هيئة علماء المسلمين في العراق

أهمية اللغة العربية وعلاقتها بالعلوم الشرعية ... عمارة قسوم
أهمية اللغة العربية وعلاقتها بالعلوم الشرعية ... عمارة قسوم أهمية اللغة العربية وعلاقتها بالعلوم الشرعية ... عمارة قسوم

أهمية اللغة العربية وعلاقتها بالعلوم الشرعية ... عمارة قسوم

قال : علامة المغرب وقاضيها الشهير عبد الرحمن بن محمد بن خلدون - رحمه الله تعالى - كلام نفيس في كتابه «المقدمة» [1]   أن اللغة العربية ضرورة شرعية لا يستغني عنها طالب العلوم الشرعية .


وإن غايتنا من ذكر هذا الموضوع هو تذكير الناس بهذه اللغة العظيمة التي هي شرف أمة الإسلام وهويتها والتي اصطفاها الله تعالى على غيرها من اللغات، وشرفها على سواها من اللغات، وقد تكلم بها سبحانه وتعالى بهذا القرآن الكريم الذي تحدَّى به الثقلين الجن والإنس على أن يأتوا بسورة مثله فلم ولن يستطيعوا أن يأتوا بآية مثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا.


وإن هدفنا أيضا هو الحث على التشبث بها والعض عليها بالنواجذ؛ لأنها أساس الدين المتين، وسراجه المنير، وهي التي تقول عن نفسها كما وصفها شاعر النيل حافظ إبراهيم:


وَسِعْتُ كتابَ الله لفظًا وغايةً *** وما ضِقْتُ عن آيٍ به وعِظَاتِ


فكيفَ أضِيقُ اليومَ عن وصْفِ آلةٍ *** وتنسيقِ أسماءٍ لمُخترعاتِ


أنا البَحْر في أحشَائه الدُّرُّ كامِنٌ *** فهلْ سَألوا الغوَّاصَ عن صَدَفاتي


ومما يجدر التذكير به في هذا المقام أن اللغة العربية ما عني بها العلماء قديما وحديثا لمجرد ذكر قواعدها وبيانها وإعجازها، ولم تكن تلك العناية والرعاية سدى وهملا، وإنما هي امتثال لأمر إلهي وجب تطبيقه وبيانه للناس أجمعين.


ومن هنا تعلم - أيها القارئ الكريم - أن الله تعالى قد أوجب على كل مسلم تعلم جزء من العربية بقدر ما يقيم به ألفاظ سورة الفاتحة، وبقدر ما يقيم به التكبير والتسميع والسلام في الصلاة، ولا يسع مسلما جهله، قال الله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾[المزمل: 20].


وقد اختلف العلماء في تحديد القدر الذي هو أقل ما يخاطب به الإنسان من تعلم اللغة العربية، فقال قوم: لا بد أن يصل إلى مستوى يفهم به ألفاظ الفاتحة، وألفاظ الدعاء المأمور به على سبيل الوجوب، وألفاظ الأذكار التي تجب مرة في العمر كالتهليل والاستغفار والتسبيح والتحميد وغير ذلك، فهذه المذكورات يجب على المسلم أن يتعلم معانيها بالعربية عند الإمام مالك وسفيان الثوري والأوزاعي وغيرهم من كبار علماء السلف - رحمهم الله تعالى - معللين ذلك بأمور، منها أن كلمة التوحيد «لا إله إلا الله» مثلا يمكن أن تلقن لأي إنسان ولا يلتزم بمقتضياتها وشروطها، فالجاهل بمعنى «لا إله إلا الله» لم يلتزم شروطها ولو نطق بها ولذلك أوجب العلماء على العباد هذا القدر من اللغة العربية لئلا يقعوا في المحظور، وهذا من الفروض العينية.


ثم إن بعض المتكلمين المتأخرين قد توسعوا في هذا الباب فقالوا: إن من لم يفهم ما تتناوله كلمة التوحيد «لا إله إلا الله» من العقائد وما تتضمنه من معان فإنه أخل بمقتضياتها ولم يؤد شروطها، وهذا القول - كما قال أشياخنا وعنهم نقلنا هذا الكلام - حرفًا ومعنًى، في غاية التشدد والمبالغة غير أنه يدلنا دلالة على أهمية فهم شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.


 عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: «تعلَّموا العربية فإنَّها من دينِكم، وتعلَّموا الفرائض فإنَّها من دينِكم»، وهذا الذي أمر به عمر - رضي الله عنه - من فقه العربية وفقه الشريعة يجمع ما يحتاج إليه؛ لأن الدين فيه أقوال وأعمال، ففقه العربية هو الطريق إلى فقه أقواله، وفقه السنة هو فقه أعماله» اهـ.


ومن كبير شأن هذه اللغة وعلو منزلتها أن بعض المنتسبين للعلم قد جُرِّحوا بسبب لحنهم فيها ولهذا كان بعض علماء السلف يشنعون على من يروي الحديث بالمعنى ثم يلحن فيه، وأن اللحن في حديث رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يوقع صاحبه في تغيير المعنى ولو كان عن غير قصد إذ لم يكن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يلحن قطعا وجزما.


قال العراقي في ألفية مصطلح الحديث:


ولْيَحذَرِ اللَّحَّانَ والمُصَحِّفَا *** عَلَى حَديثِه بأنْ يُحَرِّفا


فَيَدْخُلَا في قَولِه: مَنْ كَذَبَا *** فحقٌّ النَّحْوُ علَى مَن طَلَبا


ولخطورة اللحن في حديث رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أدخلوه في جملة قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: «مَنَ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» كما أشار الأصمعي بقوله: «إن أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يكن يعرف النحو أن يدخل في جملة قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ ... » الحديث.


