هيئة علماء المسلمين في العراق

عالم يحيي الأمة وآخر يفنيها.. / د. عمر عبد الوهاب الراوي
عالم يحيي الأمة وآخر يفنيها.. / د. عمر عبد الوهاب الراوي عالم يحيي الأمة وآخر يفنيها.. / د. عمر عبد الوهاب الراوي

عالم يحيي الأمة وآخر يفنيها.. / د. عمر عبد الوهاب الراوي

إذا كان صمام القلب سليما وقويا؛ فإن تدفق الدم إلى شرايين الجسم يكون بصورة جيدة ومنتظمة، وبالتالي فإن الجسم سيبقى يعمل بجد ونشاط، بيد أن النتيجة ستكون عكسية إذا كان الصمام مريضا؛ فإن الدم لن يصل إلى أجزاء الجسم بصورة صحيحة، وبالتالي فإن الإنسان سيشعر بضيق في التنفس، وألم في الصدر، وتعب مستمر.


هكذا هو حال العلماء في الأمة؛ فهم الصمام الذي يبعث روح الأمل في جسد الأمة، وبقدر ما كان هذا الصمام سليما؛ فإن الجسد سيعيش بصحة وعافية، أما إن أصاب الصمام سقم؛ فإن الجسد سيعيش في علل متتابعة لا تنقطع.


وعلى هذا الأساس ترى حال الأمة، ففي الوقت الذي كان للعلماء الربانيين -الذين باعوا الدنيا وانشغلوا بالدين- الدور البارز في الأمة؛ فإنها كانت تعيش في أمان واطمئنان، وحياة كريمة ليس فيها ملل أو كلل.


لقد كان للعلماء الدور البارز في نهوض الأمة وازدهارها وعلو شأنها، وإنما حصل هذا المجد لأمتنا يوم أن كان سلطانها يتبع مشورة العلماء، وينزل عند رأيهم، وقد سطر التاريخ قصصا كثيرة تدل على هذا؛ ففي سنة من السنين أجدبت الأندلس، وأقحلت الأرض، وجفت الآبار، وانحسرت الأنهار، وهلك الناس من العطش، فأراد الخليفة أن يستسقي بالناس، فأرسل رسوله إلى عالم من كبار علماء الأندلس المنذر بن سعيد البلوطي يأمره بإقامة صلاة الاستسقاء، فلما جاءه الرسول قال: ارجع إلى الخليفة وقل له: والله لا أخرج للاستسقاء، وأنت بين جواريك وقيانك وعلى لهوك ولعبك – كانوا يقولون الحق ولا يخافون في الله لومة لائم- فقال له الرسول : والله لقد خرجت من عند الخليفة وقد جثى على ركبتيه، ووضع التراب على رأسه، ورفع يديه إلى السماء، ودموعه على وجنتيه يقول: اللهم ارحم ضعفنا، قال المنذر: إذن الآن أخرج، فخرج حتى وقف على المنبر فلما رأى جموع الناس، أطرق برأسه وبكى ولم يتكلم بشيء، ثم رفع رأسه وقال: أيها الناس:(كَتَبَ رَبُّكُمۡ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَ أَنَّهُۥ مَنۡ عَمِلَ مِنكُمۡ سُوٓءَۢا بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ تَابَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَصۡلَحَ فَأَنَّهُۥ غَفُورٞ رَّحِيمٞ)[الانعام:54]،فما تفرق الناس من اجتماعهم إلا والسماء تصب عليهم كأفواه القرب فأُغيثوا غيثاً عظيما.


ومن الطرائف: أن الخطباء بعد وفاة المنذر بن سعيد لا يخرجون إلى المصلى إلا ومعهم الشرط والأعوان؛ لأنهم كانوا إذا استسقوا فلم يُمطروا؛ فإن الناس يرمونهم بالحجارة!.


وإنما تحققت تبعية السلطان للعالم؛ لأن العلماء لم ينشغلوا بالدنيا وملهياتها، ولم يفتتنوا بفتنها وزخرفها، فأعزوا أنفسهم فهابهم السلطان.


بيد أنه لما تغير الحال، وأصبح قسم من العلماء تابعا لرغبات السلطان وأهوائه؛ لأنه افتتن بالمنصب والجاه والأموال، خلت هيبة العلماء من نفوس السلاطين، وهذا ما يجب أن ننتبه إليه خصوصا في عصرنا الحاضر، الذي لم نجد فيه إلا قلة من العلماء ممن ثبتوا على المنهج القويم والصراط المستقيم، ولم يلتفتوا إلى مغريات الدنيا وشهواتها.


فالعالم الذي يسير تبعا لهوى السلطان، ويكون متحزبا تحت أي مسمى من أجل دنيا يصيبها فهذا قد مات قلبه، وليُدرك من كان هذا حاله نفسه قبل فوات الأوان؛ فإنها عقوبة له من الله تعالى، يقول الحسن البصري – رحمه الله -: ((عقوبة العلماء موت القلب، وموت القلب طلب الدنيا بعمل الآخرة))، وقد حذر الإمام الغزاليّ رحمه من هؤلاء فقال: ((واحترز عن الاغترار بتلبيسات علماء السوء؛ فإنّ شرّهم على الدين أعظم من شرّ الشياطين، إذ الشيطان بواسطتهم يتدرّج إلى انتزاع الدين من قلوب الخلق)).


وكم من العلماء في وقتنا الحاضر ممن طلب الدنيا بعمل الآخرة، وأصبحت فتواه تبعا لهوى سلطانه وحزبه، فأصبح معول هدم للأمة، وأنا هنا لا أُنكر دور العلماء بتقديم النصح للسلطان؛ فهذا من واجبهم، لكن علينا أن نفرق بين سلطان يتقبل النصيحة ويعمل بمقتضاها، وآخر لا يُلقي للعالِم بالًا إلا وقت أن يحتاج إليه؛ كحال السياسيين الذين أُبتلي بلدنا بهم اليوم، فتراهم لا يهتمون ببعض العلماء إلا حينما يمرون بأوقات عصيبة تحتاج إلى فتوى أو دعم من العلماء الذين رضخوا لطلباتهم،  ونحن رأينا أن سياسيي بلدنا وبالذات من ينتسبون إلى أهل السنة لا صلة لهم بما يراه عالم أو فقيه، والدليل على ذلك أنهم كلما افتكروا أسلوبا جديدا للخروج من المأزق الذي يعيشونه، طالبوا بإخراج فتوى تُجيز العمل الذي يرومون القيام به، مع العلم أنهم في كثير من الأعمال التي قاموا بها كالموافقة على الدستور وغيرها لم يسألوا العلماء عن موقف الشرع في تلك المسائل بل اعتبروا أنفسهم مجتهدين، وهل يكون اجتهاد في مسائل تبيح دماء الناس وأعراضهم، والزج بهم في ظلمات السجون؟!


وعلى هذا الأساس؛ فإن الأمة لن تخرج من ضيق العيش والتعب، وتذهب عنها الآلام والأسقام إلا إذا عاد إليها صمامها الآمن، الذي يبث روح الأمل في جسدها الذي كثُر جراحه، وتنوعت أسقامه، وازدادت همومه وأحزانه، ودواء الصمام لا يكون إلا باستبداله، وقيمة استبداله متوفرة عند كل مسلم، ويتحقق ذلك باتباعنا للعلماء الربانيين، وترك علماء السلاطين الذين ازدادت الأمة أوجاعا بسببهم، وأصبحوا معول هدم للأمة بأكملها.


خاص / قسم الدعوة والإرشاد في الهيئة


أضف تعليق