعلى" كذلك، و"التيار الصدري" بعد أن ظهر تم الاتفاف عليه بصورة أو أخرى، فإذن الأدوات الإيرانية سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة، قوية أو غير قوية، فاعلة أو غير فاعلة؛ هي التي تحكم العراق، فلما خرجت أمريكا تركت الساحة مفتوحة لإيران، فاجتمع الجانب النظر مع الجانب العملي، وبدأ النفوذ الإيراني يدخل بكل أصنافه؛ سياسيًا واقتصاديًا ومخابراتيًا، ثم أخيرًا؛ عسكريًا، والجنرالات الإيرانيون كسليماني وغيره موجودن في الساحة العراقية بصورة واضحة وصريحة، ويقاتلون ويخوضون معارك ويرقصون مع الجنود.... فالمستفيد الأكبر مما يجري في العراق هي إيران، وهي وجودة في العراق في العمق، وفي كل الملفات، وحتى في المنطقة الغربية التي يُقال أنها منطقة بعيدة، إيران تخترقها منذ مدة طويلة بفضل أمريكا أولاً وبفضل العملية السياسية ومن شاركهم فيها من الأحزاب والقوى "السنية".


الوجود الإيراني في العراق يمكن تفسيره من خلال الآتي:


لو أجري الآن استطلاع أو استبيان في أي بلد عربي أو غير عربي؛ عن ظاهرة معينة؛ سنكتشف أن هذه الاستطلاعات والاستبيانات لا تُعبّر عن حقيقة الشعور الشعبي، لأنه في الغالب فإن الشعوب ملّتْ، ولا تعطي رأيًا حقيقيًا، بل لا تشارك أصلاً في هذه الاستطلاعات، ولذلك أصبح الاستطلاعات سياسية وتجارية لتحقيق أهداف معينة، وأصبحت موجهة على غرار: "الشعب الفلاني يُفضل كذا"، وفي العراق يجري الحال نفسه.


وأنا أكاد أجزم بأن غالب شعور العراقيين هو ضد الوجود الإيراني، إما سياسيًا بسبب ما جرى بعد الاحتلال وإلى الآن، أو طائفيًا بسبب إشاعة إيران للبُعد الطائفي في المنطقة، أو قوميًا باعتبار الصراع العربي الفارسي،...


ثم آثار إيران؛ حتى في جنوب العراق: العراقيون من الشيعة يُعانون من إيران، لأن الحاكم الحقيقي في جنوب العراق هي الأذرع الإيرانية وأجهزة المخابرات والاستخبارات الإيرانية وما إلى ذلك، والدعم يأتي للأحزاب الطائفية وجمهور هذه الأحزاب، أمّا الآخرون فتكاد أواضاعهم تصل إلى أسوأ بكثير من أوضاع المناطق التي تشهد معارك وقتال في غرب العراق وشماله، مع العلم أنها مناطق آمنة لم تشهد مشاكل كبيرة.. أمّا إذا ذهبت إلى شمال العراق؛ فحدّث ولا حرج، فالنُفرة الكردية من الإيرانيين تكاد تكون مُطبقة..


فإذن الشعور الشعبي العراقي لديه إرث من العداء مع إيران، وهذا كله يُستحضر في هذه اللحظة، ولكن الطاغي سياسيًا هو إعطاء انطباعات بغير ذلك، لكن واقع الحال أن النسبة الغالبة على على هذا الموقف.


وإذا ما انتقلنا إلى داخل إيران، سنجد أن هناك نفرة من لإيران داخل إيران، من خلال الأقليات والمجموعات المضطهدة غير الفارسية، فما بالك بالعراق أصلاً؟


