هيئة علماء المسلمين في العراق

المسلم .. بين ألم وأمل.. ايحاءات من سورة القصص / د. عمر عبد الوهاب الراوي
المسلم .. بين ألم وأمل.. ايحاءات من سورة القصص / د. عمر عبد الوهاب الراوي المسلم .. بين ألم وأمل.. ايحاءات من سورة القصص / د. عمر عبد الوهاب الراوي

المسلم .. بين ألم وأمل.. ايحاءات من سورة القصص / د. عمر عبد الوهاب الراوي

خاص/ قسم الدعوة والإرشاد


في خضم الفتن التي تمر بالمسلمين اليوم، والآلام التي تعيشها أمتنا الإسلامية، لا بد لنا من وقفة تبعث الأمل في نفوس كثير من المظلومين والمضطهدين والمحاصرين، والسبب في ذلك أن كثيرا من المسلمين في وقتنا المعاصر قد دخل اليأس في نفوسهم لما يرونه من قتل وتهجير وتشريد لهم.


لقد ضرب القرآن الكريم لنا أروع القصص في هذا الجانب، ومنها ما تحدث به في أوائل سورة القصص في قوله تعالى:(طسٓمٓ* تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ*نَتۡلُواْ عَلَيۡكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرۡعَوۡنَ بِٱلۡحَقِّ لِقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ*إِنَّ فِرۡعَوۡنَ عَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلَ أَهۡلَهَا شِيَعٗا يَسۡتَضۡعِفُ طَآئِفَةٗ مِّنۡهُمۡ يُذَبِّحُ أَبۡنَآءَهُمۡ وَيَسۡتَحۡيِۦ نِسَآءَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ) [ القصص 1-4].


إنها آية للمؤمنين في كل زمان ومكان، تضرب لهم أروع الأمثلة في ما سيلاقونه من الظالمين، وتبين لهم أن من سبقهم من الأقوام السابقة ممن آمن بالله ورسله قد تعرضوا لكثير من الأذى والمصائب، وأن ما تعرضوا له من أذى واضطهاد كان سببا في تمكينهم وعلو أمرهم، وهذا ما أكده القرآن الكريم بقوله تعالى: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَنَجۡعَلَهُمۡ أَئِمَّةٗ وَنَجۡعَلَهُمُ ٱلۡوَٰرِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَنُرِيَ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا مِنۡهُم مَّا كَانُواْ يَحۡذَرُونَ)[ القصص 5-6].


ثم بين لنا القرآن الكريم بعدها قصة جمعت الألم والأمل، وتتلخص تلك القصة بما حدث لأم موسى حينما خافت على ابنها من ظلم فرعون، حيث أنه كان يقتل كل مولود ذكرا؛ لأن السحرة أخبروه بأن من يقتله هو من بني إسرائيل.


وهنا تقف أم موسى في موقف صعب وعصيب، كيف لا وهي تتألم لحال ابنها وتخاف عليه من ظلم فرعون وجبروته، حتى جاءت اللحظة التي نزل فيها الإلهام من الله تعالى على قلبها، وهذا ما بينه القرآن الكريم في قوله تعالى: (وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ أُمِّ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَرۡضِعِيهِۖ فَإِذَا خِفۡتِ عَلَيۡهِ فَأَلۡقِيهِ فِي ٱلۡيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحۡزَنِيٓۖ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيۡكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ).[ القصص7].


إنها آية حملت خبرين وأمرين ونهيين وبشارتين لأم موسى، فما كان منها إلا أن تقوم بما أُمرت به، فألقته في تابوت صغير وقلبها يتألم عليه، ويمضي ذلك التابوت في أمواج البحر بذلك الطفل الرضيع الضعيف، وهو يبعث رسالة تطمين للمستضعفين في كل زمان ومكان عنوانها من كان الله معه فلا يهمه تلاطم أمواج البحار، وهنا يحصل أمر لم تتوقعه أم موسى، فآل فرعون التقطوا التابوت وإذا به طفل صغير فما كان من امرأة فرعون إلا أن تطلب من فرعون أن لا يقتله حتى يكون قرة عين لها وله، فاستجاب لها، وهنا لا يمكن لأم موسى أن تكتم الألم الذي يعشعش في قلبها ونفسها، فأرادت أن تبوح بما في داخلها، وتُظهر حقيقة هذا الطفل لكن الثبات الذي ضربه الله على نفسها وقلبها حال دون ذلك، وفي هذا الأمر رسالة للمستضعفين والمظلومين في كل زمان ومكان أن الثبات على المبادئ من الأمور التي لا ينالها إلا من حفظ الله تعالى وصابر وصبر، وثباتهم دليل على حفظ الله تعالى لهم من الانزلاق في طرق الشيطان وأتباعه.


وهنا يأتي الفرج ويحصل وعد الله الذي قطعه لأم موسى، وابتدأ الفرج من خلال ما أودعه الله في نفس موسى عليه السلام حيث أنه لم يتقبل أي ثدي لرضاعته، فما كان من أخته إلا أن تخبر آل فرعون بالبيت الذي يقوم على رعايته وكفالته، فأعادوه إلى أمه دون أن يعلموا أنها أمه، وهنا يتحقق الوعد الإلهي الذي قطعه لأم موسى، وهذا ما أكده القرآن الكريم بقوله عز وجل: (فَرَدَدۡنَٰهُ إِلَىٰٓ أُمِّهِۦ كَيۡ تَقَرَّ عَيۡنُهَا وَلَا تَحۡزَنَ وَلِتَعۡلَمَ أَنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ) [القصص 13].


فنرى من خلال ما حدث لأم موسى أن الألم يزيله الأمل بالله تعالى، وأن الله عز وجل لن يخلف وعده، وأن على المؤمنين أن لا يصيبهم اليأس والقنوط، فرحمة الله واسعة، وتتجلى هذه الحقيقة بالرحمة التي حصلت لموسى وأمه، وأن من الواجب على المؤمنين الثبات على المنهج الذي ارتضاه الله تعالى لهم، فثباتهم هو السبيل الذي يحقق لهم الفرج والتمكين، ويمحق الظلمة والمتكبرين.


وهنا لا بد من التمعن في قوله تعالى: (وَلِتَعۡلَمَ أَنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ).


ومن ثم يجب أن نعلم سبب عدم وثوقنا بوعد الله، ووقوع اليأس في نفوسنا، وهذا امر بينه المولى جل وعلا بقوله: (وَعۡدَ ٱللَّهِۖ لَا يُخۡلِفُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَايَعۡلَمُونَ يَعۡلَمُونَ ظَٰهِرٗا مِّنَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ عَنِ ٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ غَٰفِلُونَ) [الروم 6-7].


فالغفلة والبعد عن منهج الله تعالى من الأسباب التي أوقعت في نفوس كثير من المسلمين اليوم التشكيك في حصول وعد الله تعالى.


أضف تعليق