هيئة علماء المسلمين في العراق

الوقت... رؤية إيمانية
الوقت... رؤية إيمانية الوقت... رؤية إيمانية

الوقت... رؤية إيمانية

إن نعم الله على الإنسان كثيرة متتابعة لا يستطيع عدّها { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا}، ومن هذه النعم نعمة الوقت، قال - تعالى -: {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ً}.
ولبيان قيمة هذه النعمة أقسم الله بها في مطلع بعض السور مثل: {وَالْفَجْرِ}{وَالضُّحَى }{وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى}، والمغبون من فرط في هذه النعمة، قال - عليه الصلاة والسلام -: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ".
وما فراغك يا أختاه إلا جزء من وقتك الذي ستسألين عنه يوم العرض الأكبر، قال - عليه السلام -: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع خصال، عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به".

وما عمرك يا أختاه إلا وقتك، وما شبابك إلا زهرة هذا الوقت الذي ينبغي عليك حسن استثمار دقائقه قبل ساعاته، وساعاته قبل أيامه.

ولتعلمي أن الوقت يتصف بوصفين:

الأول: سرعة انقضائه وهذا ملحوظ مشاهد، وأما الثاني: فإن ما فات منه لا يعوض وما يذهب منه لا يعود، ومن قال: "الوقت من ذهب" فقد أخطأ؛ لأن الوقت أغلى من الذهب، فالذهب يمكن تعويضه، ولكن الوقت لا يعوض ولو قدمت جميع ما تملكين لتعويضه أو استعادة ما فات منه.

والمفرط في وقته يحس بالندم في موقفين:

الأول: عند ساعة الاحتضار، قال - تعالى -: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ } فيأتيه الرد: { وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }.

الموقف الثاني: في الآخرة حين توفي كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون، ويدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار قال - تعالى -: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ {36} وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ}... ثم يأتيهم الرد:...{أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ}.

ويرد هذا التساؤل عند بعض الأخوات المسلمات: ما الآفات التي تقتل الوقت؟
فأقول باختصار:
1 -  الغفلة: وهي طول الأمل ونسيان الآخرة، والغاية من الخلق.
2 -  التسويف: فهي لم تغفل ولكنها تسوف، قال أحد السلف: "سوف جند من جنود إبليس". والتسويف يؤدي للتفريط، قال - عليه السلام -: "اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك".

وقبل الختام أود أن أخبرك ـ أخيتي ـ بالطرق المناسبة للاستفادة من الوقت:
1 -  المسارعة في الخيرات. قال - تعالى -: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} وقال - تعالى -: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ }.
2 -  المنافسة في الطاعات. قال - تعالى -: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ }.
3 -  تنظيم الوقت وأحوج الناس إلى تقسيم الوقت وتنظيمه هم المشغولون من الناس وأصحاب المسؤوليات.
4 -  الاستفادة من العمر الثاني. قال - عليه السلام -: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم نافع، أو ولد صالح يدعو له".

قال الشاعر:
دقات قلب المرء قائلة لـــــــه
إن الحيـاة دقائـق وثـــــــــوانِ
فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها
فالذكــر للإنسان عمـر ثــــــانِ
وإذا كان للوقت كل هذه الأهمية فإن على المسلم واجبات نحو وقته ينبغي أن يدركها وأن ينقلها من دائرة المعرفة إلى الواقع والتنفيذ، فأول ما يجب على المسلم تجاه وقته: المحافظة عليه والاستفادة منه كما يحافظ على ماله بل أكثر من ذلك، يقول الحسن البصري - رحمه الله -: "أدركت أقواماً كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصاً على دراهمكم ودنانيركم"، ويقول عمر بن عبد العزيز - رحمه الله -: "إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما".

وما أجمل ما قاله ابن القيم - رحمه الله -: "إن العبد حين استقرت قدمه في هذه الدار فهو مسافر منها إلى ربه، ومدة سفره هي عمره، والأيام والليالي مراحل، فلا يزال يطويها حتى ينتهي السفر ـ ثم قال ـ والناس ينقسمون إلى قسمين: فمنهم من يطوي سفره بما يقربه إلى دار الشقاوة، ومنهم من يقربه إلى دار السلام".
وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: "ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي ولم يزيد فيه عملي".

وصدق الشاعر:
إذا مـــــرّ يوم ولم أقتبس هــــــــدى
ولم أستفد علماً فما ذاك من عمري
وقال الحسن - رحمه الله -: "المبادرة.. المبادرة فإنما هي الأنفاس؛ لو حبست انقطعت عنكم أعمالكم التي تتقربون بها إلى الله، رحم الله امرأً نظر إلى نفسه، وبكى على ذنوبه، ثم تلا: {إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا..}.
وأخيراً أذكرك ـ أخيتي ـ بقول القائل: "الدنيا ساعة فاجعلها طاعة، والنفس طماعة فألزمها القناعة".

وأسأل الله أن يرزقني ويرزق كل من قرأ هذه السطور حسن استغلال الأوقات في الطاعات، وتدارك ما فات، والاجتماع في الجنات.


د. شيخة المفرح
المختار الاسلامي

أضف تعليق