هيئة علماء المسلمين في العراق

إستراتيجية حرب العراق الجديدة قنابل وتفجيرات وضحايا مدنيين أكثر وإمكانية نجاح أقل!!.. مايكل شوارتز
إستراتيجية حرب العراق الجديدة قنابل وتفجيرات وضحايا مدنيين أكثر وإمكانية نجاح أقل!!.. مايكل شوارتز إستراتيجية حرب العراق الجديدة قنابل وتفجيرات وضحايا مدنيين أكثر وإمكانية نجاح أقل!!.. مايكل شوارتز

إستراتيجية حرب العراق الجديدة قنابل وتفجيرات وضحايا مدنيين أكثر وإمكانية نجاح أقل!!.. مايكل شوارتز

مقالة سيمور هيرش الأخيرة في النيويوركرِ لم يمض عليها شهر حتى الآن، ولذلك تَبْدو مثل الأخبارِ القديمةِ، لكن كما هو معتاد في معظم تقاريره فإن مقالة هيرش تحتوي على الأقل بضع شذرات تَنْضجُ مع الوقتِ وتكتسب أهميةَ أكثرَ بينما تتوالى الأحداث في العراق اثنان مِنْ نقاطِه الرئيسةِ - واحدة هي لب المقالةِ، والأخرى تقريباً فكرة متأخرة - جديرة بالمراجعة بينما يَتحمّلُ العراقيون فصلاً آخرَ من الجُهدِ الأمريكي لسَحْق المقاومةِ. أوّل هذه النقاط الرئيسة تلك التي علّق عليها بشكل واضح جداً، وهي أن هيرش قد كشف القصّة - التي يتم تداولها الآن في جميع الصحافة السائدة - وهي أن الولايات المتّحدة سَتُجرّب الآن إستراتيجية عسكرية جديدة في العراق حيث التركيز أكثر على قوّة السلاح الجوّي وعلى التقليل من الدوريات الراجلة، وهذه سَتَتضمّنُ عمليات هجوميةَ أمريكيةَ أقل مثل تلك التي حصلت في مدينة الأنبار التي اشتملت على إخْلاء مُدنِ بأكملها، وزيادة استعمال القوّات المُسَلَّحةِ العراقيةِ في مناطقِ المقاومةِ المتصاعدة وزيادة هائلة في استعمال الهجماتِ الجويةِ. وقد شُرّعتْ هذه السياسة الجديدة واستخدمت بشدّة بعد زمن قليل من كَتابة هيرش المقالة.

الواشنطن بوست تقتبسُ من مصادرَ عسكريةَ أمريكيةَ ذَكرَت أنّ عددَ الضَربَات الجَويِّةِ الأمريكيةِ زادَت مِنْ معدلِ 25 هجمة في الشّهر أثناء الصيفِ إلى 62 في سبتمبر/ أيلول ثم إلى 122 في أكتوبر/ تشرين الأول و120 في نوفمبر/ تشرين الثّاني.

هناك عِدّة جوانب لهذه الإستراتيجيةِ الجديدةِ نحن بحاجة إلى أن نضعها في تفكيرنا:

أولاً:- هذه المحاولةُ هي لتَقليل الإجهادِ على القوات الأمريكيةِ؛ لأن الجيش الأمريكي في العراق في وضع خطير مِنْ الانهيار كما كان حاله في فيتنام. لذا فإن الإستراتيجية الجديدة ترمي إلى تخفيض عددِ الدورياتِ - التي تشكل المهماتِ القاسية والخطرة المعهودة للجنود الأمريكان - وتعوّضُ بغارات جوية أكثر. إنّ الأملَ بأنّ هذا التغيير سَيَجْعلُ القوات الأمريكيةِ تتَحَمُّل جولات أقل مِنْ الواجبِات في العراق، لكن من المحتمل أن هذه الخطة لن تفيد كما أخبر أحد الضابط الأمريكان هيرش بقوله:

"إذا قرر الرئيس الإبقاء على الوضع الحالي في العراق فإن البَعْض من القوَّاتِ سَتُرغَمُ على الخدمة في العراق لجولات رابعة وخامسة - يقصد تبديل القوات كل مدة - في المعركةِ بحلول عامي 2007 و2008 وهذا ما يُمكنُ أن يسبب عواقب خطيرة لمستويات الكفاءة والروح المعنويةَ لدى هذه القوات".

نحن يَجِبُ أَنْ لا نَفْقدَ مسارَ أهميةِ هذا التعليق، فالجيش الأمريكي لا يَستطيعُ تَحَمُّل عبء الحربِ في مستواه الحالي كما علق عضو مجلس النواب جون Murtha في مؤتمره الصحفي الذي دعا فيه إلى الانسحاب الأمريكي، وهو "أن جيشنا يعاني. وأنّ مستقبلَ بلادِنا في خطر. وإننا لا نَستطيعُ الاستمرار في الوضع الحاليِ." إنه فعلا إدراك حقيقي ثمّ إن هذا التغيير في الإستراتيجيةِ هو فعل جراء اليأسِ.

