هيئة علماء المسلمين في العراق

صفر .. تشاوم أم تفاؤل ... مصطفى محمد هديب
صفر .. تشاوم أم تفاؤل ... مصطفى محمد هديب صفر .. تشاوم أم تفاؤل  ... مصطفى محمد هديب

صفر .. تشاوم أم تفاؤل ... مصطفى محمد هديب

إصلاح العقيدة أساس كل إصلاح، لذلك فقد حرص الإسلام أول ما حرص على حماية العقيدة من كل ما يخدشها، حتى تظل منيعة الجانب مصونة الحمى، وفي هذا المقال نتناول الحديث بمشيئة الله - تعالى - عن صفر وما أحدثه الناس فيه من البدع، فنقول مستعنين بالله: 


أولاً: لم سُمّي صفر؟ 
الجواب: قيل: إنه سُمِّي صفرًا، لأنهم كانوا يغزون فيه القبائل فيتركون من لقوه صِفرًا من المتاع والمال، أي خلوا منهما. {المناهي اللفظية ص343}

ثانيًا: هل ممكن أن نطلق على صفر، صفر الخير؟ 
الجواب: قال العلامة بكر عبد الله أبو زيد في المرجع المشار إليه سابقًا: وبعضهم يقول: "صفر الخير" تفاؤلاً يرد ما يقع في نفسه من اعتقاد التشاؤم فيه، وهذه لوثة جاهلية من نفس لم يصقلها التوحيد بنوره. 

قلت: قال العلامة ابن عثيمين - رحمه الله - في (ص451، 452) من القول المفيد في شرح كتاب التوحيد: والأزمنة لا دخل لها في التأثير وفي تقدير الله - عز وجل -، فصفر كغيره من الأزمنة يُقدر فيه الخير والشر، وبعض الناس إذا انتهى من شيء في صفر أرَّخ ذلك وقال: انتهى في صفر الخير، وهذا من باب مداواة البدعة بالبدعة، والجهل بالجهل، فهو ليس شهر خير ولا شهر شر. 

وأما شهر رمضان، وقولنا: إنه شهر خير، فالمراد بالخير العبادة، ولا شك أنه شهر خير، وقولهم: رجب المعظمº بناءً على أنه من الأشهر الحرم. 

ثالثًا من بقايا الجاهلية: 
قد اتفق علماء الإسلام على أن اعتقاد نحس هذا الشهر اعتقاد باطل في نظر الإسلام، وأنه من بقايا الجاهلية التي أنقذنا الله منها بنعمة الإسلام. فقد أبطل الإسلام عوائد الجاهلية فزالت من عقول جمهور المؤمنين، وبقيت بقاياها في عقول الجهلة من الأعراب البعداء عن التوغل في تعاليم الإسلام، فلصقت تلك العقائد بالمسلمين شيئًا فشيئًا مع تخييم الجهل بالدين بينهم. 

ومن بقايا الجاهلية التشاؤم بشهر صفر، حتى صار كثير من الناس يتجنب السفر في شهر صفر اقتباسًا من حذر الجاهلية السفر فيه خوفًا من تعرض الأعداء، ويجتنبون فيه ابتداء الأعمال خشية أن لا تكون مباركة. 
ومن الناس من يعتقد أن يوم الأربعاء الأخير من صفر هو أنحس أيام العام. 
ومن العجب أنهم ينسبون ذلك إلى الدين الذي أوصاهم بإبطال عقائد الجاهلية فتكون هذه النسبة ضلالة مضاعفة، يستندون في ذلك إلى حديث موضوع يُروى عن ابن عباس أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قال: "آخر أربعاء في الشهر يوم نحس مستمر". وقد نص الأئمة على أن هذا حديث موضوع. {كذا بمعجم المناهي اللفظية ص345}. 