ـ قناة اليرموك: هل المجتمع الشيعي في العراق يشعر أنه تخلص من الاستبداد بعد 2003؟


ـ الأمين العام| لو أجرينا بحثًا بسيطًا على أي محرك بحث عن هذا الموضوع تحديدًا، أو عن طريق متابعة ما يكتبه النشطاء والمثقفون والمهتمون والمتابعون؛ يُظهر أمثلة كثيرة مكتوبة ومسجلة صوتًا وصورة لعراقيين يشكون من الاستبداد الحاصل في العراق من شماله إلى جنوبه، ويقولون بعبارة واحدة: "تخلصنا من مستبد فوجدنا مجموعة مستبدين، وتخلصنا من دكتاتور فوجدنا مجموعة دكتاتوريين، وكنا نطمح بأن يتغير العراق إلى حال أحسن، وإذا بنا نعود القهقرى إلى الوراء، كان هناك حزب واحد يحكم والآن هناك مجموعة أحزاب متنفذة تحكم هي وعوائل تقود هذه الأحزاب"، فهم يقولون بكل بساطة؛ القضية كانت عبارة عن خدعة كبيرة، فقد وُعِدنا بالتحرير، وإذا بالتحرير يعود بنا إلى المربع الأول..


مراحل احتلال العراق:


ومضى الأمين العام الدكتور مثنى الضاري في شرح وبيان المراحل التي سبقت وتلت احتلال العراق، منبهًا على العديد من الأمور في هذا السياق، قائلاً:


المواطن والمشاهد العربي من حقه أن يعرف بعض التفاصيل؛ فهو متعاطف مع الحالة العراقية، ومتعاطف مع الحالة السُّنّية، وينظر إلى السُّنّة ويضعهم في إطار واحد، ولكن واقع الحال غير ذلك تمامًا.. ففي كل الحروب وفي كل المشاكل بكل دول العالم، ستجد من هذه الفئة مجموعة تميل إلى الفئة الأخرى (الفئة المعتدية)، وهو أمر طبيعي جدًا.. وسابقًا كانوا يتحدثون عن هذا الموضوع ضمن مفهوم "الخيانة"، وهذا المفهوم يبدو أنه الآن ألغي من القاموس السياسي واختطلت المصطلحات، ولذلك سنتكلم بطريقة السياسة والمصالح السياسية:


أميركا احتلت العراق برغبة عارمة، ولمن لا يعلم فقد كان العراق موضوعًا على الخارطة الأمريكية من أجل توجيه عمل ما تجاهه، لكن كان ترتيبه متأخرًا عن كوريا الشمالية وعن إيران وحتى عن نيكاراغوا، وهذه معلومة حقيقية، ودراسات وأبحاث أمريكية تتكلم عنها.


ثم مر العراق بمشاكل معروفة كالحرب العراقية الإيرانية، واحتلال الكويت، وصار هناك كم كبير من المآسي مع حالة الحصار التي كانت مغدقة عليه فكان مرهقًا، وبعد أحداث أيلول/سبتمبر 2001؛ قررت الإدارة الأمريكية توجيه ضربة كبيرة جدًا لـ"الإرهاب" كما تسميه، ولكنها أردات أن توجه الضربة إلى بلد ضعيف ومنهك.. فلو استهدفت إيران أو كوريا الشمالية أو نيكاراغوا لكانت في ذلك الوقت مشكلة كبيرة ولا توجد مبررات، فاختلقت قصة العراق وصلته بالإرهاب وما إلى ذلك، ثم تقرر توجيه الضربة للعراق باعتباره كان في حالة شبه تداع، فاحتل العراق، بعد تحشيد القوات وتحشيد الرأي العام الدولي، ثم الاستعانة بما يُسمّى "المعارضة العراقية" في الخارج التي تم تحشيدها بسرعة وعقدت مؤتمرات لندن وصلاح الدين وقبلها في فيينا وما إلى ذلك من وثائق مزورة ومخبرين سريين..... ثم بدأت هذه القوى والأحزاب تتعاون مع إدارة الاحتلال، منها من تعاون بشكل واضح وصريح وقدّم كل ما يستطيع، ومنها من تعاون على استحياء.. وعندما جاء الاحتلال؛ جاء بهؤلاء إما من الخارج أو من تعاون معهم في الداخل بصيغ معينة، وقسم من هؤلاء كان يعلم ويعي تمامًالا ما سيجري في العراق، وهي الأحزاب الحاكمة الآن، وقسم منها كان في الداخل ووُعِد بأنه تغيير للنظام فقط وأن العراق سيبقى كما هو، لكن واقع الحال أنهم خُدِعوا، وكانت مجموعة من السُّنّة دخلوا في العملية السياسية ـ ولا بُد أن يدخلوا فاللعبة لا بُد أن تكون هكذا ـ لأن أنتوني كوردسمات يقول في دراسة له قبل احتلال العراق بعنوان (سيناريوهات احتلال العراق): "سيُحتل العراق وستتشكل حكومة، وسيُعطى للسنة فيها نسبة (17 ـ 20%) لأنهم أقلية"، فكل شيء كان مرتبًا.


