هيئة علماء المسلمين في العراق

الدولة في العراق وفلسطين إلى أين؟ -- محمد جلال عناية
الدولة في العراق وفلسطين إلى أين؟ -- محمد جلال عناية الدولة في العراق وفلسطين إلى أين؟ -- محمد جلال عناية

الدولة في العراق وفلسطين إلى أين؟ -- محمد جلال عناية

في سياق ما نزل به، يبدو العراق كدولة وشعب في حالة غريبة بعيدة عن كل التوقعات. واليوم عندما نقول “العراق” لا نستطيع التركيز على اي عراق نتحدث، وحتى لا نكتفي بما يعتمل في نفوسنا، فلننظر في بعض عناوين الصحف المتعلقة بالعراق ليوم واحد، فهذا عنوان كبير: “شروط شيعية كردية للحكومة الوطنية: الفيدرالية في كل العراق ونبذ الإرهاب”، وعنوان آخر يقول: “ليل بغداد الغامض: مواجهات وانفجارات يمحو أثرها الصباح”. وعنوان أكثر تفصيلاً يقول: “قصف وانفجار سيارتين مفخختين يوقعان 28 قتيلاً وجريحاً في بغداد”. وعنوان آخر ذو مغزى يقول: “قانون “كردي” لمكافحة الارهاب تختلف بنوده عن “العراقي”. وعن الخطف، هناك عنوان يقول: “أسرة رهينة فرنسي تناشد خاطفيه: جاء الى العراق لمساعدة شعبه”.
 
  وفي تقرير صحافي عن الجدل الدائر حول صحة نتائج الانتخابات العراقية وعن الطعون والشكاوى فإن كل فريق يؤكد صحة ادعائه الى ان تظهر نتائج التحقيق الدولي حول الموضوع.
 
  ذات يوم، سئل نوري السعيد عن الأسباب التي دفعته للتوقيع على حلف بغداد، فطرح موضوع تماسك الدولة العراقية المكونة من العديد من الجماعات العرقية والمذهبية، كسبب للدخول في حلف مع تركيا وايران الذي حمل اسم “حلف بغداد”، ثم تغير اسمه الى حلف المعاهدة المركزية بعد انسحاب العراق منه في أعقاب انقلاب عبدالكريم قاسم 1958. طبعاً لم يكن ما طرحه نوري السعيد هو السبب الاساسي في إقامة الحلف، ولكن ما قاله يبدو سبباً وجيهاً في ضوء ما نشاهده في العراق، الذي لا نعلم الى اين سيصل به أهله، والذي نرجحه لهم ان يتطلعوا الى المستقبل وان يكفوا عن اجترار الماضي.
 
  في العراق تطلعنا الى “دولة” تحولت الى أشلاء تحاول ان تعيد وصل ما تقطع من هذه الاشلاء، وفي فلسطين اشلاء وطن يريد أبناؤها ان يصلوا بينها، بالاضافة الى تحقيق معجزات أخرى، حتى تتحول هذه الاشلاء الى دولة. وفي جولة بين العناوين المتعلقة بالفلسطينيين، اطلعنا على الآتي: “قائمة المستقبل بزعامة البرغوثي تنافس كتلة الحرس القديم في فتح”. وتحت الخبر تفصيلات جاء فيها: “ظهرت.. ملامح حرب انتخابية بين الكتلتين عندما أصدرت اللجنة المركزية للحركة (فتح) بياناً قالت فيه انها تسعى الى الحفاظ على استقلالية الحركة، ملمحة الى وجود تأثيرات خارجية في كتلة البرغوثي التي تضم شخصيات اشكالية (كما ورد في الخبر) لكنها قوية مثل محمد دحلان وجبريل الرجوب”. وهناك عنوان متعلق بالامر يقول: “مشعل يعلن جبهة اسلامية مع ايران ويهدد بالرد على “اسرائيل” اذا هاجمتها”. وعنوان يتحدث عن جانب آخر يقول: “بذخ انتخابي في الانتخابات الفلسطينية يطرح تساؤلات عن تمويل خارجي”.
 
