هيئة علماء المسلمين في العراق

نتيجة الاستفتاء في العراق قرار سياسي... معن بشور
نتيجة الاستفتاء في العراق قرار سياسي... معن بشور نتيجة الاستفتاء في العراق قرار سياسي... معن بشور

نتيجة الاستفتاء في العراق قرار سياسي... معن بشور

شفاء ابو عمار رهن بقرار سياسي\" بهذه الكلمات اجابني، في مثل هذه الايام قبل عام، الصديق ناصر القدوة ابن شقيقة الرئيس الشهيد ابي عمار، ووزير خارجية السلطة الفلسطينية حالياً، على سؤالي له وقد حضرت من بيروت الى باريس للاطمئنان الى صحة قائد ورمز واخ كبير جمعتنا به على مدى اربعين عاماً اجمل الروابط واصعب الايام. وامام الحاحي والحاح النائب البريطاني جورج غالاواي (الذي اصّر على ان نلتقي سوياً في باريس للغاية نفسها)، على تفسير لهذه الكلمات، اجاب القدوة بقلق: ان التفسير المرجح لحال الرئيس المتدهورة والناجمة عن تكسر في الصفائح الدموية يتجه الى وجود تسمم، وهناك اتصالات دولية وعربية تجري الان لمعرفة نوع السم من مصدره لتجري معالجته بمضاد خاص به، تماما كما كان الامر مع الاخ خالد مشعل احد قادة حماس (الذي تعرض لطعنة مسمومة في عملية قبل اعوام وكادت تودي بحياته لولا انكشاف الفضيحة التي وقعت بها تل ابيب انذاك، واضطرارها مقابل السكوت عليها الى تحديد نوع السم المستخدم والدواء المضاد له، والى اطلاق سراح شيخ شهداء فلسطين الشيخ احمد ياسين).
وبقيت جملة ناصر القدوة "الشفاء بقرار سياسي" حاضرة بذهني منذ ذلك الوقت، لا لانها اكدت هواجسي وهواجس ابناء فلسطين والامة بان عرفات مات مسموما فقط، بل ايضا لانها اصدق وصف للتداخل بين ما هو سياسي وما هو صحي واقتصادي وتقني واعلامي في عالم اليوم، فالعولمة على ما يبدو ليست فقط كسراً للحواجز بين الدول والامم فحسب، بل هي ايضاً خلط لكل الاوراق، واختراق لكل المجالات، وتداخل في كل جوانب الحياة .
وتذكرت هذه الجملة بشكل خاص حين سألني احد الاصدقاء عن "نتيجة الاستفتاء على مسودة الدستور" فقلت له بعفوية، مستعيراً تعبير ناصر القدوة: "نتيجة الاستفتاء سيحددها قرار سياسي".
فزلماي خليل زادة، السفير والوصي والمدبر والخبير في تأجيج الصراعات الاهلية وادارتها، هو الاقدر على الاجابة على سؤال الصديق العزيز، لانه يهدف اساساً أن يقرر عبر هذه النتيجة مصير امور عديدة في العراق قبل ان يكشف للعالم الرأي الحقيقي للشعب العراقي في دستور يراد له ان يسجن مصيره فيه على مدى عقود وعقود.
بل ان زادة نفسه، يعرف قبل الاستفتاء وبعده، الخارطة الحقيقية لتوزع اراء العراقيين، والمزاج الفعلي الذي بات يتحكم بمشاعر العراقيين الذين لم يعد يكفي التذكير بالماضي كي يقفزوا فوق معاناة الحاضر او كي يتنازلوا عن حقهم بالمستقبل.
والعراقيون، على اختلاف مكونات مجتمعهم العرقية والطائفية والمذهبية، قد اوضحوا، وبدون أي التباس، حقيقة رأيهم بهذا الدستور، فمعارضو الدستور قد عارضوا بكل حماسة، ومؤيدوه ايدوه بفتور، اما المحايدون فلم يتركوا مناسبة الا واعلنوا فيها عن خشيتهم بان يكون الوضع في العراق بعد الدستور مشابها له قبل الدستور اذا لم يكن اسوأ ...
اما "المزورون" فقد وجدوا في التزوير هذه المرة صعوبات لم يجدوها في المرة السابقة، لا لان رهان الكثيرين على انتخابات الشهر الاول هذا العام كطريق لاخراج المحتل ولحل مشكلات العراقيين قد خاب فقط، بل ايضا لان الصراع الخفي داخل الدوائر "الحاكمة" اليوم وبينها وبين الحاكم الامريكي ذاته لم يعد خفياً، بل هو يعبر عن نفسه بالصراع على اعلان نتائج الاستفتاء وقد مر زهاء اسبوع على اجرائه.
