هيئة علماء المسلمين في العراق

فركش والقُطرية... سلاح المخيمات وأبو جعفر المنصور!... عبد اللطيف مهنا
فركش والقُطرية... سلاح المخيمات وأبو جعفر المنصور!... عبد اللطيف مهنا فركش والقُطرية... سلاح المخيمات وأبو جعفر المنصور!... عبد اللطيف مهنا

فركش والقُطرية... سلاح المخيمات وأبو جعفر المنصور!... عبد اللطيف مهنا

كلمة فركش باللغة المجرية تعني الذئب، وهي ذاتها التي غدت لقباً اشتهر به الجنرال أهرون زئيفي رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية في جيش الاحتلال الإسرائيلي، ومرد ذلك هو أنه ينحدر من أصول يهودية مجرية، وأنها الكنية الأصلية لعائلته قبل قدومها وقدومه إلى فلسطين المحتلة حيث ترجمت إلى العبرية، كعادة صهيونية، فغدت زئيفي، لكنه اشتهر بالأولى... هذا الذئب الإسرائيلي عرف لأول مرة إبان محاصرة الجيش الإسرائيلي للعاصمة اللبنانية بيروت عام 1982، حيث كان ناطقاً باسم الجيش المحتل، لم يلبث أن ترقى سريعاًً في سلم العسكريتاريا الإسرائيلية، أو الأصح في المؤسسة الأمنية، ليغدو في منصبه الراهن... منذ ذلك الحين سار فركش أو زئيفي على ذات الدرب التي يتم فيها إعداد قادة إسرائيل المستقبليين، أي عبر المؤسسة الأمنية بشقيها العسكري والاستخباراتي. ويبدو أنه كان تلميذاً نجيباً بحيث استحق، عبر إثبات جدارته إبان تلك المسيرة الإعدادية، لأن تدفعه ذات المدرسة، التي تصنع قادة المستقبل، خطوة أخرى جديدة باتجاه مستقبله السياسي المنشود. ذلك اتضح عندما أجرت معه صحيفة إسرائيلية حواراً مطولاً وشاملاً قبل حوالي الأسبوع، أطل عبره على هذا المستقبل، وتعلقت تفاصيله بالصراع العربي الصهيوني من المنظور الإسرائيلي، ولم يهمل المستجدات، وصولاً إلى التحولات الاستراتيجية جراء المعادلة القائمة في المنطقة راهناً في ظل الوجود الاحتلالي الأمريكي المباشر... بل ذهب الجنرال الراكب لموجة الحرب على ما يسمى الإرهاب، إلى حد إطلاق الفتاوي الإسرائيلية التحذيرية، الموجهة أصلاً إلى الحلفاء الغربيين، من ما زعمه "بداية إقامة الخلافة السنية الإسلامية الجديدة" في العراق! بل زاد فأكد أن "القاعدة" قد غدت تياراً، وإن هذا التيار في رأيه قد أصبح ثورة عالمية... ويمضي في دق ناقوس الخطر الناجم عن احتمالات تصاعد هذه الثورة، وصولاً إلى وضع النار على القرص الإسرائيلي، متوقعاً بأن هذا التنظيم "سينشغل أكثر بإسرائيل" في غضون الأشهر الستة القادمة... ولا ينسى طبعاً في هذا السياق كسواه من المسؤولين الإسرائيليين، مواصلة الحملة الإسرائيلية على حزب الله والفلسطينيين المقاومين وسوريا الممانعة، ملاحظاً بارتياح العجز العربي المتفاقم تحت الرعاية الأمريكية، والمتحول إلى مزيد من الهرولة باتجاه التطبيع، والإمعان تحت ضغوط هذه الرعاية في استمراء مهانة هذا العجز، والتلهي باجترار ما يترتب عليه من ذرائع استسلامية، ناسباً ذلك إلى أفضال الحليف الأمريكي، لأنه، كما قال، "في اللحظة التي فاز بها جورج بوش مرة أخرى في الانتخابات، استوعبوا في العالم العربي أن هناك جاراًجديداً، وأنه لا يسارع في الخروج من هنا" ... ويمضي القائد الإسرائيلي المستقبلي في هذا المجال مشيراً إلى أن الوجود الأمريكي المباشر في المنطقة أحدث تغييراً استراتيجياً هائلاً فيها جالباً معه المزيد من الإيجابيات التي تصب في المصلحة الإسرائيلية، ومنها:
"فك عرى التحالف بين الحكومة اللبنانية وحزب الله وسوريا  مع خروج السوريين من لبنان، والإرهاب الجهادي مطارد، وهو مرغم على كبح جماحه، ومواصلة الولايات المتحدة وأوروبا الضغط على إيران"...لا جديد إضافة فركش القادم إلى عالم السياسة الإسرائيلية لما يردده الإسرائيليون صباح مساء، لكنه، أصاب كبد الحقيقة... ونعني هنا الحقيقة العربية المرة، ووضع اصبعه على الجرح العربي بحق، عندما أشار إلى وضع إسرائيل الاستراتيجي الذي وصفه بالمريح في محيطها العربي، وذلك نظراً لما دعاه "صيرورة واضحة لتعزيز الدولة القطرية في الدول العربية"...
لسنا هنا بصدد معالجة عاهة القطرية في زمن تتكتل فيه القارات وتتمدد اتحاداتها إلى خارجها فهذا حديث يطول، ولا حاجة بنا لتعداد مزايا نقيضها الذي هو حلم الوحدة فهذا من تحصيل الحاصل، لكن يكفينا الإشارة، ونحن بصدد ما أشار إليه الجنرال فركش حولها، إلى أن من أكبر أفضال هذه القطرية على هذا الوضع الاستراتيجي المريح إسرائيلياً، هو ما بدأ بإعلان هذه القطريات العربية، في مؤتمر قمة الرباط الشهيرة، منظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني، ليغدو لهذا الإعلان الذي ظاهره الرحمة فيما بعد وجهاً آخر، هو الأقرب إلى النية المبيتة لأن يترجم مع الأيام نفضاً متزايداً لليد من القضية المركزية للأمة العربية في فلسطين، وإن يصل لاحقاً إلى عقد اتفاقيات صلح منفردة مع العدو التاريخي باسم المصالح الوطنية الضيقة للدولة القطرية، كتبريرها، مثلاً، بأنها مكنت من استعادة بعض من ترابها الوطني المحتل، حتى ولو كان ذلك مقابل التخلي عن مبدأ استعادة كامل التراب العربي المحتل. تعزز ذلك المنطق القطري فيما بعد بمقولة لسنا ملكيين أكثر من الملك، أو فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين، المستفيد بدوره من رفع شعارات قطرية فلسطينية مقابلة مثل: يا وحدنا، والقرار الوطني المستقل، الذي بعد أن أعفى أولئك المستقيلين العرب من حمل هموم قضية قضايا  الأمة في فلسطين، أوصل هذه الساحة إلى كارثة أوسلو، وألقى الفلسطينيين منذ ذلك الحين مستفردين في متاهتها، وصولاً إلى فك الارتباط الشاروني أو إعادة الانتشار من داخل إلى حول سجن قطاع غزة الكبير، والمستتبع لاحقاً بمصادرة حتى الطرق التي تربط بين المدن والقرى أو التجمعات الفلسطينية فيما تبقى من الضفة، التي هي راهناً برسم تهويد ما تبقى منها... إلى جانب الحديث القديم الجديد، الذي عاد همساً هذه الأيام، عن مخطط لإلحاق هذه التجمعات الممنوعة من التواصل عبر نوع من الكونفدرالية بالأردن... بالتزامن طبعاً مع حديث، أيضاً قديم جديد، عن دولة معتقل غزة الفلسطينية، التي لا دولة فلسطينية سواها!
