هيئة علماء المسلمين في العراق

لا شرعية لأكثرية في ظل الإحتلال...د. عصام نعمان
لا شرعية لأكثرية في ظل الإحتلال...د. عصام نعمان لا شرعية لأكثرية في ظل الإحتلال...د. عصام نعمان

لا شرعية لأكثرية في ظل الإحتلال...د. عصام نعمان

قال الرئيس جورج بوش بعدما تجاوز عدد القتلى من جنوده عتبة الألفي قتيل، \"ان الحرب في العراق تحتاج إلى مزيد من التضحيات\". غير انه رحب بنتيجة الإستفتاء على الدستور معتبراً \"انها دليل على نجاح الولايات المتحدة والشعب العراقي في مسيرته الديمقراطية\". لو كان الرئيس الأمريكي صادقاً مع نفسه لكان قال ان وضع الإحتلال في العراق يحتاج إلى مزيد من التضحيات لبقائه، وان نتيجة الاستفتاء على الدستور دليل على فشل الولايات المتحدة ووكلائها المحليين في تسويق مسيرة الديمقراطية الأمريكية في بلاد الرافدين.
بوش لن يقول هذا الكلام لأنه يغش شعبه والعالم في شأن دستور العراق ومسيرة الديمقراطية فيه كما غش بلاده والعالم قبل نحو ثلاث سنوات بأكذوبة أسلحة الدمار الشامل لتبرير شن الحرب على بلاد الرافدين.
اذ يبتهج الرئيس الأمريكي وحلفاؤه بنتيجة الإستفتاء، يكتشف العالم، دونما عناء، ان وضع العراق في ظل الإحتلال لن يكون بعد الاستفتاء بأفضل مما كان عليه قبل إجرائه، بل لعله سيكون اسوأ. ذلك ان المعيار الأساس لأمريكا في كل ما جرى ويجري هو: هل يسهم الاستفتاء في وقف المقاومة وتمكين سلطات الاحتلال من إقامة حكومة عراقية قادرة على فرض الأمن والإستقرار وبالتالي "السماح" لقوات أمريكا وحليفاتها بالإنسحاب ام لا؟

الجواب الصحيح يعرفه بوش وحلفاؤه بل يعرفه العالم أجمع وهو ان الإستفتاء زاد الاستقطاب الطائفي، وضاعف سخط معارضي حكومة الجعفري، وأعطى المقاومة حججا إضافية لتصعيد عملياتها ضد قوات الإحتلال.

في هذا السياق يمكن تقديم خمس ملاحظات:

·  صرفت المفوضية العليا للإنتخابات عشرة أيام لـِ "تدقيق" نتائج الإستفتاء في بعض المحافظات المزعوم تأييدها حكومة الجعفري والإئتلاف الحاكم. وهي ما كانت لتحتاج إلى كل هذا الوقت لولا ان مخالفات من العيار الثقيل قد وقعت ولا يمكن تغطيتها بإعلان الأرقام "الخام" بل بتنقيحها وترتيبها وجعلها قابلة للتصديق من العراقيين والمراقبين والإعلاميين. وكانت المفوضية أعلنت ان "شوائب" لحقت بعملية التصويت، لكنها زعمت ان لا عمليات تزوير وقعت. ترى، هل هي مجرد شوائب ان تصل نسبة التصويت بـِ "نعم" على الدستور في بعض المحافظات إلى نحو 98 في المئة من الناخبين المسجلين؟
·  اعترفت المفوضية العليا للإنتخابات بان نسبة مؤيدي الدستور بلغت نحو 79 في المئة من مجموع الناخبين المسجلين، وان نسبة المعارضين تكون والحالة هذه 21 في المئة. هل يعقل أن يكون جميع الناخبين المسجلين قد شاركوا فعلا في التصويت بنعم أو بلا؟! في أي بلد في العالم حدث أن صوّت في أي انتخابات عامة أو إستفتاء مئة في المئة من عدد الناخبين المسجلين؟
·  يبدو ان التلاعب الأكبر حدث في تحديد مجموع عدد الناخبين العراقيين على مجمل الأراضي العراقية إذ جرى تخفيضه بالمقارنة مع مجموع عدد الناخبين المسجلين لتظهر النسبة المئوية لعدد المشاركين من الفئة الثانية عالية جدا. مع ذلك يمكن إعتبار الممتنعين عن التصويت بمثابة معارضين للدستور وللإحتلال.
·  حتى لو افترضنا جدلا ان عمليات الاقتراع كانت قانونية، فإن نسبة رافضي الدستور في أربع محافظات على الأقل (صلاح الدين، الأنبار، ديالي، ونينوى) كانت مرتفعة جدا الأمر الذي يدل بما لا يقبل الشك على ان الاكثرية الساحقة من الشعب في هذه المحافظات التي تشكل مساحتها أكثر من 60 في المئة من مساحة العراق الإجمالية، رفضت الدستور بـ "لا" جازمة.
·  حرصت سلطات الاحتلال مذّ أقامت مجلس الحكم المؤقت والّفت الحكومتين المتعاقبتين ان وزعت المقاعد الرئاسية والوزارية وفق معادلة طائفية. معنى ذلك انها تخلّت عن مفهوم الديمقراطية العددية واعتمدت مفهوم الديمقراطية التوافقية حيث القرار - لا سيما القرار ذا الطابع المصيري كالتصويت على قبول الدستور أو رفضه- لا يراعي قاعدة الاكثرية العددية بل قاعدة التوافق بين مكوّنات الجسم السياسي للبلاد. صحيح ان العراقيين تحفظوا على إعتماد نظام الديمقراطية التوافقية، لكن ما دامت سلطات الاحتلال قد اعتمدته في إستفتائها على الدستور، فقد كان من المنطقي اعتمادها في تقرير مصيره. لو حدث ذلك لكانت المفوضية العليا للإنتخابات اعلنت رفض الدستور كون الاكثرية الساحقة لدى احد مكوّنات الشعب العراقي قد رفضته.
مهما يكن من أمر، فإن ابرز الحجج المساقة ضد الاستفتاء على الدستور هي انه جرى في ظل الإحتلال، ذلك ان لا شرعية للإحتلال بكل المعايير القانونية والسياسية الدولية. فما بني على باطل يبقى باطلاً ولا يكتسب أية شرعية بمرور الزمن. بالعكس، لعل لا شرعيته تتأكد باستمرار المقاومة للإحتلال وتصاعدها وعجز السلطات والمؤسسات التي أقيمت في ظل الاحتلال عن الاضطلاع بمسؤولياتها وفي مقدمها إشاعة الأمن والنظام والاستقرار.
كان ثمة إستقطاب حاد في العراق قبل إجراء الإستفتاء. يبدو انه سيزداد بعد إجرائه ليس لأن مخالفات وشوائب عديدة رافقته واكتنفته فحسب بل أيضا لأن مؤيدي الدستور سيشعرون بنشوة "النصر" وسيضاعفون من تسلطهم بدعوى ان الشعب فوضهم نتيجة الموافقة على مشروع الدستور. هذا سيؤدي بالضرورة الى مضاعفة سخط رافضي الدستور، فضلاً عن غضب المقاومة التي أعطاها الإستفتاء حجة إضافية لتصعيد عملياتها ضد قوات الاحتلال ووكلائها المحليين.
بذلك يكون الإستفتاء قد أعطى نتيجة معاكسة للغاية التي توختها سلطات الإحتلال من وراء اجرائه. فبدلا من أن يسهم الإستفتاء في اجتذاب مزيد من الناس إلى ما أسمته "العملية السياسية"، جاءت الملابسات والمخالفات و"الشوائب" التي رافقته واكتنفته وأعقبته لتصب زيت الخيبة والرفض والغضب على نار المقاومة المتأججة، ولتدفع مزيدا من العراقيين المنتسبين الى شتى الفئات والمذاهب والشرائح والإنتماءات إلى معسكر المقاومة بشتى تلاوينها وصنوفها.

صباح الخير ايتها الأوهام.

أضف تعليق