ما جرى بعد ذلك هو ظهور حالة المقاومة سابقة لأي حراك سياسي، فالمقاومة سبقت الجميع في التصدي للاحتلال الأمريكي، وأحرجت الجميع، وبدأنا نحن في القوى الوطنية وغيرها ممن يشتغل في السياسة، نحاول أن نلحق بهم، ونوجد لهم الرافد والساند الإعلامي والرافعة السياسية.


وفي ذلك الوقت شُكّل مجلس الحكم، في محاولة لإجهاض المقاومة، وكان من ضمنه سُنّة، ثم بدأ هؤلاء السُّنّة محاولة تبرير الدخول في العملية السياسية، بناءً على الوعود الأمريكية وما إلى ذلك من قبيل "تحسين أحوال السُّنّة وتعديل نسبتهم" و"تعديل الدستور" وغير ذلك من الوعود التي تم عدم الوفاء بها مُطلقًا، فتورط هؤلاء ـ السُّنّة الذي دخلوا العملية السياسية ـ ولكنهم بقوا على حجمهم وعلى وزنهم، لا يُمثلون الحاضنة الشعبية الحقيقية، فالحاضنة كانت مع المقاومة، وإلى الآن هم لا يُمثلونها، وحتى أنهم على الرغم من كل الجهود التي بذلوها منأجل إصلاح هذا الوضع ورفع حالة التناقض الذي وقعوا فيه بين الإرادات الداخلية الحقيقة وبين الطموح السياسي والأغراض السياسية؛ فبقوا كما هم.


بدأت الإدارة الأمريكية والحكومات المتعاقبة بلعب اللعبة المستمرة كل أربع سنوات معهم، بالضغط عليهم من أجل استبدالهم بوجوه جديدة سُنيّة بعد أن احترقت الوجوه السابقة، ثم يبدأ الصراع بين الوجوه المحترقة والوجوه الجديدة، وبفضل هذا الصراع يبدأ تقديم التنازلات لإيران، ولذلك كل ما يظهر من وجوه جديدة سنية وغيرها، لا تمثل إلا الجزء القليل الذي تعاون مع الاحتلال أو تعامل، ولكن إعادة انتاج وتدوير لغرض الإيهام.


النخب والحاضنة السنيّة:


ـ قناة اليرموك: هل تفتقر الحاضنة السُّنيّة للنخب؟


ـ الأمين العام| السؤال مهم ودقيق، وهو لوحده يحتاج لنقاش طويل، والموضوع يعود لأسباب عددية،


وأقول: لا توجد مشكلة في النخب، ولا يوجد نقص في النخب؛ وإلا نسبة كبيرة من الشعب العراقي هم من السُّنّة، وهم كفاءات وقيادات وكانوا يُديرون دولة، فضلاً عن القابليات والقدرات والطاقات التي كانت خارج العراق، والمستوى التعلمي ـ سواء كان المتوسط أو الأكاديمي العالي ـ كان يعد العراق به من الدول المتقدمة ليس على مستوى المنطقة العربية فقط وإنما في العالم، والكثير الآن من المؤسسات العلمية والفكرية والجامعات في العالم سواء في أوروبا أو أمريكا والدول العربية؛ يُديرها ويقوم بها عراقيون، ونخب عراقية.


لكن المشكلة تكمن في الآتي:


أولاً: هناك نفرة من التعامل مع العملية السياسية، من منطلق أن هذه العملية مفروضة ولا تمثل طموحات العراقيين، وأن الأسماء التي يُرد منها أن تدخل في العملية السياسية، يُراد منها أن تدخل في القالب المعوج، فشعر السُّنة أنهم مستهدفون وجودًا وتاريخًا واقتصادًا وثقافة وهوية وحجمًا، فقالب العملية السياسية أساسًا معوج، وكل إنسان يحترم نفسه يقول لا أستطيع الدخول إلى هذا القالب لأني سأعوَج في النتيجة.


