هيئة علماء المسلمين في العراق

العدوى المهلكة... د. عمر الراوي
العدوى المهلكة... د. عمر الراوي العدوى المهلكة... د. عمر الراوي

العدوى المهلكة... د. عمر الراوي

لو قيل للناس إن فلانا يحمل مرضا معديا؛ لرأيتهم يحتاطون منه بل ويبتعدون عنه؛ لأنهم يُدركون مصير ذلك المرض وعواقبه، وهكذا هي طباع البشر كلهم في هذا الجانب حتى وإن شُفي ذلك المريض من مرضه؛ فإنهم سيبقون على نفس المستوى من الحيطة والحذر منه من أجل الحفاظ على صحتهم وسلامتهم، والإسلام قد راعى هذا الجانب فقد قال صلى الله عليه وسلم: (( إذا سمعتم الطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها)) متفق عليه.


خاص قسم الدعوة والإرشاد


ومفهوم العدوى لا ينحصر على ما ينتقل من أمراض جسدية بين الناس فحسب؛ بل على كل مرض يغزو مجتمعنا جسديا كان أم أخلاقيا، وضررها على الأخلاق أشد منه على الجسد؛ لأن الأخلاق هي الحصن الحصين الذي يحفظ الإنسان من الانزلاق في الشهوات، والمناعة التي تدفع عنه كل فايروس يحاول اختراقه، إلا أن هذا الحصن وهذه المناعة سرعان ما تتلاشى إذا ابتعد الانسان عن الحقيقة التي خُلق من أجلها، وأصبح ضائعا بين شهوات الدنيا وملذاتها.


ومن يتمعن في حال مجتمعنا المعاصر يرى حقيقة الطاعون الذي أصابه، ويُدرك حجم الكارثة التي وصل إليها بسببه، حتى أصبح مجتمعا مريضا عاجزا عن القيام بأي واجب أو مسؤولية، ومن الواجب أن نعلم أن العدوى التي أهلكت أخلاق الكثير من شبابنا وفتياتنا لم تكن معروفة أو موجودة؛ بل استوردناها من المجتمعات الغربية، وأعطيناها الأولوية في مجتمعنا، حتى غدت مقدسة ومحترمة، وأكبر دليل على ما نقول ما نراه من انحلال اخلاقي في قسم من بلادنا الإسلامية، ففي مثل هذه الايام من كل عام تراهم يحتفلون بعيد الحب وهذه المسميات التي ما أنزل الله بها من سلطان، فترى الشوارع والبيوت والمحلات قد تزينت باللون الأحمر، بل إن كثيرا من الناس يرتدون ملابس حمراء لكي يُعطوا نظرة أنهم يواكبون التطور والحداثة التي اكتسبوها من العدوى التي بثها الغرب في مجتمعهم، دون أن يبحثوا عن أصل هذه المسميات، ويسألوا عن واضعها، وعن الأسباب التي دعته إلى اختراع هذه الأعياد، إلا أن هذه الأمور قد غابت عن قسم كبير ممن ينتسبون إلى الاسلام في وقتنا الحاضر،  واتخذوا من هذا العيد يوما لتبادل الورود الحمراء بين العشاق، في الوقت الذي أصبحت فيه كثير من بلاد المسلمين حمراء من كثرة الدماء التي تراق فيها من قبل أعداء الله تعالى.


وبالتالي فإن من يحتفل بهذه الأعياد التي سنها أعداء الله تعالى ليُشغلوا الناس عن حقيقة وجودهم في هذه الدنيا؛ فهو يقدم شهادة زور، وهذا ما فهمه كثير من الصحابة من قوله تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ)[الفرقان:72]،قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ((وهكذا سمى الله تعالى أعياد الكفار بالزور, ونهى عباد الرحمن عن حضورها وشهودها, فإذا كان حضور أعيادهم ومشاهدتها لا تنبغي فكيف بمشاركتهم فيها والموافقة عليها؟!)).


إننا بحاجة إلى توسيع المفاهيم وعدم حصرها في إطار ضيق، فالعدوى التي غزت مجتمعاتنا الاسلامية قد انتشرت فيها بشكل واسع بل وهي مستمرة في الانتشار، وهذا إن دل على شيء؛ فإنما يدل على ضعف الانتماء للإسلام، وضياع العقيدة الإسلامية من نفوس قسم كبير من شبابنا؛ لأن احتفاءهم بمثل هذه الأعياد دليل كبير على عدم معرفتهم بمسائل الولاء والبراء.


في هذا الزمن الصعب، وفي خضم هذه الظروف القاسية التي تعيشها أمتنا، ربما يتعسر على كثير من الناس دفع تكاليف العلاج لأي مرض جسدي، لكن علاج المرض الأخلاقي والعدوى المهلكة التي انتشرت في الأمة، لا يحتاج إلى كلفة مادية، بل هو موجود ومتيسر، وباستطاعة كل فرد أن يتناوله.


أما بقاء المجتمع على هذه الحالة المزرية؛ فيعني ذلك بقاء العدوى وانتشارها أكثر فأكثر، وهو إيذان بزيادة عقوبة الله تعالى على المجتمع بأكمله، وهذا ما نفهمه من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم فعن زينب بنت جحش أنه دخل النبي صلى الله عليه وسلم عليها فزعًا يقول: ((لا إله إلا الله ويلٌ للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها، قالت زينب بنت جحشٍ: فقلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث)). رواه البخاري.


 


أضف تعليق