هيئة علماء المسلمين في العراق

الدفاع عن العلماء مسؤولية الجميع / الشيخ عبد القادر النايل
الدفاع عن العلماء مسؤولية الجميع / الشيخ عبد القادر النايل الدفاع عن العلماء مسؤولية الجميع /  الشيخ عبد القادر النايل

الدفاع عن العلماء مسؤولية الجميع / الشيخ عبد القادر النايل

( العلماء ورثة الأنبياء )1 هكذا  قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح الذي رواه  أبو داود في سننه، وقد أخبر أيضا  أن الله يبعث على رأس كل مائة عام من يجدد أمر هذا الدين، ومن هنا فللعلماء دور أساسي في حماية الدين والتصدي لكل من يريد أن يتعدى عليه بأفكار هدامة، ولما كان لهم هذا الدور الريادي والعظيم، ويقابلهم دور أعداء الدين الذين يسعون الى تشويه الدين فاختاروا لأنفسهم أن يكونوا من جنود إبليس كما قال تعالى ( ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ) فقد اتخذوا لأنفسهم مبدأ محاربة الدين بكل الوسائل وأول خطواتهم كانت باستهداف العلماء فهم يمثلون في نظر أعداء الدين أسهل طريق وأفضل حتى من القتال، لذلك كانت التنظيمات الماسونية العالمية وأعداء الإسلام يسعون لإبعاد العلماء عن دورهم الحقيقي حينئذ سيكون الطريق سهلا لإبعاد المسلمين عن دينهم ليمهدوا ببث الخرافات والأفكار الهدامة وتخريب عقول المسلمين بالاتجاه الذي يخدم هدم الدين وهذا هو سعيهم، ولذلك كان شعارهم الذي وضعوه، وبدأ العمل به من خلال أناس دخلاء على الإسلام لتحقيق أهدافهم المرسومة ، حيث كان شعارهم (( إلصاق التهم وبث الأكاذيب على العلماء من أجل إسقاطهم من أعين الناس وعزلهم ))


وكلنا يعلم أن العلماء يخطئون ويصيبون كغيرهم من بني البشر، ومازال السلف الصالح يوصي بعضهم بعضا أن أصبروا:


   في موقف ينسي الحليم سداده                    ويطيش فيه النابه البيطار


 العلماء بشر، وقد يستوحش الطريق لقلة السالكين ... فكن معهم! وإذا كانت كلمة العلماء تعني شيئا وقت الرخاء فهي أعظم في وقت الأزمة، لقد ارتدت قبائل يوم الردة وثبت أهل جواثا بكلمة قالها الجارود بن المعلي، وفي ترجمة إمام السنة والثابت يوم المحنة أحمد بن حنبل :


(قال صالح بن أحمد: سمعت أبي يقول: صرنا إلى الرحبة، ورحلنا منها في جوف الليل فعرض علينا رجل فقال: أيكم أحمد بن حنبل؟ فقيل له هذا، فقال للجمال على رسلك ثم قال يا هذا ما عليك ان تقتل هاهنا وتدخل الجنة ؟ ثم قال: أستودعك الله، ومضى فسألت عليه فقيل لي هذا رجل من العرب من ربيعة يعمل الشعر في البادية! يقال له جابر بن عامر، يذكر بخير، قال أحمد بن حنبل: ما سمعت كلمة منذ وقعت في هذا الأمر أقوى من كلمة إعرابي كلمني في رحبة، قال: يا أحمد أن يقتلك الحق مت شهيدا، وإن عشت عشت حميدا فقوىَ قلبي )2