ثانيًا: كذب الوعود الأمريكية التي أعطيت لمن دخل معهم من السُّنّة.


ثالثًا: هناك حالة مقاومة، وهذه الحالة تفرض العمل السري، فإنه إلى الآن كل العالم يتحدث بأن كل العاملين في حركات المقاومة في البلاد العربية يكشفون وجوههم ويظهرون في الإعلام، إلا في العراق.. لِمَ؟ لأن العدو هو أمريكا، لا تجتث السياسي فوق الأرض وإنما تجتث المقاوم تحتها، وإلى الآن ظاهرة التخفي خلف الأسماء المستعارة والكنى وما إلى ذلك موجودة في العراق، بسبب أن العدو أميركا...


وفي حالة المقاومة الكبيرة والظاهرة هذه،  أخذ كثير من الناس يدعمها بقوة دون أن يظهر؛ على اعتبار أن هذه المقاومة تقوم بالواجب.


نقطة أخرى: تصدينا في الهيئة أيضًا للعمل السياسي والإعلامي الساند لحالة مقاومة الاحتلال وقيامنا بجهود كبيرة جدًا في هذا المجال؛ كأنه ألقى التبعة عن الآخرين وقالوا بأن هناك مجموعة تعينت لهذا العمل فتم دعمها بطريقة أو بأخرى.


وأمر آخر ـ وهو أهم من كل هذه الأمور ـ هو أن العراق بطبيعته لم تكن فيه حياة سياسية حقيقية، فقد كان يُحكم من حزب واحد فيه كفاءات وقدرات، ولكن كحياة سياسية؛ فهي غير موجودة، وبعد الاحتلال فإن السياسة باعتبارها ظاهرة اجتماعية تحتاج إلى وقت لكي تتكون، و"المعارضة العراقية" التي كانت موجة قبل الاحتلال، وجدت قبل ثلاثة عقود من احتلال العراق، ومرعية من دول كثيرة؛ إيران، أوروبا، أمريكا، ودول عربية، ـ وأغلبها في المحضن الشيعي ـ فوجدت الفرصة مواتية لزيادة خبراتها وتشكيل تكتلات وعمل سياسي، فجاءت بقوة.. بينما الظاهرة السُّنيّة في العراق كانت تحتاج لوقت طويل حتى تجد الأصوات والكفاءات التي تستطيع أن تدخل العمل السياسي، وتحتاج إلى وقت حتى تعيد ترتيب نفسها وأوضاعها، لذلك أنا قلت منذ زمن في حديث  ومدار نقاش بأننا نحتاج إلى عشرة أو خمسة عشرة أو عشرين سنة حتى تتكون نخبة سياسية بعد الخبرة والتجربة وهذا أمر واقع.


وسبب آخر؛ النخب العراقية السنية استهدفت منذ الأيام الأولى من الاحتلال؛ وفي الشهر الأول من الاحتلال قتل رئيس جامعة بغداد الدكتور محمد الراوي في عيادته، فضلاً عن أطباء ومهندسين وإعلاميين وأساتذة جامعات وأئمة وخطباء، ونحن في الهيئة وبعد شهرين من الاحتلال أحصينا قائمة بمائة وخمسين شخصًا تم اغتيالهم في ذلك الوقت، ثم إن هناك قوائم معدة قبل الاحتلال لمن شارك في الحرب العراقية الإيرانية من قيادات الجيش والقيادات الأمنية والمخابراتية وما إلى ذلك، وحملات التصفية بدأت ولم تنتهِ إلى الساعة.


وأمر آخر؛ أن غالب النخب العراقي التي أجبرت على الخروج؛ أين لجأت؟ إما إلى المحضن العربي، أو إلى أوروبا أو أمريكا؛ وفي أوروبا وأمريكا نوع من التضييق على العمل السياسي المقاوم والمناهض للاحتلال لاعتبارات معينة، فأمريكا هي راعية هذه العملية السياسية، فكيف تسمح؟! أما في البلدان العربية، فقد كانت هناك رؤية للنظام الرسمي العربي بأنه يُمكن مساعدة السنة في العراق من خلال دعم العملية السياسية وتحسين ظروفهم شيئًا ما، ولذلك لم تكن هناك فرص متاحة وحاضنة ومجالات عمل لهذه النخب.