من ناحية ثانية فإن هذا التغيير في الإستراتيجيةِ هو محاولة لإيجاد طريقة أفضل لمُحَارَبَة المقاومةِ حيث إن عمليات البحثِ والتدمير فَشلت فشلاً ذريعاً حتى عندما أوقعت هذه الهجمات دماراً ومجازر هائلة في المُدنِ موضع الهجوم، لَكنَّها تعْني أيضاً استعمالاً أكثر وضوحاً لإرهابِ الدولة الرسمي، كما أن الولايات المتّحدة لا تَستطيعُ احتلال مدينة بقوّة السلاح الجوّي كما أخبرَ الضابط الأمريكي هيرش: "هَل بالإمكان أَنْ تَضع غطاء على التمرّدِ بالقصف؟. لا. أنت يُمْكِنُ أَنْ تُركّزَ على منطقةِ واحدة، لكن الرجالَ سَيَنسحبون إلى البلدةِ الأخرى!.

"منطق قوّة السلاح الجوّي - منذ Guernica في الحرب الأهليةِ الأسبانية - يعتمد دائماً على عنصر التسلط وهو أن "قصف السكان يجبرهم على الاستسلام." والقيادة العسكرية الأمريكية تَتمنّى أن تؤذي السكان؛ لأن الذي يَبْكي عمّه سيضطر إلى أن يُسلّمُ مقاتلي المقاومةِ إلى الاحتلال، ويَبْدأُ بالتَعَاوُن معه لكي يُوقفَوا العقابَ الجماعي!!.

إن استخدام قنابل زنة 500 - و2000 رطل تُحطّمُ كُلّ شيءَ من البنايات والناس ضمن دائرة قطرها 700 قدم تبين أن قوّة السلاح الجوّي لَها تأثير وإرْهاب قويِ، ومن المحتمل أن هذه الاستراتيجية يمكن أن تؤدي غرضها.

حتى التقارير العسكرية الأمريكية عنْ الهجماتِ الجويةِ الأخيرةِ تعطي إحساسا عن وحشيتها كما وثقها مؤخرا المراسل المستقل Dahr Jamailكذلك مراسل الواشنطن بوست إلين Knickmeyer تلك التقارير تروي اتهامات مخيفةَ مِنْ الموظفين الطبيينِ والمدنيين المحليّينِ كنتيجة للهجومِ الأمريكيِ في أوائل نوفمبر/ تشرين الثّاني بضمن ذلك المدنيين الـ 97 الذين قَتلوا في حصيبة و40 في القائم و18 طفلاً في الرمادي مَع آخرين غير معدودينِ في المُدنِ والبلداتِ العديدةِ الأخرى في محافظةِ  الأنبار غربِ العراق.

وسواء كانت الأهداف هي متمردين أو غيرهم فإنه استخفاف بحياةِ المدنيين المحَاصرين داخل البناياتِ التي هدّمَت بقصف من الطائرات، وهذه الهجمات هي جزء من نموذج أوسع وَضّحه ضابط أمريكي لمراسلِ النيويورك تايمزِ Dexter Filkins مبكراً في بداية الحربِ بقوله:

" إن الإستراتيجية الجديدة هي وجوب أَنْ تُعاقبَ الجميع لَيس فقط الفدائيين لتبين للعراقيين العاديين أن هذه هي عقوبة من لم يتعاون معنا!!".

هذا هو الإرهابُ بِالتعريف الحقيقي له - تهاجمُ السكانَ المدنيَين لإجبارهم على سحب دعمهم لعدوك. إن التغيير في الإستراتيجيةِ يُمثّلُ قبول إرهاب الدولة كوسيلة من حيث المبدأَ لإخْضاع المقاومةِ العراقيةِ.

من ناحية ثالثة أشار هيرش إلى أن المسؤولين الأمريكان والمراقبين الآخرينِ قلقون بشأن هذه الإستراتيجيةِ الجويةِ الجديدةِ التي سَتعطي القوات "العراقية" مسؤوليةً استدعاء قاذفات القنابل الأمريكيةِ، ولذا يُمْكِنُ أَنْ يُؤدّي هذا إلى استعمال قوّة السلاح الجوّي الأمريكيةِ للانتقام من المنافسين وللهجماتِ عديمة الرحمةِ والطائشةِ على المدنيين أو لكليهما معاً.

على أية حال هذه المخاوفِ في غير محلها لسببين:

أولهما:- أن كُلّ الوحدات "العراقية" تحت القيادةِ التامة للقوات الأمريكيةِ!! - فهم مدمجون  في التركيبة  الأوسع للاحتلال العسكريِ - ولا يُسْمَح لهم بالتَصَرُّف ذاتياً!!. كذلك أرفقت القوات الأمريكية ضبّاطاً أمريكياً بكُلّ وحدة عسكرية "عراقية"!! - حتى وإن كان فصيلا - وهؤلاء الضبّاطِ عِنْدَهُمْ سيطرة تامة على أي إجراء يتخذ، فإنه لا ضَربَات جَويِّةَ يُمْكِنُ أَنْ تُطْلَبَ بدون مصادقة الأمريكان عليها!!.