  أزمة كلمة الحق جاء بها الإعرابي الضعيف ولم يحقر نفسه يثبت فيها علم الأمة؛ ولم تكن هناك كلمة أقوى منها في قلب احمد، قال تعالى: ( والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين امنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) وذلك لأن الأزمة لا تخلو من فتنة وظلمة وجفاف وتيه، وفي الإيمان نور وغيث وهداية، فعلى المسلمين جميعا أن يتواصوا ويتهادوا من أجل ترسيخ الإيمان في القلوب حيث أن الأزمة تصيب القلوب، تغمرها بالخوف والفوضى وتزاحم الإيمان، عن هند بنت الحارث الفراسية أن أم سلمه زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: أستيقظ رسول الله ليلة فزعا يقول: ( سبحان الله ! ماذا انزل الله من الخزائن! وماذا انزل الله من الفتن! من يوقظ صواحب الحجرات _ يريد أزواجه _ لكي يصلين؟ رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة )3.( قال ابن حجر رحمه الله في الحديث استحباب الإسراع إلى الصلاة عند خشية الشر) 4،  كما قال تعالى: ( وأستعينوا بالصبر والصلاة ) وكان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، ولذلك يجب أن نتواصى بالصلاة عند كل شيء، لأنها تثبت الإيمان في القلوب وتحمي من الفتن ولتكن الصلاة زاد في طريق الأزمة المظلمة قال عليه الصلاة والسلام: ( بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم ، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا ، يبيع دينه بعرض من الدنيا ) 5 قال تعالى: ( وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ) وعن معقل بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( العبادة في الهرج كهجرة إليّ)، وعندما يلجأ الناس إلى الدين في الأزمات وهذا شيء طبيعي لأن في الأزمة تقبل القلوب إلى خالقها قال تعالى:( وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ) هنا تكمن مهمة العلماء في توضيح الدين، لأن الأسئلة تكثر وتتفرع، والقيل والقال، ويفجر الموقف الواحد ألف سؤال وسؤال .. وتلتفت الأمة إلى هامات العلماء ليسمعوا الكلمة ... والكلمة هنا غالية، غالية لأنها تكلف الإنسان رأسه، أو ظهره، أو وظيفته، غالية لأنها قد تخالف هوى من فوقه أو من تحته أو من معه، أو حتى هوى نفسه! وحينئذ لابد من قيام لله بتوضيح الدين خاصة إذا مست الأمة في عقيدتها وشوش التوحيد، وهشمت الثوابت، ونطق الرويبضة، حيث يقول الرسول محمد صلى الله عليه وسلم: ( ستأتي على أمتي سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق ويأتمن فيها الخائن ويخوُن فيها الأمين وينطق الرويبضة قالوا: ما الرويبضة يارسول الله، قال: الرجل التافه في أمور العامة ) 6


  لذلك كان على العلماء وجوبا أن يمتثلوا لقوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبير)


واللي: هو الكذب أو التحريف، والإعراض أو كتمان الحق، ولقد هلكت العلماء في هذا ولا يمكن لعالم أو طالب علم أن يرضى بالمهلكة. وإذا فتحنا كتب التاريخ لوجدنا صفحات مشرقة لعلماء المسلمين في توضيح الدين للأمة في الأزمات، حتى أنهم دفعوا دمائهم وأرواحهم لمواقفهم المشرفة.


       ثمن المجد دم جدنا به          فاسألوا كيف دفعنا الثمنا


وافتح كتب التأريخ لتجد صفحات أول أزمة بعد حياة الرسول صلى الله عليه وسلم الأزمة التي تشتبك فيها السياسة الخارجية بالسياسة الداخلية، بمسائل التوحيد والفقه فيأتي علم الأمة أبو بكر الصديق فيقذف بكلمته ويوضح بها الدين في مسألة الردة.


وقد تمر الأزمة بالأمة فلا يبالي الرجل بما كان وما يكون، ومن هنا على العالم أن يستشعر الأزمة التي تمر بالأمة ويبينها للناس وأن لا تكون الأزمة مجرد شهر جديد من شهور السنة، لكن عليه أن يغير جدوله ويعد نفسه ويضع بصمته في صفحة الأزمة وربما دهمته وخنقته وقد فرط .


     إذا المرء لم يحتل وقت جد جده             أضاع وقاسى أمره وهو مدبر


لقد كان الإمام مالك رحمه الله يترك التحديث في رمضان ليتفرغ إلى التعبد والذكر والصلاة لأنه عرض للأمة نازلة توجب الاشتغال بما هو أعظم من نوافل التحديث. وأعظم من ذلك أن ترى ذا العلم وذا الدعوة يرى الأزمة تركض إليه وإلى قومه في يدها الفتنة والضلال، ويقسم الشيطان بالله لأغوينكم أجمعين ولأقتلنكم ولأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف، وهو لم يحرك ساكنا ولم يسكن متحركا، ليس لغفلة أو لجهالة أو لعجز فيعتذر، بل تعاميا وتماوتا وموت القلوب أشد من موت الأبدان.


إذن أول القواعد في استثمار الأزمة أن تستشعر الأزمة والباقي يأتي في الطريق لأن التفاعل المطلوب مع الأزمة وهو التفاعل الإيجابي الذي يدفعك ويحركك ويرفع وعيك، وليس هو القلق والرجفة والقنوط، ليس هو الهم الذي يحاصرك ويجمد أفكارك ويقتل حماسك وفكرتك.