ثم نقطة أخيرة؛ للأسف ـ وأقولها بمرارة ـ مع تقديري واحترامي للجميع؛ إلى الآن الجنسية العراقية غير مُرحب بها في كثير من البُلدان، وتكاد تكون على  أوائل القوائم التي تتعرض لإنهاء العقود والتسفير وغيره، وهذا ما جعل كثير من النخب يُحجم عن إظهار آرائه السياسية لأنه لا يجد بيئة أخرى حاضنة.... ويغيب ويستسلم.


مقتدى الصدر ومظاهراته:


ـ قناة اليرموك: كيف تنظرون إلى مقتدى الصدر والمظاهرات التي جرت مؤخرًا في بغداد؟


الأمين العام| مع الأسف ما يزال النظام العربي الرسمي يؤيد تجريب المجرّب وتجربة المكرر، وتكرار التجربة الدائم في الحقيقة أوقف كثيرًا من الأعمال الحقيقية تجاه العراق، ولا توجد حتى الآن مأسسة حقيقية لعمل الملفات العربية في العراق، وإلا؛ شخصية بارزة ومعروفة في الساحة السياسية العراقية مثل مقتدى الصدر، المفروض أنها تكون مفهومة من كل جوانبها وأن تكون مقروءة بإمعان منذ زمن، ولكن مع الأسف هناك تعويل لدى بعض الأطراف، وونوع من الإعجاب والانبهار بما جرى وكأن القصة تحصل للمرة الأولى..!


هذه ليست المرة الأولى، فقد حصل هذا السيناربو مرات ومرات في العراق من قبل مقتدى الصدر والتيار الصدري.


باختصار؛ الآن بعض الناس يعوّل ويتمنى ويُعجب ويتحالف مع التيار الصدري، وأنا أقول؛ بعد ماذا؟ بعد كل هذه السنين؟ بعد كل الذي وقع من التيار الصدري وإضفائه الشرعية المنقوصة على العملية السياسية، بعد أن أصبح هو فرس الرهان التي تعيد تدوير العملية السياسية وتعيد إنتاجها بطريقة أو بأخرى.


مقتدى الصدر قوة نشأت في العراق بعد الاحتلال، فلم يكن من "المعارضة" في الخارج، وهذه تحسب له، فقد اعتمد على إرث والده محمد صادق الصدر، وله أتباع كثيرون بحكم تبعيتهم لوالده كمرجع ديني عروبي كان مدعومًا من السلطة في العراق في ذلك الوقت.. لكن واقع الحال أن التيار الصدري في السنة الأولى والثانية من الاحتلال كان منهجه أقرب إلى الوطنية منهم إلى الدخول في العملية السياسية، ومن هنا كان بيننا وبينه تعاون في ذلك الوقت في إطار القوى المناهضة للاحتلال.


حقيقة موقف الهيئة من التيار الصدري:


وفي هذا السياق؛ كشف الأمين العام عن جملة من الحقائق تتعلق بعلاقة الهيئة مع التيار الصدري قائلاً:


في عام 2005 وقبل أن يعلم باقي الناس؛ عندما بدأنا نلحظ أنه ـ التيار الصدري ـ بدأ يميل قليلاً إلى العملية السياسية؛ تم تنبيهه والحوار معه والحديث معه إما بشكل مباشر أو من خلال أصدقاء مشتركين، ووقعت بعض الحوادث المؤسفة من بعض أتباعه واعتبرها "تصرفات غير مسؤولة" في ذلك الوقت، وتدخلنا لحلها، ولكن كان الفاصل في يوم 15/2/ 2005 ـ لاحظ التاريخ المتقدم حتى قبل أحداث سامراء بسنة كاملة التي وقعت في شباط 2006 ـ فقد كان هناك اجتماع كبير في جامع أم القرى ببغداد للقوى المناهضة للاحتلال لإصدار بيان عمّا كان يُطرح في وقتها بما سميى "المصالحة الحكومية الوطنية" واجتمعنا جميعًا بما في ذلك التيار الصدري وقوى سياسية مختلفة؛ إسلامية وغير إسلامية، سنيّة وغير سنية، عربية وكردية، واتفقنا على أن هذه "المصالحة" يراد منها إدخال الآخرين في العملية السياسية، وأن أساس المصالحة يجب أن يقوم على بيان الموقف من الاحتلال على أنه احتلال... ووقع معنا التيار الصدري على هذا الموضوع، ولكنه رفض أن يدخل في إطار المؤتمر التأسيسي الوطني الذي كان هو إطارنا في العمل الوطني.. وهذه كانت بداية الافتراق.


