هيئة علماء المسلمين في العراق

هكذا تخلخلت صفوف المسلمين / د. عمر عبد الوهاب الراوي
هكذا تخلخلت صفوف المسلمين / د. عمر عبد الوهاب الراوي هكذا تخلخلت صفوف المسلمين / د. عمر عبد الوهاب الراوي

هكذا تخلخلت صفوف المسلمين / د. عمر عبد الوهاب الراوي

اهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بتنظيم صفوف المسلمين في الصلاة وفي ميادين الجهاد، وهو بهذا الفعل يرسم الصورة الحقيقية التي يجب أن يكون عليها المسلمون في كل زمان ومكان، ولا تقتصر تلك الصورة على حال المسلمين في داخل المسجد، أو داخل ميادين الجهاد فحسب؛ بل هي ملازمة لهم في جميع أحوالهم، فهم بنيان مرصوص لا يمكن أن يُحدث الشيطان وأتباعه فيهم أي خلل، وسبب ذلك أن قلوبهم تراصت كما تراصت صفوفهم في الصلاة، فانعكس صفاؤها على وحدتهم التي ما استطاع الشيطان أن يفرقها.


ونلتمس هذه الإيحاءات من وصايا رسولنا صلى الله عليه وسلم؛ فقد كان عليه الصلاة والسلام حينما يسوي الصفوف يَقُولُ: ( اسْتَوُوا, وَلا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ ) رواه مسلم.


ومما ورد في هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم: ((عِبَادَ اللَّهِ، لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ )) رواه البخاري.


وحينما نستمع إلى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((رصوا صفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذوا بالأعناق، فوالذي نفس محمد بيده إني لأرى الشياطين تدخل من خلل الصف كأنها الحَذَف))  -والحذف: غنم صغار سود-، فإنه يخطر في بالنا سؤال كيف يدخل الشيطان إلى المسجد؟ الجواب واضح وصريح وقد بينه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ((إني لأرى الشياطين تدخل من خلل الصف))، فيتبين لنا أن ما أحدثناه من خلل في صفوف الصلاة كان سببا في دخول الشياطين إلى المسجد، وإذا توصلنا إلى السبب في ذلك؛ فإن من الواجب علينا أن نتحقق في الأسباب الأخرى التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه من اختلاف الصفوف، وعدم تحقق ما أمرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم من تسويتها وتراصها.


حينما نتفكر في المسألة جيدا، ونعايش الواقع المر الذي تعيشه الأمة الإسلامية، نجد أن ما يحدث من خلل في صفوف الصلاة، هو انعكاس لحال الأمة الذي تعيشه خارج المسجد، والمتمثل بالفرقة واختلاف القلوب وعدم صفائها، فإذا كان المسلم في خارج المسجد على هذه الحال فكيف نبحث عن تسوية صفوف الصلاة في المسجد؟


إن نفوسنا تتألم للحالة التي بلغت بالمسلمين في عصرنا الحاضر، فحينما ندخل إلى كثير من المساجد نجد الصورة واضحة للعيان، ونلتمس حد الفرقة التي وصلت بهم من خلال ما نلحظه ونشاهده، فكثيرة هي المواقف التي رُسمت في الذهن ومن أسوء ما رأيت وشاهدت أن مسلما دخل إلى مسجد فأراد أن يصلي في الجهة اليمنى من المسجد؛ فلما رأى أن من سيقف بجانبه قد خاصمه في الخارج انتقل للصلاة في الجهة الأخرى من المسجد، فإذا كنا كذلك فكيف لا يدخل الشيطان إلى المسجد؟


إن اهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم بتسوية الصفوف في الصلاة وفي ميادين الجهاد له مدلولاته العظيمة التي ما عدنا نفقهها في حاضرنا المعاصر، ومن أهم ما يدل عليه اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر؛ أنه أراد أن يرسم الصورة الحقيقية التي يجب أن يكون عليها المسلمون، وأن اجتماعهم على هذه الحالة لا يكون في المسجد فحسب بل في داخل المسجد وخارجه.


بيد أنه لما اختلف حال المسلمين، وأصبحوا يحفظون أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم دون إدراك لمدلولاتها، تخللخت صفوفنا، وذهب الخشوع من صلاتنا، وأصبحت عبادتنا عبارة عن وقت نقضيه من حياتنا كباقي الأوقات الأخرى.


إن رسالة المصطفى صلى الله عليه وسلم لنا في هذا المجال واضحة لا تحتاج إلى طول تفكر وتأمل، وبالإمكان أن نضعها في عبارة مختصرة مفادها: أن حال الأمة في داخل المسجد هو انعكاس للحقيقة التي هم عليها في خارجه، وأن الاستقامة في الصلاة وحصول الخشوع والطمأنينة فيها، وعدم دخول الشيطان في مساجدنا، لا يحدث إلا إذا أصلحنا حالنا ووحدنا صفوفنا في مجتمعنا، عندئذ سنطرد الشيطان من نفوسنا ومجتمعنا؛ فلا يستطيع حينئذ أن يدخل إلى مساجدنا.


أما بقاؤنا على هذا الحال؛ فيعني ذلك أن صفوفنا ستبقى مخلخلة وغير مستقيمة.


مقال خاص بموقع    الهيئة نت    


أضف تعليق