فالسيد الامريكي، وتابعه البريطاني، متخوف من اعلان الموافقة على الدستور انطلاقا من شعوره ان في هذا الاعلان تقوية لاطراف عراقية باتت تشاركه في توجيهها جهات اقليمية رئيسية وفي مقدمها ايران، كما ان ادارة الظهر لاعداد كثيفة من العراقيين المعارضين للدستور ستؤدي بالمقابل الى تقوية خط المقاومة الجذري الذي نبه قادته العراقيين منذ البداية الى محاذير التورط في "عملية سياسية" خائبة تريد توفير غطاء عراقي للاحتلال، وتسعى الى تفكيك القوى والفئات المناوئة لهذا الاحتلال.
والسيد الامريكي، وتابعه الانكليزي، متخوف كذلك من اعلان سقوط مسودة الدستور، انطلاقاً من ادراكه ان مثل هذا السقوط المدوي سيعيد الامور في العراق الى المربع الاول، وسيغلق الطرق امام "استراتيجية الخروج المشرف" التي تشغل هذه الايام بال مراكز القرار في واشنطن لا سيما بين جنرالات البنتاغون "وتقليديي" الدبلوماسية الامريكية مستفيدين هذه الايام من انشغال الرئيس بوش بلملمة فضائحه المتفاقمة بدءا من فضيحة رئيس أغلبيته الجمهورية في مجلس النواب المتهم بتبييض الاموال، مروراً بفضيحة تسريب معلومات استخباراتية من احد كبار مساعديه الى صحفية فضلت المكوث في السجن 80 يوماً على الاعتراف باسم مصدرها، ووصولاً الى فضيحة "التقصير" الفادح في مواجهة احتمالات إعصار كاترينا والمقرون بالارتباك الفاضح في مواجهة تداعياته الإنسانية والاجتماعية والصحية والمالية والنفطية.
وفي مواجهة البعض الذي يرى في الاصرار على "تمرير" الدستور تحدياً جديداً لإرادة المعترضين، وتغذية لمنطق المقاومين المشككين أصلا بأية عملية سياسية في ظل الاحتلال، فان البعض الأخر يعتقد ان الإعلان عن سقوط مسودة الدستور سيعطي دفعاً معنوياً كبيراً لمناهضي الاحتلال، وسيحرج السلطة المحتلة أمام المتعاونين معها الذين وقفوا إلى جانبها منذ سنوات طويلة.
ويضيف هؤلاء المتمسكون بتمرير الدستور إلى حججهم، حجة قوية وهي ان هذا الدستور لم يكن فعل لجنة صياغة الدستور، في ما يسمى بالجمعية الوطنية، بقدر ما تم إعداد خطوطه الرئيسية، كما قانون إدارة الدولة المؤقت الذي جرى تمريره قبل عام ونصف تقريباً، في مطابخ البنتاغون الأمريكية وفق الاستراتيجية الأمريكية الخاصة بالعراق وعموم المنطقة، وهدفها بالطبع ليس صياغة العلاقات داخل العراق، كما هو حال الدساتير في العالم، بل إدارة النزاعات الأهلية على أنواعها داخل العراق حتى يبقى هذا البلد الغني بموارده وطاقاته وامكاناته مكبلاً بالتفرقة بين أبنائه، عاجزاً عن النهوض، مسلماً قياده وقيادته وموارده للمحتل الأمريكي، فهذه المسودة تعتبر أرقى أشكال الصياغة الدستورية للمبدأ الاستعماري المعروف "فرق تسد"، بل هي بما تتضمنه من ألغام سياسية وعرقية ومذهبية قادرة على إبقاء أمن العراق واستقراره ووحدته رهن إشارة القوى الخارجية.
وفي مواجهة هذا المأزق الناجم عن تأخير غير طبيعي في اعلان نتائج الاستفتاء، مصحوباً بمعلومات عن شكوك " المفوضية العليا للانتخابات " بالنسبة العالية للتصويت في عدة محافظات، وبمعلومات اخرى عن تصويت اعداد كبيرة من الناخبين في اكثر من محافظة، وعن منع اعداد كبيرة اخرى من التصويت اصلاً، إما من خلال اغلاق مراكز الاقتراع (67 مركزا في الانبار مثلا) او من خلال اعتداءات عسكرية مباشرة ضد بعض المدن والحواضر العراقية (كالقائم وحديثة وبيجه والرمادي والرطبه والعامرية)، فلقد حاول السفير خليل زادة ان يصرف الانظار عن التأخير غير المبرر بتوجيه الانظار الى "محاكمة العصر" أي محاكمة الرئيس صدام حسين وعدد من كبار معاونيه.