ثم بعد ذلك، بضغوط معينة منها إملاءات إيرانية استهدفت التيار، علاوة على التنافس بينه وبين المجلس الأعلى وحزب الدعوة، والقاعدة الشعبية التي لديه؛ جعلته يدخل في العملية السياسية فوقع الافتراق بيننا وبينه.


وحدثت أحداث سامراء في 2006، فدفع التيار الصدري من قبل الحزاب الأخرى واقام بالمجازر والمآسي وحرق المساجد والمصاحف وقتل الأئمة والخطباء، فحدث الشرخ الكبير  بينه وبين الجمهور السنّي.


التيار الصدري دخل العملية السياسية وأصبح ساندًا ومعاونًا، وللأسف يتعاون معه السنّة الذين في العملية السياسية ويجلسون معه في مجلس النوّاب ويشكلون حكومة بالتعاون معه، وينتقدوننا على العلاقة السابقة عندما كان في صف القوى الوطنية !!


والآن حاصر مقتدى الصدر المنطقة الخضراء من أجل إجبار العبادي على الإصلاحات، وتفاعل كثيرون وتفاءلوا وفرحوا.. وقلناها في أثناء هذا الموضوع بأنه لن يحدث شيء.. فبمجرد وعد بسيط من العبادي، فض الاعتصام، والآن تنصل العبادي من هذا الوعد وانتهت حكومة التكنوقراط، ورجعت حكومة محاصصة وتوافق طائفي برعاية أمريكية وإيرانية مشتركة، فأين هو دور مقتدى الصدر؟


إذن مقتدى الصدر أصبح هو والمجموعة السنيّة القليلة الذين دخلوا العملية السياسية؛ أصبحوا بمثابة الـمُحلّل للعملية السياسية وإعطائها الشرعية.. هذه هي رؤيتنا للتيار الصدري.


الأوضاع الأمنية في العراق


ـ قناة اليرموك: كيف تقرأون الأحداث في الشهور المقبلة؟


ـ الأمين العام| الشهور المقبلة في العراق ستكون صعبة جدًا، فما يجري الآن ـ وباختصار ـ هو أن الحكومة تحاول فرض هيمنتها على كثير من المناطق، باستعادة هذه المناطق في إطار ما يُعرف بـ"التحرير"، ومحاولة إعطاء انطباع بأن هذه الحكومة تقاتل "الإرهاب" ممثلاً بـ"تنظيم الدولة الإسلامية"، مع وجود تحالف دولي داعم للقوات الحكومية والميليشياوية، والطائرات الامريكة وطائرات التحالف تقوم بحسم كثير من هذه المعارك، ولذلك فإن الشهود القادمة مرشحة لقتال ساخن في الأنبار.


أما الوجود الإيراني فهو كبير، فموضوع محافظة صلاح الدين وديالى وبعض مناطق كركوك؛ حُسِمت بقوات إيرانية بريّة، دخل من المنطقة الشرقية والمنطقة الوسطى التي يشرف عليها هادي العامري، وحسمت معارك كثيرة في مناطق معروفة من العراق.. والآن هناك محاولة لإبادع هذا الدور الإيراني الظاهر وتغطيته، وإبعاد "الحشد" بمسماه الطائفي، وإدخاله في القوات الحكومية بلباسها الرسمي وغيره، لمحاولة تخفيف الضغط وعدم استفزاز السنّة، وإدخال قوات "حشد عشائري" سنّيّة وهي صغيرة ـ بالمناسبة ـ ولكنها فاعلة في إطار مشروع متجدد للصحوات ـ وهي تحاصر الآن الفلوجة من الشمال والجنوب مع القوات الحكومية.