... واستطراداً، ونحن نتتبع تعزيز قطرية فركش، يمكننا التعريج على مثالين لمسألتين طازجتين، هما رهن التداول حالياً، ويفرضان نفسيهما على الأخبار آنياً، الأولى: حكاية سلاح المخيمات الفلسطينية في لبنان، والثانية الدستور العراقي في ظل الاحتلال... الأولى، تأتي بعد الإفادة طويلاً من شعار رفض التوطين، الذي ترجم تضييقاً عنصرياً لا يطاق على أبسط مظاهر الحياة اليومية لللاجئ الفلسطيني، الذي يمس كرامته وقوته وكوخه الذي يأوي إليه، بل أبسط سائر الحقوق الإنسانية في مخيمات غدت أشبه بأماكن الحجر الصحي التي لا تتمتع بأدنى مواصفات الصحة، وصولاً إلى شطب قيود عشرات الآلاف من الفلسطينيين الذين تم تهجيرهم أو دفعهم إلى الهجرة للمرة الثانية جراء هذه السياسة في أصقاع الأرض البعيدة... الأمر الذي يذكرنا بتصريح شهير لوزير لبناني سابق معروف، وصف فيه هؤلاء اللاجئين، المفترض أنهم ضيوف في بلد عربي، بالنفايات البشرية!
لعل مسألة طرح نزع سلاح المخيمات الفلسطينية في البازار الطوائفي اللبناني ليست بالمسألة الجديدة، وكانت دائماً تعد مطلباً ينتظر المناسبة المواتية لطرحه من قبل فريق لبناني انعزالي، ليس أقل عدائية لعروبة لبنان وللفلسطينيين والعرب من سيئي الصيت "حراس الأرز"، كما ليس من شأنه الممانعة في إعادة إسرائيل إلى البيت اللبناني عبر النفوذ الأمريكي، وإن ظل الأذكى والأكثر تكتماً ومداورة، لكن طرح هذه المسألة اليوم قد غدت مسألة رسمية لبنانية، أي لم تعد  تقتصر على مجرد الإثارة من قبل مثل هؤلاء، وإنما أصبحت تطرح في سياق الإثارة الرسمية المدروسة والمستقوية بمرحلة ما يعرف ب"الوصاية الدولية"، أي محاولة اقتناص الفرص المواتية والظرف الأنسب للوثوب على الحلقة الفلسطينية الأضعف، توطئةً للوثوب من ثم على تاليتها اللبنانية الأقوى، بعد الفشل في إقالة الرئيس أميل لحود، والخشية، ولو مرحلياً،ً من الاقتراب المباشر من حريق محاولة نزع سلاح حزب الله... أي تظل في سياق الاستهداف الأشمل، الذي لن يكتفي في نهاية المطاف بنزع سلاح المخيمات أو حزب الله أو إزاحة الرئيس لحود، أو افتعال التناقض بين مفهوم الدولة ومقاومة أعدائها الخارجيين، وإنما الالتفاف على عروبة لبنان وموقعه من قضايا أمته، وسائر ما يجري اليوم في هذا البلد من مظاهر هدر للسيادة الوطنية المتباكى عليها سابقاً، وتبديدها في موسم الاستقواء بالوصاية الدولية، وتوظيفات جريمة مصرع رئيس الوزراء رفيق الحريري، وتحويلها إلى قميص عثمان المسعى لإتمام نقل لبنان بأسرع ما يمكن إلى الموقع الآخر، أي تحويله إلى نقطة انطلاق عدائية أو منصة إطلاق ضد العرب... حتى ليخال اليوم للمراقب، في ظل هذه التعبئة ضد الخطر الفلسطيني المتسلل عبر الحدود، ومحاولة تحويله إلى ما يشبه القضية الوطنية، لاسيما وأن ذلك استبق إعلان تقرير ميليتس العتيد وسوف يفيد منه قطعاً بعد إعلانه، أن العدو الراهن للبنان اليوم ليس ذاك الكامن على حدوده الجنوبية مع فلسطين المحتلة، وإنما هو شرقاً على حدوده مع سوريا، أو في الداخل حيث مخيمات العذاب الفلسطيني!