هنا انكشف المأزق الآخر، لا فقط في هزالة الترتيبات القضائية واللوجستية لمحاكمة انفقت عليها مئات الملايين من الدولارات، ومضى على التحضير لها حوالي العامين، بل ايضا لان هذه المحاكمة وفرت للرئيس العراقي الاسير (قوات الاحتلال اعتبرته اسير حرب بعد اعتقاله)، فرصة للطعن بكل الاجراءات والتشريعات والمؤسسات التي قامت بعد احتلال العراق على قاعدة ان "ما بني على الباطل فهو باطل".
وبدا العراق في الحالتين، حالة الاستفتاء وحالة المحاكمة منقسما بوضوح بين تيار غارق في العملية السياسية يتلمس من خلالها طريقا لاخراج العراق من معاناته، وتيار رافض لهذه العملية السياسية اصلاً ما دامت تجري في ظل الاحتلال.
واذا كان القاضي اللبق والمهذب رزكار محمد امين قد استفاد من طلب محامي الدفاع تأجيل المحاكمة، فعمد الى تأجيلها اربعين يوما مؤجلا بذلك مواجهة مأزق قانوني ودستوري كبير متصل بهذه المحاكمة، فمن سينقذ السفير زلماي خليل زاده من مأزقه وقد فات على موعد اعلان نتائج الاستفتاء عدة ايام، بل بعد ان بات التأجيل نفسه اعلاناً بسقوط الدستور والاستفتاء معاً، اياً كانت النتائج التي ستعلنها المفوضية العليا للانتخابات، (و التي لا يعرف العراقيون كيف جاءت اليهم وما هي حدود صلاحياتها الحقيقة).
وسواء انتصر غدا في "المنطقة الخضراء"، (حيث يقيم حكام العراق المحتل ما يشبه الاقامة الجبرية، بل حيث تمتد "رقعة حكمهم الفعلي" كما قال بعض اعضاء الكونغرس الذين زاروا بغداد وشهدوا امام زملائهم)، المنطق الذي يريد اعلان النتائج الحقيقية، أي اعلان سقوط مسودة الدستور، او المنطق الذي يريد تمرير هذه المسودة بأي ثمن، او ربما المنطق الثالث الذي يسعى الى تأجيل اعلان النتيجة بحجة معالجة المخالفات التي رافقت العملية الانتخابية وتصحيحها، فان مصير هذه الخطوة الجديدة في "العملية السياسية" لن يكون بافضل من مصير الخطوات السابقة.
فبعد ايام من الاستفتاء سيواصل المحتل واعوانه سياسة القمع والقهر والابادة الجماعية والتجويع والاذلال (وهم لم يتوقفوا عنهايوما واحدا بما في ذلك يوم الاستفتاء)، فيما يواصل العراقيون مقاومتهم للمحتل ودفاعهم عن النفس والارض والعرض، ليغوص الدستور الحالي او المعدل في دماء العراقيين الطاهرة تماما كما غاص يوم الاستفتاء في دماء 39 مدنيا عراقيا، اغلبهم من الاطفال، وكل ذنبهم انهم اجتمعوا ليروا مدرعة اميركية دمرتها عبوة ناسفة في الرمادي.
ولكي يدخل السفير زلماي خليل زاده، الافغاني الاصل، الاميركي المهنة، تاريخ بلاده عبر اخراجها من المأزق تلو الاخر في العراق، فما عليه الا ان يجاهر بالدعوة، ككثيرين من احرار امريكا، الى ان خروج واشنطن من مأزقها الدامي في العراق يكمن في خروج قواتها من ارض العراق.
حينها، وحينها فقط، يصيغ العراقيون بكل حرية دستورهم الذي يحترم تعدديتهم السياسية، ويصون حقوقهم كمواطنين وكجماعات، ويحول التنوع القومي والديني والمذهبي في العراق الى مصدر غنى وقوة لهذا البلد الشامخ، بدلا من ان يحول اعداء العراق هذا التنوع الى مدخل للفرقة والتشرذم والعنصرية والتقسيم.
التجديد العربي
22/10/2005

أضف تعليق