ثانيهما:- وهو الأكثر أهمية أن السياسة الأمريكية استخدمت وحشيتها إلى أقصى حدّ حيث إنّ قواعدَ الاشتباك تحتم بأنّ أيةّ مقاومة تنطلق مِنْ أيّ موقع (بيت، دكان، مسجد، مدرسة) يَجِبُ أَنْ تقابلَ بالقوةِ الساحقةِ، وبقوّة السلاح الجوّي إذا لم تكن هناك دباباتِ أَو مدفعيةِ متوفرةَ!!. إذن لم يبقَ شيء أسوأ من هذا يمكن أن يفعلوه بالعراقيين حتى إذا اختاروا أهدافاً مختلفةَ. في الحقيقة قد يَكُونُون أقل شرّاً إذا استطاعوا أَنْ يُسيطروا على الضَربَات الجَويِّةِ، وقد يَتفادونَ قصف المَدارِسَ والمساجدَ.

كما لو أنَّ هذه السياسة الجديدة لا تُضيفَ فوضى كافيةَ إلى المزيجِ الوحشي في العراق، ويشير هيرش إلى ديناميكية سلبيِة أخرى للوجود الأمريكي. والكَلام عن الادعاءات بأنَّ الانسحاب الأمريكي يُسهّلُ أَو يُطلقُ عنان الحرب الأهلية، يقول هيرش:

"في العديد مِن المناطق فإن [الحرب الأهلية] ظاهرة بمعنى أنها بدأت، ويشارك الجيش الأمريكي فيها من خلال سحبه إلى العنفِ الطائفيِ. فقد قالَ ضابط أمريكي - شارك في الهجومِ على تلعفر شمال العراق في وقت سابق من هذا الخريف - (وُضِعَ لواء مشاة أمريكي في موقع لتأمين الحماية لإحدى المدن التي تحاصرها القوات العراقية ومعظم سكان هذه المدينة من الشيعة، وكان جنوده الأمريكان يَعتقلون أيّ سُنّي على أساس أن الشيعة طلبوا منهم ذلك!!). ويضيف الضابط (أن القوات الأمريكية كانت تقتل السُنّةَ نيابة عن الشيعة وبالاشتراك النشيط مع وحدة مليشيات عراقية تحت قيادة ضابط متقاعد من القوات الخاصة الأمريكيِة)!!.

ويواصل هيرش قوله "إنني وأناساً مثلي أصبحنا مكتئبين جداً على هذا العمل".
هيرش يَتفهم الذنب الأمريكي، وهو أن الأمريكان الذين جنّدوا المُتَدَرّبين، وبعد ذلك ركّزوا على الشيعة ووضعوهم في هذه المناطقِ السنيّة، وبينما يُشيرُ إلى هذا الاقتباس فإن الوحدات العراقية هي جزء من الهجوم الأمريكي، وإن معظم القتل الذي ارتكبه الأمريكان هو "نيابةً عَن الشيعة".

هذه ليست سياسةً عراقية، بل هي سياسة أمريكية، هذه سياسة مقصودة وهي استعمال الشيعة والأكراد ضدّ السُنّةِ.

علاوة على ذلك فإن الولايات المتّحدة تُديرُ أجزاء من وزارة الداخليةِ التي تَأْمرُ لواءَ الذئب والقوات الخاصّة الأخرى حتى ترتكبَ الهجمات الإرهابية ضدّ رجالِ الدين السنّةِ الذين يَدْعمونَ المقاومةَ فضلاً عن الزعماءِ السنّةِ الآخرينِ.

إن استعمال الشيعة والقواتِ الكرديةِ في المناطقِ السنيّةِ أَصْبَح مسمار عجلة السياسةِ العسكريةِ الأمريكيةِ، وهي الاستفزاز الرئيس الذي أعادَ توجيه الغضب السني نحو الشيعة والأكراد، ذلك العنف الطائفي هو الأداء الرئيس المحرك لحرب أهلية.

فماذا نَستنتجُ؟!.

كإستراتيجية عسكرية أمريكية في العراق بَدأتْ تتكشّف، وهي أن جيشَنا تَبنّى بتقدم تدريجي طرقاً أكثرَ شرّاً في مُحَاوَلَة لإبْقاء سيطرتِه على البلادِ. في التكرارِ الحاليِ هذا يَتضمّنُ هجمات القصف المتصاعدة على المناطق الحضرية المأهولة بالسكان بشكل كثيف في محاولة لقَصْف السُنّةِ وجرّهم إلى الاستسلام، وتطوير الألويةِ العسكرية - المعادية للسنّة - من الشيعة والقواتِ الكرديةِ لإيقاع العقاب على المُدنِ المقَاوَمَة.

إن الدور الأمريكي في العراق يَستمرُّ إلى أَنْ يُصبحَ أقبح؟!!.

الكاتب: مايكل شوارتز أستاذ عِلْمِ الاجتماع في جامعةِ Stony Brook
المصدر: www.lewrockwell.com
تاريخ النشر 3 كانون الثاني 2005
ترجمة: كهلان القيسي

   الهيئة نت    
8/1/2006

أضف تعليق