هيئة علماء المسلمين في العراق

مكافأة المعتدي! د. أحمد نوفل
مكافأة المعتدي! د. أحمد نوفل مكافأة المعتدي! د. أحمد نوفل

مكافأة المعتدي! د. أحمد نوفل

الوجه الآخر لقضية عدم التنازل عن حق المقاومة، هو: ضرورة عدم مكافأة المعتدي، فهما وجهان لقضية واحدة، وحيثيتان لمسألة تلازمية واحدة. فكما أن أوهن الوهن التفريط في حقنا في رد عدوان المعتدي، ومقاومة المحتل المغتصب، فان من أوهى الوهي مكافأة العدو على عدوانه، واجازته على تجاوزه علينا.
ان عدم الانطلاق من فكر راسخ، ومبادئ ثابتة، وثوابت مستقرة، من شأنه ان يجعلنا قابلين للتلاعب بنا، وأسوأ من المرض القابلية للمرض، وأخطر من الاستعمار القابلية للاستعمار أو (الاستحمار). وقابليتنا للايحاء الينا أغرت بنا أعداءنا ان يوحوا إلينا بفكرهم، ويوحوا الى بعض بني جلدتنا أن يروجوا فينا فكر الهزيمة والوهن.
وكما تضرب الجراثيم والفيروسات الاجسام فتطيح بها وتعطل قوتها ووظائفها، تطيح الافكار السلبية والهدامة بالأمم وبالمعنويات وتنحط بالارادات وتبلبل الصفوف والمواقف، وتثير النزاعات وتحرض الإحن والعداوات والعصبيات.
والافكار منها ايجابي نهضوي، ومنها ميت، ومنها قاتل مميت. وان من أخطر دهينا به، ورمينا به، مثل هذه النوعية من الافكار المسممة أو على أقل تقدير المخدرة.. التي تشيع في النفوس الاستيئاس، وتنشر الخراب، وتروج للهزيمة. حتى لقد غدت الفكرة الايجابية والبناءة والمحفزة غريبة الوجه واللسان، تمشي بين الأفكار على استيحاء، وتتوارى من القوم، وتتخفى عن الانظار، لغربتها وهجنتها وعجمتها.. وهي في الحق صاحبة الدار والقرار، لو كانت استقامت المقاييس وصحت المفاهيم واستوت القيم.
نعود الى صميم موضوعنا. انسحب العدو من غزة، ولاحظوا القابلية للاختلاف، فاختلفنا: هل للمقاومة دور في الانسحاب أم كان الانسحاب استجابة لخارطة الطريق (المتاهة التي لا ترشد الى طريق)؟
ثم بدأ التهديد: ان استمرت المقاومة سنعيد الاحتلال، ونعاود زرع الموت والخراب في صفوفكم. وانقسمت الوجهات وتشعبت النظرات. ثم اتفق على التهدئة، اذ اضطر صاحب حق المقاومة ان يجاري أصحاب منهج المفاوضة والمساومة، لان صوتهم أعلى، والدعم الدولي والاعلامي معهم ولهم. فبدأت دولة الظلم في مسلسل الاغتيالات، وطفق الناصحون العرب ينصحون بعدم الرد وسحب الذرائع من (العدو).
(هم لا يسمونه عدواً ولا يعدونه كذلك حتى فيما بينهم وبين أنفسهم أي لا في الوعي ولا في اللا وعي!).
المهم.. وتمادى العدو، وزاد من اجرامه، ليجرك الى أحد الخيارين: اما أن تستسلم لارادة العدوان، بفعل فكر الهزيمة والذرائعيين.. وهذا مقدمات الموت، واما ان تتحشد كما تتحشد خلايا الجسم لمقاومة الجراثيم الطارئة على الجسم والعناصر الغريبة.. وهذا هو الحق الطبيعي في الفيزياء والاحياء والاجتماع البشري! فان فعلت قامت القيامة! وأول من يعترض عليك أصحاب فكر الهزيمة من قومك أو دعاة سحب الذرائع واحراج العدو (الذي لا يحرج أصلاً الا بالمقاومة!) وساعتئذ يتهددك خطر الانقسام او الاحتراب الداخلي، فاذا زاد الضغط من العدو عليك، كاقتراح ان يقتطع ثلث القطاع (بالضبط) ليكون مناطق عازلة تمنع مطلقي الصواريخ. وعندها سيهب دعاة الانهزام قائلين: انتم بمقاومتكم العبثية وراء عودة المحتل (الذي خرج من الباب ليعود من الشباك!).
لو تركتم مشروع الدولة الفلسطينية يرى النهوض! أنتم من أجهض الحلم، وعطل التقدم، وجر الدمار، وثوّر علينا الثور الهائج، فدمر ما دمر.. ولا أحد يلوم العدو، ولا أحد ينتبه للشراك التي ينصبها.
وفي النهاية، لا بد من الاتفاق على ثوابت ومنها: الاصرار على حق المقاومة وعدم التنازل عنه بحال. ومن هذه الثوابت: عدم لوم الذات كلما تمادى العدو الذي من منهجه الاصيل التدمير والتقتيل، وزيادة الضغوط لايقاع الفرقة في الصفوف. ومن أهم الثوابت: عدم مكافأة المعتدي على عدوانه.
ان عدم الاتفاق على ثوابت يجعلنا نتراجع كل يوم خطوات الى الوراء، ومثلما تنازلنا عن «الميثاق الوطني»، سنتنازل عن الدولة وعن عودة اللاجئين، وعن السيادة، وعن.. القدس.
لقد اكتشف العدو قابليتنا اللا متناهية للتنازل، فالتقى هذا مع قابليته اللا متناهية لرفع سقف مطالبه، وبالتالي خفض سقف مطالبنا. فلنتفق اذاً على هذا المبدأ المهم: الا نكافئ العدو. وهذا قانون الله، وقانون الأمم، وقانون العقول السوية فمن الخارج عن الناموس؟!.

المصدر : السبيل
5/1/2006

أضف تعليق