المهم، كل مايجري هو حرب عبثية، بمعنى أنها محاولة لمد عُمُر هذه الحكومة والعملية السياسية بأي صورة ممكنة.. فماذا سيحدث بعد ذلك؟ هل ستُلبّى الوعود التي أعطيت للسنة بتحسين أوضاعهم، أو بإعادة بناء مناطقهم أو اعطائهم ما يُسمّى بالفدرالية وحكم أنفسهم بانفسهم، أو بتوقف التجاوز على هويتهم ووجودهم الحقيقي في العراق.. كل هذه لن تُلبى ولن تُعطى، فهذه الوعود مجرد كلام وليست رسمية ولا يوجد شيء مكتوب وموثق بخلاف ما يقول كثير ممن يروجون لهذه الأمور؛ لأن الهدف هو استخدامهم كأدوات لحسم معركة لصالح الحكومة.


الحكومة تريد الذهاب لحسم هذه الأمور خلال أشهر  أو في هذه السنة، إلى أن ينتبه المسؤول الأمريكي ويفيق من عام الانتخابات حتى يرى ماذا يصنع في العراق.. فهي إذن معركة عبثية بمعنى الكلمة، ولكن هذا العبث على حساب أرواحنا ودمائنا وأراضينا ومقدراتنا...إلخ، والآن هذه المناطق ـ كما هم يقولون في مجلس النوّاب ـ مناطق منكوبة، ,, وهم يقلون هذا الوصف فقط من باب محاولة ترضية لأطراف سنية تُلح على الحكومة والبرلمان بشأن الفلوجة والأنبار وغيرها .... طيّب من نكبها؟ وما هي الخطط لمعالجة الأوضاع في هذه المناطق؟ هل الحل العسكري يكفي لحسم الأمور؟ ومن سيُمسك بزمام الأمور في هذه المحافظات؟ فالصراع قائم على أشده الان بين أطراف سنية على تقاسم الغنيمة بالأنبار!!


ثم أن هناك من النازحين من بدأ يخرج من كردستان بناء على طلبات من السلطات الكردية والآن هم يقفون على بوابات بغداد الشمالية يُمنعون من العودة إلى بغداد إلا بكفيل، طيب هم خرجوا من الأنبار وما دخلوا بغداد إلا بكفيل ثم ذهبوا إلى شمال العراق، وعندما عادوا من شمال العراق يٌطالبون بكفيل!! أين سيذهب هؤلاء؟ سينصبون خيمًا على بيوتهم المهدمة في الفلوجة والرمادي وهيت و ..... الخ.


كم سنة سنحتاج من أجل إعادة أبسط الخدمات لهؤلاء الملايين من المهجرين؟


فهي إذن حالة إذلال، وحالة تغيير ديموغرافي، وحالة إفقار؛ كل هذه الأوصاف يمكن أن تنطبق على الحالة السُنّية الآن في العراق، والسياسيون منشغلون بتحسين ظروفهم وأوضاعهم والقادم أسوأ.


الدور الأمريكي في المشهد العراقي:


وعن حقيقة خروج قوات الاحتلال من العراق، أكد الدكتور مثنى الضاري بالقول:


كثيرون يقولون أن الاحتلال خرج في نهاية عام 2011، ونحن نقول؛ خرج الجزء الأكبر ـ وأنا أصر على هذه الكلمة ـ من قوات الاحتلال الفاعلة، وبقيت لهم قوات ومستشارون وسفارة ضخمة وقواعد، وبقيت لهم إدارة في الولايات المتحدة الأمريكية ترعى العلمية السياسية، وهي تركت المجال لإيران، لكن عندما تحس بأن العملية ستنهار وأن التوجيه الإيراني قد خرج عن الإطار المرسوم له وزاد حبة أو حبيتين على الوجود الأمريكي، تتدخل ،وهذا ما هو حاصل الألان في دعم حكومة العبادي.


في هذه الجزئية بالتحديد ـ فيما يتعلق بالأمريكان ـ فإنهم ما زالوا ممسكين بكل الأمور، والدليل على ذلك؛ أن العراق بلد مفلس، بينما الدينار العراقي رغم ضعفه يحافظ على مستواه.. لماذا؟ لأنه ممسوك بقوة من قبل الإدارة الأمريكية، وإلا وفق كل القوانين الاقتصادية ينبغي أن ينهار.. هذه واحدة.


