هيئة علماء المسلمين في العراق

الإسلام الحضاري / د. عمر الراوي
الإسلام الحضاري / د. عمر الراوي الإسلام الحضاري / د. عمر الراوي

الإسلام الحضاري / د. عمر الراوي

تقييد الاسلام بوصف معين قد يُعطي نظرة عكسية عليه، ومن خلال التأمل والتحقق في كثير من الأوصاف التي تُطلق على الإسلام نجد أنها موضوعة من قبل أناس يحاولون تشويه صورته، والاستنقاص منه، فعلى سبيل المثال حينما نأتي على مصطلح (الاسلام الحضاري) نجد أن الغاية منه تقسيم المسلمين إلى متحضرين ومنكمشين – بحسب مزاعم الواضعين له- وميزان التمييز بينهما بحسب ما تمليه نفوسهم ورغباتهم.


وهذا المصطلح وغيره من المصطلحات الأخرى قد دخل في عقول كثير من المسلمين في وقتنا المعاصر، وأصبح مفهوم الحضارة عندهم أن يسير المسلم على خطى الغرب في شتى جوانب حياته، مما تسبب هذا الأمر بتعطيل ركن مهم من أركان الدين ألا وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.


فالمسلم الحضاري – في مفهوم واضعيه – الذي يتخلى عن الواجبات الشرعية المنوطة به تجاه أسرته فيأذن لزوجته أن تخرج متبرجة متزينة، وفق الصورة الحضارية التي يريدها مدعوها، أما الحجاب والخمار فأصبح يمثل صورة غير حضارية بل ويعبر عن مدى الانكماش – بزعمهم – الذي يحمله من يدعو إليه.


وكذلك فيما يتعلق بالأبناء والبنات فليس من الحضارة عندهم أن يراقب الأب الابن أو البنت، بل عليه أن يعطيهم الحرية الكاملة، دون مراقبة أو حساب؛ لأنه إن لم يكن كذلك؛ فإنه سيعكر عليهم حياتهم، ويقضي على مستقبلهم، وعلى هذا الأساس يجب أن تسير المجتمعات الإسلامية المعاصرة، وبالفعل فقد تطّبع كثير من المسلمين في وقتنا على السير وفق هذا المنهج.


وخلاصة القول إن من يدعو إلى هذا المصطلح؛ فإنه يروم من خلاله نبذ قواعد الإسلام التي وُضعت من أجل بناء مجتمع سليم، والمتمثلة بقوله صلى الله عليه وسلم: ((كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ؛ فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)) متفق عليه.


فمن ينظر في حال كثير من بلاد المسلمين اليوم، يُوقن بأن هذه القاعدة لم تعد متواجدة فيها، وأنها أصبحت من الماضي، وإذا ذكّرت الراعي بواجباته تجاه رعيته ادعى أن العالم يمضي في تقدم يجب عليهم مواكبته، وأن الإسلام منفتح وهو دين يسر لا عسر.


إن فهم مصطلح الإسلام الحضاري يجب أن يكون وفق المبادئ الشرعية، وليس على أساس الرغبات النفسية، فالاسلام حضاري بكل ما فيه من أخلاق وعفة، ونحن نعلم أن أمتنا الإسلامية امتازت عن باقي الأمم بميزة جعلتها خير أمة أُخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، ودعاة الإسلام الحضاري – حسب منهج الغرب- يستأصلون هذه الميزة بأفكارهم الضالة المضلة.


إن من الواجب علينا أن نعي خطورة هذه المصطلحات التي وضعها أعداء الإسلام، وأرادوا من خلالها تصنيف المسلمين إلى أصناف عديدة، ونعلم أن المسلم الحضاري هو الذي يطبق شريعة الله تعالى، ويقوم بحسن التربية والرعاية تجاه رعيته وفق الضوابط الشرعية المنوطة به، ويقف عند الحدود التي وضعها الله عز وجل.


ولندرك جيدا أمر الله تعالى: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُ عَلَيۡهَا مَلَٰٓئِكَةٌ غِلَاظٞ شِدَادٞ لَّا يَعۡصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ)[ التحريم:6].


قال السعدي رحمه الله: ((فالأولاد عند والديهم موصى بهم، فإما أن يقوموا بتلك الوصية، وإما إن يضيعوها فيستحقوا بذلك الوعيد والعقاب)).


فهل يعقل دعاة الاسلام الحضاري - حسب الضوابط الغربية- خطورة هذا الأمر، ويتداركوه قبل فوات الآوان؟!


  خاص /قسم الدعوة والارشاد


أضف تعليق