قال الإمام مالك بن أنس - رحمه الله -: الأيام كلها أيام الله، وإنما يَفضُل بعض الأيام بعضها بما جعل الله لها من الفضل فيما أخبر بذلك رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم



رابعًا: صلاة مبتدعة في صباح الأربعاء الأخير من صفر: 
اخترع بعض الجهلة صلاة تصلى صباح يوم الأربعاء الأخير من صفر، وهي صلاة ذات أربع ركعات متواليات تقرأ في كل ركعة، ويدعَى عقب الصلاة بدعاء معين، وهي بدعة وضلالة، إذ لا تتلقى الصلوات ذوات الهيئات الخاصة إلا من قبل الشرع، ولم يرد في هذه الصلاة من جهة الشرع أثر قوي ولا ضعيف فهي موضوعة، وليست من قبيل مطلق النوافل، لأنها غير جارية على صفات الصلوات النوافل، فليحذر المسلمون من فعلها، ولا سيما من لهم حظ من العلم، ونعوذ بالله من علم لا ينفع وهوى متبع. {كذا في المصدر السابق (ص346)}. 

خامسًا : فقه حديث "لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر "، وزاد مسلم: ولا نوء ولا غول. 
أخرجه البخاري (5757) فتح الباري، ومسلم في السلام (2220- 22222) عبد الباقي. 



أ  "لا عدوى". لا نافية للجنس، ونفي الجنس أعم من نفي الواحد والاثنين والثلاثة، لأنه نفي للجنس كله، نفى الرسول - صلى الله عليه وسلم - العدوى كلها. 

والعدوى: انتقال المرض من المريض إلى الصحيح، وكما يكون في الأمراض الحسية يكون أيضًا في الأمراض المعنوية الخُلقية، ولهذا أخبر - صلى الله عليه وسلم - أن جليس السوء كنافخ الكيرº إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه رائحة كريهة. 

فقوله: "لا عدوى": يشمل الحسية والمعنوية، وإن كانت في الحسية أظهر. 

ب  "ولا طيرة". 
اسم مصدر تطيرº لأن المصدر منه تطير، مثل الخيرة اسم مصدر من اختار، قال - تعالى -: وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم {الأحزاب: 36}. 
واسم المصدر يوافق المصدر في المعنى، ولذلك تقول كلَّمته كلامًا بمعنى كلمته تكليمًا، وسلمت عليه سلامًا بمعنى سلمت عليه تسليمًا. لكن لما كان يخالف المصدر في البناء سمَّوه اسم مصدر. 

والتطير: أصله مأخوذ من الطير، لأن العرب يتشاءمون أو يتفاءلون بالطيور على الطريقة المعروفة عندهم بزجر الطير، ثم ينظر: هل يذهب يمينًا أو شمالاً أو ما أشبه ذلك، فإن ذهب إلى الجهة التي فيها التيامن، أقدم، أو فيها التشاؤمº أحجم. 
واصطلاحًا التطير: هو التشاؤم – بمرئي - أو مسموع - أو معلوم. 

بمرئي: مثل لو رأى طيرًا فتشاءم لكونه موحشًا. 
مسموع: مثل من همَّ فسمع أحدًا يقول لآخر: يا خسران، أو يا خائب، فيتشاءم. 
معلوم: كالتشاؤم ببعض الأيام أو بعض الشهور أو بعض السنوات فهذه لا ترى ولا تسمع. 
واعلم أن التطير ينافي التوحيد، ووجه منافاته له من وجهين: 

الأول: أن المتطير قطع توكله على الله واعتمد على غير الله. 

الثاني: أنه تعلق بأمر لا حقيقة له، بل هو وهم وتخيل، فأي رابطة بين هذا الأمر، وبين ما حصل له، وهذا لا شك أنه يخل بالتوحيد، لأن التوحيد عبادة واستعانة، قال - تعالى -: إياك نعبد وإياك نستعين {الفاتحة}. 

وقال - تعالى -: فاعبده وتوكل عليه {هود: 123}. 
فالطيرة محرمة، وهي منافية للتوحيد كما سبق، والمتطير لا يخلو من حالين: 

الأول: أن يحجم ويستجيب لهذه الطيرة ويدع العمل، وهذا من أعظم التطير والتشاؤم. 
الثاني: أن يمضي لكن في قلق وهمٍّ, وغمٍّ, يخشى من تأثير هذا المتطير به وهذا أهون. 

وكلا الأمرين نقص في التوحيد وضرر على العبيد، بل انطلق إلى ما تريد بانشراح صدر واعتماد على الله - عز وجل -، ولا تسيء الظن بالله - عز وجل -. 

