هيئة علماء المسلمين في العراق

الغيْرة .. الفطرة الميتة / د. عمر عبد الوهاب الراوي
الغيْرة .. الفطرة الميتة / د. عمر عبد الوهاب الراوي الغيْرة .. الفطرة الميتة / د. عمر عبد الوهاب الراوي

الغيْرة .. الفطرة الميتة / د. عمر عبد الوهاب الراوي

قسم الدعوة والإرشاد في الهيئة


حين خلق الله خلقه أودع في نفوسهم صفات جبلية، ومن أهم ما أودعه تعالى في نفس الإنسان الغَيْرة، والتي هي صفة من صفات الله تعالى، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن الله - تعالى - يغار، وغَيْرة الله أن يأتي المؤمن ما حرَّم الله عليه)) متفق عليه.


وعن المغيرة بن شعبة قال: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ((لَوْ رَأَيْتُ رَجُلاً مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفِحٍ عَنْهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ فَوَاللهِ لأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللهُ أَغْيَرُ مِنِّي، مِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ)) متفق عليه.


بيد أن غيْرة الله تعالى ليست كغيْرتنا، فصفات الله تعالى يتمثل فيها الكمال، وصفات البشر يتمثل فيها النقص.


وعرف بعض العلماء الغَيْرة – بفتح الغين وسكون الياء – بأنها: (( ما ركّبه الله في العبد من قوة روحية تحمي المحارم والشرف والعفاف من كل مجرم وغادر)).


وإذا أُطلق لفظ الغْيرة؛ فإن أول ما يتبادر إلى ذهن السامع أن المقصود منه الغيْرة على العرض، وهذا جزء من معاني الغيْرة؛ لأنها لا تكون على العرض فحسب، بل تكون على الدين بأكمله.


وتتوضح لنا معاني الغْيرة من خلال المواقف التي سجلها التاريخ الاسلامي لنا، فغزوة بني قينقاع كان سببها امرأة من المسلمين قدمت إلى سوق بني قينقاع، وجلست إلى أحد الصاغة اليهود تبيع وتشتري منه، فجعل اليهود يريدونها على كشف وجهها، ورفضت المرأة المسلمة ذلك، فجاء أحد اليهود من خلفها وربط طرف ثوبها برأسها دون أن تشعر، وعندما وقفت انكشفت المرأة فصرخت، فجاء أحد المسلمين وقتل اليهوديَّ الذي فعل ذلك، فاجتمع يهود بني قينقاع على المسلم وقتلوه.


وهنا اجتمعت جريمتان الأولى كشف عورة مسلمة، والأخرى قتل رجل مسلم، فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يجهز جيشا عرمرما فيحاصر بني قينقاع لمدة أسبوعين، وقد قذف الله تعالى في قلوب اليهود الرعب، ولما رؤوا شدة الحصار نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي قضى بقتلهم جميعا، بسبب ما ارتكبوه من جريمة شنيعة بحق المسلمة.


فهذه الغيْرة التي صدرت من رسول الله صلى الله عليه وسلم هي لرد الاعتبار للمسلمين، ولبيان مكانة العزة والكرامة في نفوسهم، فهو عليه الصلاة والسلام يُدرك حقيقة الحرب وما تحمله من نتائج، لكنه صلى الله عليه وسلم أراد من هذا الأمر أن يكون عبرة لكل المسلمين في كل زمان ومكان، وأن لا يستهينوا بأي فعل مشين يقوم به أعداؤهم مهما صغر أو كبر.


وفي تاريخنا مواقف كثيرة تبين المعاني العظيمة للغيْرة في نفوس قادة المسلمين.


وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الغيْرة صفة توجد في نفوس المؤمنين الصادقين، وهي محفوظة فيهم بقدر ما حفظوا الله عز وجل، وثبتوا على العقيدة والدين.


 لذا فإن نفوس المنافقين تستثقلها؛ لأنها لا تتلاءم مع بيئتهم الضالة المضلة التي اشتروها بسبب تركهم لفطرة الله تعالى، فأصبحت نفوسهم ميتة لا تحمل إلا الحقد والحسد للإسلام والمسلمين.


ومما يُدمي القلب أننا نعيش في زمن انعدمت فيه الغيْرة من نفوس كثير من الناس خصوصا من تسيّد أمر المسلمين، فكم من حرمات انتُهكت، ودماء أُريقت، ومساجد هُدمت، ومدن حوصرت، ونساء اغتصبن، ولا نجد من حكام المسلمين من تحمله الغيْرة على ما يفعله أعداء الاسلام ضد المسلمين.


وليس هذا هو حال بلد مسلم بعينه، فالمصيبة قد نزلت على كثير من المسلمين في العراق والشام وفلسطين وبورما وبلاد إسلامية أخرى.


ماتت الغيرة في نفوس الحكام وكثير من الناس اليوم؛ لأننا لم نر من يتحرك لنجدة المظلومين، سنوات عجاف مرت على العراق ولم نجد من يقف إلى جانبه، وما زالت دماء الأبرياء تتساقط ويُقتل الناس على الهوية، ومساجد الله تهدم، وآخر تلك المصائب ما حدث ويحدث في المقدادية، فمع كل ماجرى ويجري فيها إلا أننا نجد صمتا من جميع الدول الإسلامية، وكأننا لا نعنيهم بشيء، ولا صلة بيننا وبينهم.


فأين الغيْرة التي أودعها الله في نفوسهم؟ لقد ماتت منذ أن تركوا شرع الله عز وجل، وجعلوا من الإيمان به عنوانا لا حقيقة له في أفعالهم، فالغيْرة صفة تقوى بقوة الإيمان، وتضعف بضعفه، فالديوث يقول: أنا مسلم، لكنه يرى زوجته قد أظهرت عورتها أمام الناس ولا يستطيع زجرها؛ لأنه لا سلطة له عليها، وإنما كان كذلك؛ لأن الإيمان ضعف في نفسه، وقس على هذا الحال أيها المسلم المظلوم.


ومن هنا لا بد لنا أن نبين أن كل من يقف مع ما تسمى بالعملية السياسية اليوم هو مشترك في الجرائم التي تُرتكب في المقدادية وغيرها، لأنه رضي بأفعالهم وسكت عنها، وهو بين أمرين لا ثالث لهما، إما ساكت لأنه راض بها، أو يخاف من قول الحق والساكت عن الحق شيطان أخرس، يقول ابن القيم رحمه الله: ((وأي دين وأي خير فيمن يرى محارم الله تنتهك وحدوده تضاع ودينه يترك! وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغب عنها! وهو بارد القلب ساكت اللسان، شيطان أخرس، كما أن من تكلم بالباطل شيطان ناطق)).


وليس هذا فحسب بل إن كل من يُدافع عنهم فقد ماتت الغيْرة من نفسه؛ لأن هؤلاء لا يُدافع عنهم إلا ضال مثلهم.


مقال خاص بموقع    الهيئة نت    


 


أضف تعليق