وما دمنا قد تعرضنا لتقرير ميليس حديث الساعة، فلعل في العموميات المفتقرة إلى الأدلة، وسرديات القيل والقال التي أُثقل بها، ما يعيدنا إلى أيام لجان البحث عن أسلحة الدمار الشامل في العراق، بل صدق البعض في وصفه له بالبيان السياسي، وأقل ما يقال فيه، وقد اتهم دونما قرائن وإنما استناداً إلى أقوال شهود مجهولين، أو من طينة حراس الأرز جهات لبنانية وسورية وفلسطينية، أنه يجيء كأمضى سلاح مرغوب يوضع في يد الولايات المتحدة وحلفائها ضد هذه الأطراف الثلاثة، لاسيما سوريا المطلوب ثنيها عن مواقفها المعروفة من حق المقاومتين اللبنانية والفلسطينية واحتلال العراق وما يتعلق بمحاولات تصفية القضية الفلسطينية... كما أنه هدية مناسبة للإدارة الأمريكية الباحثة عبثاً عن إنجازات تغطي على عورة تعثر مشروعها العراقي.أما مسألة الدستور العراقي، فنكتفي، وقد عالجناها في مقال سابق، بالإشارة إلى أنه لم يحاول حتى تكريس قطرية العراق وقد كثر دعاتها في ظل الاحتلال، بل تجنب النص على انتمائه العربي، وبالتالي تنكر لعروبته كوطن، واكتفى بالنص على أن من بين أقوامه من ينتمون إلى الأمة العربية، مساوياً بذلك بين الأغلبية العظمى فيه مع الأقليات مهما صغر حجمها، وإنما سعى إلى شرذمته وتفتيته تحت شعار الكونفدراليات ومغريات تقسيم الثروة، وتشريع المحاصصات الطائفية في عملية تقاسم كعكة السلطة المسمومة، وكل ما يؤدي بل أدى إلى إيقاظ الفتن الطائفية وبالتالي كان وصفةً للقضاء على ركائز وحدته...
وفي هذا السياق يمكن القول أن أسوء درك بلغته الحال في هذا البلد المنكوب باحتلال سعى إلى تدمير الدولة العراقية منذ أول يوم كان فيه، هو ما أشرت عليه جريمة نسف تمثال الخليفة أبو جعفر المنصور باني بغداد ورمز عظمتها في الحقبة التاريخية العربية العباسية التليدة، وجرى ذلك في منطقة تخضع كلياً لعيون ودبابات الاحتلال... وكأنما القُطرية عندما تجنح نجو التطيف تصبح إلى جانب عقمها حرباً على التاريخ والجغرافيا والانتماء والهوية... ولا تستثني حتى تمثال أبو جعفر المنصور!
في أول إطلالة له في عالم السياسة باح الجنرال أهارون زئيفي أو فركش للإسرائيليين بكلمة السر التي لا يجهلونها ولا يجهلها أي مواطن في هذا الوطن العربي من محيطه إلى خليجه... تلك التي تعادل وضعاً استراتيجياً إسرائيلياً مريحاً، "تعزيز الدولة القطرية العربية"... لكنه أيضاً من حيث لا يقصد نبّه العرب، أو من يريد منهم أن يتنبه، إلى أنه لا خيار أمامهم في مواجهة جل التحديات المصيرية، التي تضيق باضطراد هوامش حركتهم في مواجهتها، إلا ذاك الخيار الوحيد الذي لا سواه المتمثل في وحدتهم... كيف؟
تلك مسألة يظل باب الاجتهادات فيها مفتوحاً، وهي قضية أخرى!
الحقاءق
24/10/2005

أضف تعليق