وأما القاعدة الثانية في استثمار الأزمة هي استنهاض الهمم! فالسيوف والقنابل قبل أن تقصف الرؤوس تقصف الهمم، الرعب طليعة الجيش وجيوش الهموم تسبق جيش الناس لتحارب العزائم تخوفها، تسحبها إلى الوراء تجذبها إلى الأرض ... وعلى الأمة أن تستنهض هممها واستنهاض الهمم، بالآي، والحديث والخطبة، والقصة، والشعر، والموقف الشجاع.


وسجل العلماء على مدى القرون الماضية وعلى مستوى الفتن التي مرت بها الأمة كان لهم الأثر الطيب لإرشاد الناس وتحملوا كثيرا جراء مواقفهم من التعذيب والسجن والقتل .... الخ.


 ونحن هنا لا نريد فتح التاريخ بل الذي يهمنا هو موقف العلماء في العراق منذ دخول الاحتلال الذي هدم كل مؤسسات الدولة بتاريخ 9/ 4 / 2003 الموافق 7 صفر وهو نفس التاريخ عندما دخل الاحتلال المغولي إلى بغداد وهدمت كل مؤسسات الدولة. بعدها أصبح العراق في فوضى من كل المجالات السياسية والعسكرية والأمنية والعلمية والأخلاقية والاقتصادية والاجتماعية حيث برزت الطائفية، والمنصف والمتتبع للوضع في العراق يجد أن علماء العراق كان لهم الدور المتميز والكبير، فقد وقفوا بوجه مشاريع الاحتلال وكذلك بوجه المشاريع الطائفية والعرقية يوم تخلى الناس عن كل شيء، حيث لم يكتف العلماء في تبيان ما اختلط على الناس بل تعدى الأمر إلى أن وقف العلماء عمليا في حماية مؤسسات الدولة من حراسة ليلا ونهارا وما سمحوا للمخربين من إتلافها او سرقتها ذاك لان المخربين ماكانوا يمثلون الشعب العراقي الأصيل إنما كانوا ينفذون أجندات دول إقليمية لحرق وإنهاء مؤسسات الدولة الخدمية ليزيدوا من معانات الشعب العراقي، ووقفوا بوجه الفتنة الطائفية، وحرقت مساجدهم، وقتل موظفوها، لكنهم دعوا إلى الوحدة وعدم الاقتتال وحرمة الدماء بين أبناء الشعب العراقي رغم الذي أصابهم ، فكانوا دعاة خير على عكس من دعا الي الطائفية. تعرضوا للقتل فقد استشهد علي أيدي المليشيات الطائفية والاحتلال والتكفيريين أكثر من أربعمائة عالم وإمام وخطيب وأعداد كثيرة من الموظفين الإداريين وتعرض قسم كبير منهم إلى محاولات الاغتيال منهم من جرح ومنهم من نجا فقد دفعوا دماءهم ويتمت أطفالهم ورملت نساؤهم من اجل هذا الدين ووطنهم، لا لذنب سوى أنهم وقفوا بوجه من يستهدف ويستهتر بالدم العراقي ويعتقل وينتهك أعراضهم وأموالهم بكل طوائفهم ودياناتهم لم يفرقوا بين أحدِ من أبناء هذا الشعب المظلوم، وتصدى العلماء بوجه كل المؤامرات السياسية التي أرادت تمزيق وحدة العراق وان يكون ضعيفا على المستوى الاقتصادي والعسكري ليمكن لدول الجوار من الاستحواذ عليه، وحرم العلماء كل من يتلاعب بأموال الشعب العراقي ومقدراته الاقتصادية وبينوا للناس حقيقة الفساد الإداري والمالي الموجود في البلاد.


لذلك من الواجب علي الجميع الدفاع عن العلماء وعدم التجريح بهم لأن لحوم العلماء مسمومة وإن الله يدافع عنهم، وكذلك يجب أن نكون معهم لأنهم اليد البيضاء وهم عنوان التسامح والمصالحة ولم الشمل وأن لا نسمح لأعدائنا من النيل منهم ومن وسائل الدفاع عن العلماء هي:


1. طاعة العلماء قال تعالى: ( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم )


2. الثقة بالعلماء لأنهم ورثة الأنبياء


3-    رد الذين يطعنون بالعلماء يقول علية الصلاة والسلام: (من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة ) 7


 ====


 


1-  رواه  أبو داود في سننه


2-      الإمام الذهبي سير إعلام النبلاء 11/ 241


3-      رواه البخاري في الجامع الصحيح


4-      ابن حجر العسقلاني ، فتح الباري ، ج6 ص 181


5-      رواه مسلم ، صحيح مسلم


6-      رواه ابن ماجه في سننه بسند صحيح


7-         رواه الترمذي ، في سننه


أضف تعليق