ومثل ذلك القرآن الكريم إذ يجب أن يكون موافقا لوجه من وجوه النحو كما قال ابن الجزري في «طيبة النشر»:


وكلُّ ما وَافَقَ وجهًا نحْوِي *** وكان للرَّسْم احْتِمالًا يحْوِي


وصحَّ إسنادًا هو القرآنُ *** فهَذهِ الثَّلاثَة الأركَانُ


ومما ذكره أهل الأخبار أن أبا الأسود الدؤلي حين كلمته ابنته وهي رافعة وجهها إلى السماء وتأملت بهجة النجوم وحسنها ثم قالت: ما أحسنُ السماء! على صورة الاستفهام فقال: يا بنية نجومها؛ فقالت: إنما أردتُ التعجب، فقال لها: قولي: ما أحسنَ السماء! وافتحي فاك، وهذه صيغة من صيغ التعجب التي أشار إليها ابن مالك في «الخلاصة»:


بأَفْعَلَ انطق بعد ما تعجب *** أو جيء بأَفْعِل قبل مجرور ببا


وتلو أَفْعَلَ انصبنّه كما *** أو في خليلينا وأصدق بهما


أي إذا أردت التعجب حتى جيء بصيغة «أَفْعَل» بعد «ما» مفتوحا ثم افتح المتعجب منه أو جيء بصيغة أخرى وهي «أَفْعِل به» وفي الباب قواعد وضوابط تؤخذ من مظانها.


ومما رووه أيضا أن توجه سيبويه إلى علم النحو هو لحنه في الحديث.


ذكر السخاوي في «شرحه على ألفية العراقي في مصطلح الحديث» عن أبي سلمة حماد بن سلمة أنه قال لإنسان: «إن لحنت في حديثي فقد كذبت عليّ فإني لا ألحن، وصدق - رحمه الله - فإنه كان مقدما في ذلك بحيث إن سيبويه شكا إلى الخليل بن أحمد أنه سأله عن حديث هشام بن عروة عن أبيه في رجل رعُف بضم العين - على لغة ضعيفة - فانتهره وقال له: أخطأت إنما هو رعَفَ يعني بفتحها، فقال له الخليل: صدق، أتلقى بهذا الكلام أبا سلَمة. وهو مما ذكر في سبب تعلم سيبويه العربية».


وقد توجه كثير من أهل العلم إلى تعلم علوم العربية بسبب لحنهم في الحديث كما وقع لثابت البناني حين سأل الحسن البصري في كلمة رعُف فقال الحسن: أتعجز أن تقول: رعَف، فاستحى ثابت وطلب العربية حتى قيل له من انهماكه فيها: ثابت العربي.


فانظر وتأمل أخي القارئ الكريم كيف صار سيبويه بسبب لفظة لحن فيها في حديث رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - إماما يحتذى به في هذا العلم الجليل، فهو صاحب «الكتاب» والذي إذا أطلق لم يتبادر إلى الفهم غير كتابه، وقد هذب فيه علم النحو واستوفى قواعده وضوابطه وكل من جاء بعده فهم عيال عليه.


ومما ذكروه أيضا أن الإمام محمد بن إدريس الشافعي صاحب المذهب المشهور وواضع قواعد أصول الفقه لم يشتغل بدراسة العلم حتى جلس في قبيلة بني هذيل يحفظ أشعارهم ودواوينهم، وقد وفق لحفظ أكثر من عشرين ألف بيت من أشعارهم؛ وقد قال الأصمعي: «صححت أشعار هذيل على فتى من قريش يقال له: محمد بن إدريس الشافعي».


وذكر حافظ المغرب يوسف بن عبد الله ابن محمد بن عبد البر المالكي في «جامع بيان العلم وفضله»: عن نافع عن ابن عمر أنه: «كان يضرب ولده على اللحن»[2].


وقال الشعبي: «النحو في الكلام ملح في الطعام لا يستغنى عنه».


وأنشد الخليل بن أحمد الفراهيدي:


أي شيء من اللباس الـ *** سر وأبهى من اللسان البهي


يَنظم الحجَّة الشَّتيتة في السِّلْـ *** كِ من القولِ مثل عَقْد الهدي


وترى اللَّحن بالحسيبِ أخي الهَيْـ *** ئة مثل الصَّدى المَشْرفي


فاطلب النَّحو للحِجَاج وللشِّعـ *** رِ مقيمًا والمُسْنَد المروي


والخِطابُ البليغُ عندَ جَوَابِ الـ *** قولِ يزْهَى بمثلِه في النَّدِي


قال شعبة: «تعلَّموا العربية فإنَّها تزِيد في العَقل».


ومما أملاه بعض شيوخنا:


قدم النحو على الفقه فقد *** يبلغ النحوي بالنحو الشرف


أما ترى النحوي في مجلسه *** كهلال بان من تحت الشغف


يخرج الألفاظ من فيه كما *** يخرج الجوهر من بطن الصدف


أخي القارئ الكريم علمت من خلال ما عرضناه في هذا المقال الوجيز نقلا عن الأشياخ والأعلام أن اللغة العربية هي ركن هذا الدين الأصيل، وأساس بنيانه المتين فهي مجدنا الذي نرفع به رؤوسنا، وهي شرفنا الذي نرد به عزنا، وبها نفهم القرآن الكريم الذي أنزل بلسان عربي مبين، وبها نفهم سنة سيد الأنبياء وإمام المرسلين - صلى الله عليه وسلم -. والله ولي التوفيق.


وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


[1]  وهي مقدمة لكتابه الكبير في التاريخ الموسوم بـ: «كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر»، وفي نسخة «من ذوي الشأن الأكبر».


[2]  قال الألباني في «صحيح الأدب المفرد» (ص 228): صحيح الإسناد.


 


أضف تعليق