هيئة علماء المسلمين في العراق

موت الوحش-- د. عبدالعزيز المقالح
موت الوحش-- د. عبدالعزيز المقالح موت الوحش-- د. عبدالعزيز المقالح

موت الوحش-- د. عبدالعزيز المقالح

لا شماتة في الموت ولا في المرض حتى لو كان موت شارون ومرضه. نعم، شارون هذا الذي كانت مهنته القتل والشماتة بالآخرين. لقد عاش شارون متفرغاً للقتل والدمار وكان يباهي بقسوته وبجثته الضخمة وبصوته المخنوق الذي يشبه صوت جنزير دبابة: والذي يصعد من حلقه بصعوبة وكأنه آتٍ من أعماق بئر مكتظة بالجماجم والقتلى ممن أرسلهم إلى العالم الآخر قبل الأوان وعمل على اختصار حياتهم ليستمتع بمنظر الدم. وهذه هي طبيعة جلاد تكونت في نفسه كراهية أصيلة للبشر وللعدل والحرية والسلام ولكل ما هو جميل وبديع على وجه الأرض.
 
  على الرغم من مضي ثلاثة وعشرين عاماً على مذبحة صبرا وشاتيلا فما زالت الصورة ماثلة في وجداني، وعندما تستيقظ في الذاكرة تؤرق لي منامي بل حياتي. وما زال عدد من الزملاء يحتفظون بصورة تلك المجزرة التي يظهر فيها الأطفال الفلسطينيون أكواماً وأجسادهم الصغيرة مضرجة بالدماء حتى لا يطالها النسيان.. لم يسأل الجلاد ما ذنبهم؟ ولم يسأله أحد من منظمات حقوق الإنسان ومحكمة العدل الدولية لماذا قام بقتل الأطفال وبهذه الطريقة المرعبة؟ قال أحد مرافقيه لصحيفة لم أعد أتذكر اسمها: إن هؤلاء الأطفال عندما يكبرون سيكونون جنوداً في محاربة الاحتلال “الإسرائيلي” وتهديد أحلام الدولة العبرية الممتدة من الفرات إلى النيل. ولم يكن ما حدث في جنين بعد ما يقرب من عشرين عاماً - على يد هذا السفاح - مختلفاً أو أقل بشاعة وفظاعة عما حدث في صبرا وشاتيلا.
 
  أطفال في عمر الزهور ونساء وشيوخ سحقهم الجلاد وساوى بهم وبمنازلهم الأرض.
 
  لقد توهم شارون أن الرعب هو الذي يصنع نصره المنتظر، ولم يدرك يوماً أن كل الرعب الموجود في العالم مجتمعاً لا يثني عزم مواطن يدافع عن حقه في البقاء، فضلاً عن شعب بكامله يدافع عن حقه في الجود. ويبدو أن وصف “البولدوزر” الذي لحق باسمه كان صحيحاً وذا دلالة مادية ومعنوية فقد كان يشبه تلك الآلة الحديدية المعدة للهدم من دون تفكير ولا قراءة للعواقب ومن هنا فقد استحق ذلك الوصف عن جدارة واستحقاق ولم تكن حياته السياسية وهو عسكري وهو وزير ثم وهو رئيس وزراء إلا تعبيراً عن أفعال الهدم والدمار المؤدية إلى مزيد من الدم والدموع.
 
  ولم يكن غريباً على الإدارة الأمريكية أن ترشح شارون رجلاً ل “السلام” وبعض رجال هذه الإدارة لا يخفون حماستهم لهذا الترشيح باعتبار أن شارون وحش شبع وارتوى من دماء الفلسطينيين ويداه المخضبتان لم تعودوا تقويان على المزيد، لذلك فهو رجل السلام الأمريكي القادم، لكن شارون لم يتغير والبرنامج الذي وضعه لحزبه الجديد “كاديما” ينص في أولوياته على أن القدس عاصمة أبدية “لإسرائيل” ولا عودة للاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وممتلكاتهم فأين مشروع السلام في هذا البرنامج؟ وأين تختفي ملامحه؟ وعلى أي خطوة أو موقف استحق شارون أن يوصف برجل السلام؟ وهل كان في مقدور أحد في الوطن العربي والعالم أن يصدق أن جلاداً سيتحول إلى إنسان سوي عادي مثل سائر البشر؟!
 
  لقد رحل شارون سياسياً، وهذا أفضل مشروع سلام قدمته الأقدار للشعب العربي في فلسطين، ولا أظن أن في الكيان الصهيوني جلاداً يماثله في القسوة والوحشية
 
الدار العراقية
14/1/2006

أضف تعليق