هيئة علماء المسلمين في العراق

عاشوراء بين الذكرى والعمل
عاشوراء بين الذكرى والعمل عاشوراء بين الذكرى والعمل

عاشوراء بين الذكرى والعمل

هاهي النفحات تتوالى وروضات الخير تدعونا لنتفيأ ظلالها وها هو ربنا يتعهدنا بالرحمات إنه شهر الله المحرم.. بعد أن أطل علينا بنفحات الهجرة المباركة- يوافينا بيوم عاشوراء ذلك اليوم العظيم الذي صامه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمر صحابته الأخيار بصيامه. فإلى أولئك المحرومين الذين فاتهم قطار المغفرة في رمضان ثم تكاسلوا عن ركب الرحمة والغفران في عرفة إليهم هذه الفرصة النادرة ها هو يوم عاشوراء يدعوكم لمغفرة ربكم ورضوانه وها هو رسولنا الكريم يعرض الجائزة لمن يسبق إليها حين يقول في الحديث الذي روى عن أبي قتادة - رضي الله عنه - حين سأله رجل عن صيام يوم عاشوراء فأجاب - صلى الله عليه وسلم - احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله [رواه مسلم]

فهلم إلى دعوته وأقبل إلى زمرته فقد ربح البيع يوم يكفر سنة، فلئن تخلفت عنه فأنت حقاً المحروم.

        فضل شهر المحرم:

يا له من شهر عظيم لو فطن الناس له فقد روى عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: قال: أفضل الصلاة بعد المكتوبة الصلاة في جوف الليل وأفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم. [صحيح مسلم].

      لماذا شرع الصيام في هذا اليوم؟ وما مناسبته؟

قد يتبادر هذا السؤال فعلاً إلى الذهن لماذا هذا اليوم تحديداً دون غيره وهذا أيضاً رسول الله يحيينا فعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما قدم المدينة فوجد اليهود صياماً يوم عاشوراء!!

قالوا: هذا يوم نجى الله فيه موسى وقومه وأغرق فرعون وقومه فصامه موسى شكراً فنحن نصومه.
فقال لهم رسول الله: فنحن أحق وأولى بموسى منكم فصامه رسول الله وأمر بصيامه [رواه مسلم]

إنه إذا يوم نجاة موسى وقومه وغرق فرعون وقومه هذا يوم نصرة الحق وخذلان الباطل، وكأني بكليم الله وقومه أمام البحر وفرعون وطغيانه من ورائهم ويكاد يصل إليهم وقوم موسى تزيغ أبصارهم وتنتقض قلوبهم وتحتقن حناجرهم: ماذا نفعل؟ فرعون سيدركنا ويبيدنا ونهلك عن آخرنا لكن نور الحق يسطع من لسان موسى وإذا به يبني صرح اليقين في الله بهذه الكلمات النيرات (كلا إن معي ربي سيهدين) وإذا بالحق- تبارك وتعالى -يأمر القوانين الكونية أن تتعطل وينشق البحر ويعبر موسى ومن معه ولا يبتسل لهم أصبح يغتر فرعون ويتمادى في طغيانه فيعبر ورائهم ليطبق عليهم البحر أسنانه ويصبحون أثراً يتحدث الناس عنهم مصدرين كلامهم بـ (كان).

حقاً ما أجمل هذه الذكريات وما أعظم هذه النفحات.

          ما حكم صيامه؟

س: ولكن هل نفهم من هذا أن صيامه واجب علينا؟
ج: وهذا سؤال آخر نذهب به إلى سنة الرسول نتبين منها إجابته عن معاوية - رضي الله عنه - قال سمعت رسول الله يقول هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه وأنا صائم فمن شاء فليهم ومن شاء فليفطر. [متفق عليه].

وتحكي لنا المصادر أن في هذا اليوم العظيم أنجى الله نبيه نوح والمؤمنين معه من الطوفان فانظر إلى قدر الله ومشيئته.
نجاة موسى ونجاة نوح وقوميهما في هذا اليوم وكلاهما نجا من الغرق وكلاهما لقى من قومه أشد المعاناة والعنت فاستحقا أن يكونا من أولى العزم من الرسل.

وفي هذا اليوم أيضاً وقف آدم على جبل الجودي يعلق توبته وعودته وإنابته إلى الله.

فهلا تعلمنا من موسى في هذا اليوم اليقين بربه والثقة في نصره
وهلا تعلمنا من نوح في هذا اليوم الصبر على الحق والتمسك به مهما حدث وألا يغوينا الباطل بكثرة أهله أو قوة بأسه.

وهلا تعلمنا من آدم في هذا اليوم العودة إلى الله والتوبة إليه والرجوع والندم على ما كان منا ونهدف به ونناديه

يا من ليس لي منه مجير بعفوك من عذابك استجير
أنا العبد المقر بكل ذنب وأنت السيد المولى الغفور
أفرُّ إليك منك وأين إلا إليك يفر المستجير

وإن كانت هذه الذكريات قبل بزوغ شمس خاتم المرسلين فإننا نجد لهذا اليوم في الإسلام ذكريات عظيمة حين خرج سيد شباب أهل الجنة وسبط رسولنا الأعظم ومن معه إلى كربلاء ليعلن كلمة الحق ويثور على الباطل ويأبى إلا أن يلقى ربه شهيداً صائماً ليفطر في الفردوس الأعلى مع جده المصطفى - صلى الله عليه وسلم -.

واستكمالاً للخير وحرصاً عليه وتنبيهاً إليه رغبنا رسول الله في صيام يوم التاسع مع العاشر فعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: حين صام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عاشوراء وأمر بصيامه قالوا يا رسول الله: إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى فقال - صلى الله عليه وسلم -: فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا التاسع أي صمناه مع العاشر مخالفة لأهل الكتاب.

فانظر إلى حرصه - صلى الله عليه وسلم - على مخالفة أهل الكتاب في كل ما يصنعون فهم وإن كان ما يفعلونه خيراً فقد خالفهم الرسول بالزيادة على هذا الفعل وعدم مطابقة فعله لفعلهم فما بالك إن كان ما يفعلونه شراً فهل يعقل بعد ذلك أن نقلدهم؟!

وبعد هذه التطوافة السريعة بين هذه الأزاهير النضيدة والمروج العاطرة فهيا بنا نحول هذا الكلام إلى عمل..
هيا بنا نغزو ميدان العمل ونترجم كل ما قلنا إلى أفعال ترضى ربنا.


المختار الاسلامي

أضف تعليق