  وعن توقيت الانتخابات هناك عنوان يقول: “فتح تضغط وعباس يتأنى في درس تأجيل الانتخابات التشريعية”، وعنوان على الجانب الآخر يقول: “ثمانية فصائل تناشد عباس تنظيم الانتخابات في موعدها”. وعلى صعيد الاشتباكات المسلحة بين الفلسطينيين و”الاسرائيليين” هناك عنوان يقول: “أربعة شهداء وحملة اعتقالات في الضفة وإصابة خمسة جنود بسقوط صاروخ في عسقلان (على الجانب “الاسرائيلي”)”.
 
  وعن المواقف الخارجية لأطراف مهمة على الساحة الدولية، هناك عنوان يقول: “مجلس الشيوخ الامريكي يحدد شروط مشاركة حماس في الانتخابات”، وعنوان آخر يقول: “واشنطن تدعو الى الحوار وباريس الى التعاون في مسألة مشاركة المقدسيين في الانتخابات”. ثم تأتي عناوين اخرى تتحدث عن الانفراج في أزمة فتح، مثل: “اتفاق كتلتي فتح يخرج قريع من التنافس”، ثم يأتي عنوان آخر يمزج بين توحيد فتح والتصدي لحماس، فيقول: “فتح توحد قائمتيها في مواجهة حماس: البديل (تعني حماس) طريق طويل من التيه والظلام”، وفي ثنايا الخبر وردت عبارة تقول: “بدا واضحاً ان فتح ستتبع تكتيكاً انتخابياً يعتمد على تخويف الجمهور من حكم حماس”.
 
  إن هذه عينة لجزئية ليست ذات أهمية في شأن اقامة الدولة الفلسطينية، توضح مدى تأثير المصالح الشخصية من خلال السباق على مواقع السلطة، وكأن السلطة في حد ذاتها هي الهدف وليست الدولة. وهناك تفاصيل كثيرة سلبية يكمن فيها خطر تبديد الجهد الوطني الذي يجب ان يتكتل ليجمع قواه استعداداً لمواجهات سياسية قاسية ومريرة مع الجانب “الاسرائيلي”.
 
  إن المخاطر المحيطة بالقضية الفلسطينية لا تأتي فقط من انقسامات حركة فتح، أو الانقلاب الامني الذي تمارسه مجموعات ذوات دوافع مختلفة ومتنوعة لا تقتصر على العنف السياسي، فهناك التكتلات القبلية، والعصابات الخارجة على القانون، أو عامل مهم آخر هو الاشتباكات المسلحة مع “اسرائيل” التي تقوم بها فصائل فلسطينية تسبح في فضاءاتها الخاصة، هذه الاشتباكات التي سوف تستغلها “اسرائيل” في التهرب من التزامها بخريطة الطريق بحجة ان السلطة الفلسطينية لم تلتزم بتجريد المنظمات الفلسطينية من السلاح.
 
  ولكن الأخطر من كل هذه الامور على أوضاع الفلسطينيين الحالية وعلى مستقبلهم هو غياب الدور القومي او لنقل الاخوي العربي، على الصعيد السياسي. لماذا لا يجري تفعيل مبادرة السلام العربية باستنباط آليات من ثوابتها لشد أزر الفلسطينيين؟ لقد انحصر الجهد العربي في محاولة طرح مفهوم يباعد بين المقاومة والارهاب في مناسبات عابرة، ولكنها لم تستطع ان توظف هذا المفهوم لتخليص السلطة الفلسطينية من إشهار “اسرائيل” لشرط تجريد المنظمات الفلسطينية من السلاح الذي هو شرط انتحاري لأسباب متعلقة بالطرفين الفلسطينيين، السلطة والمنظمات من حيث مواقفهما السياسية وارتباطاتهما الخارجية.
 
  وهكذا قد يسير “الاسرائيليون” بصياغة الحل وتنفيذه على ضوء مصالحهم، والدولة العربية العتيدة لم تتبلور هويتها في كل من العراق وفلسطين.. وفقدت هويتها في الأماكن الأخرى

أضف تعليق