والأمر الثاني؛ الولايات المتحدة تسعى الآن لإنشاء واجهات سنيّة جديدة، وهي تضغط منذ سنة وأكثر  هنا وهناك وفي عواصم عربية وغير عربية؛ ومشكلتها الأساسية أنها تريد وجوهًا سنية "مقنعة نوعًا ما" ليست مقنعة بالكامل، لاستبدال الطبقة السنية الحاكمة، إذن هي ما زالت تعتقد أن رفع فلان والمجيئ بفلان هو حل المشكلة، وإلى الآن لا تنظر أن هناك مشكلة حقيقية، فعندما يتحدثون عن المشكلة السنية وضرورة إصلاح الخطأ؛ فإنهم يتحدثون في إطار انتخابي، وهناك وعود من الجمهوريين بأننا سنحدث تغييرات كبيرة للسنة في حالة فوزنا، وللأسف كثير من السذج يصدون هذا الأمر.


 مشروع العراق الجامع


وفي ختام اللقاء؛ قدّم الأمين العام وصفًا موجزًا لمشروع العراق الجامع الذي تتبناه الهيئة، وشرح بعض معطياته ولوازمه قائلاً:


مشروع العراق الجامع أعلن منذ أشهر ، منذ 15/8/2015، والمرحلة الثانية منه ابتدأت قبل شهرين وما زالنا في إطار مراحل أخرى.. والفكرة الأساسية في مشروع العراق الجامع، هي إعادة ترويج وتسويق القضية الوطنية بإطار جديد يُقنع العالم بأن هناك فعلاً رؤية وحلاً، وأن هذه الرؤية ينبغي أن تكون شاملة، وقد قُدّمت منذ عام 2004 إلى الأمم المتحدة والعالم والنظام العربي الرسمي والشعبي وكل دول المنطقة، تقضي بأن المشكلة في العراق هي الاحتلال وآثاره، فعلينا أن نزيلهما، وإن قلتم إن الاحتلال خرج؛ فيمكن أن نسلم ـ رغم أنه مستمر ـ فلنزل آثار الاحتلال.. ما هي آثار الاحتلال؟ هي العملية السياسية، وهذا لا يكون إلا من خلال عقد وطني حقيقي، وهذا ما ندعو له، بإنشاء تيار وطني حقيقي يتولى مهمة إعادة الإصلاح والهيكلة في العراق، ولكن هذا مشروط بأمر ـ فنحن لا نحلم أو نتكلم بمثالية بل بواقعية ـ فلن يتاح لهذا المشروع أن يعمل في العراق إلا إذا اقتنعت به أطرف عديدة؛ عربية ودولية، ولا يُمكن أن يعمل إلا في حالة الفراغ بعد فشل الخيارات الموجود على الساحة، فالآن لا يُتاح لنا أن نطبق هذا الخيار على الأرض، لا دوليًا ولا إقليميًا.


والآن لا يوجد فراغ نظرًا لوجود حالة صراع بين الحكومة الطائفية المدعومة إيرانيًا وأمريكيًا وبين تنظيم الدولة، ونحن مطحونون بين الطرفين، وعندما يحصل الفراغ في العراق فستكون هناك فرصة لطرح هذا المشروع الوطني، فنحن لا نعطي حلولاً غير  واقعية، ولكن إذا لم تُسند هذه الحلول، فما علينا سوى الانتظار والعمل بجد من أجل الإقناع لتقبل هذه الفكرة وإعطائها الشرعية والسماع منها، إذ أنه إلى الآن لا يقبلون أن يسمعوا منا رغم كل الجهود المبذولة، فإذن إعطاء المجال لسماع الصوت الثالث في العراق ممكن أن يحل هذه المشكلة. ونحن نأمل إن شاء الله أن المتغيرات الإقليمية والدولية ستفرض على الكثيرين مراجعة حساباتهم.


 ولمتابعة الحوار كاملاً، يرجى مشاهدة التسجيل أدناه:



   الهيئة نت    


ج


أضف تعليق