ج  "ولا هامة": بتخفيف الميم فسرت بتفسيرين: 
التفسير الأول: أنها طير معروف يشبه البومة، أو هي البومة، تزعم العرب أنه إذا قتل القتيل، صارت عظامه هامة تطير وتصرخ حتى يؤخذ بثأره. وربما اعتقد بعضهم أنها وجه. 

التفسير الثاني: أن بعض العرب يقولون: الهامة: هي الطير المعروف، لكنهم يتشاءمون بها، فإذا وقعت على بيت أحدهم ونعقت، قالوا: إنها تنعق به ليموت ويعتقدون أن هذا دليل قرب أجله، وهذا كله - بلا شك عقيدة باطلة. 

د  "ولا صفر": قيل: إنه شهر صفر، كانت العرب يتشاءمون به ولا سيما في النكاح. 
وقيل: إنه داء في البطن يصيب الإبل وينتقل من بعير إلى آخر، فيكون عطفه على العدوى من باب عطف الخاص على العام. والأقرب صفر يعني الشهر، وأن المراد نفي كونه مشؤومًا، أي: لا شؤم فيه، وهو كغيره من الأزمان يقدر فيه الخير ويقدر فيه الشر. 
وهذا النفي في هذه الأمور الأربعة لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر: ليس نفيًا للوجودº لأنها موجودة، ولكنه نفي للتأثير، فالمؤثر هو الله، فما كان منها سببًا معلومًا، فهو سبب صحيح، وما كان منها سببًا موهومًا، فهو سبب باطل، ويكون نفيًا لتأثيره بنفسه إن كان صحيحًا، ولكونه سببًا إن كان باطلاً. 

ه  "ولا نوء": واحدة الأنواء. 
والأنواء: هي منازل القمر، وهي ثمان وعشرون منزلة، كل منزلة لها نجم تدور بمدار السنة. 
وهذه النجوم بعضها يسمى النجوم الشمالية، وهي لأيام الصيف، وبعضها يسمى النجوم الجنوبية، وهي لأيام الشتاء، وأجرى الله العادة أن المطر في وسط الجزيرة العربية يكون أيام الشتاء أما أيام الصيف فلا مطر. 

فالعرب كانوا يتشاءمون بالأنواء، ويتفاءلون بها، فيقولون لبعض النجوم: هذا نجم نحس لا خير فيه، وبعضها بالعكس يتفاءلون به فيقولون: هذا نجم سعود خير، ولهذا إذا أُمطروا قالوا: مطرنا بنوء كذا، ولا يقولون: مطرنا بفضل الله ورحمته. ولا شك أن هذا غاية الجهل. 

ألسنا أدركنا هذا النوء بعينه في سنة يكون مطر وفي سنة أخرى لا يكون مطر؟ 
ونجد السنوات تمر بدون مطر مع وجود النجوم الموسمية التي كانت كثيرًا ما يكون في زمنها الأمطار. 
فالنوء لا تأثير له، فقولنا: طلع هذا النجم، كقولنا: طلعت الشمس فليس له إلا طلوع وغروب، والنوء: وقت تقدير وهو يدل على دخول الفصول فقط. 

و  "ولا غول": 

جمع غَوَلة أو غُولة، ونحن نسميها باللغة العامية الهولةº لأنها تهول الإنسان. 
والعرب كانوا إذا سافروا أو ذهبوا يمينًا وشمالاً تلونت لهم الشياطين بألوان مفزعة مخيفة، فتدخل في قلوبهم الرعب والخوف فتجدهم يكتئبون ويستحسرون عن الذهاب إلى هذا الوجه الذي أرادوا، وهذا لا شك أنه يضعف التوكل على الله، والشيطان حريص على إدخال القلق والحزن على الإنسان بقدر ما يستطيع، قال - تعالى -: إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله {المجادلة: 10}. 

وهذا الذي نفاه الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو تأثيرها فلا تهمكم لأنها خوفتكم، فلا تلتفتوا إليها، وليس المقصود بالنفي نفي الوجود، وأكثر ما يبتلى الإنسان بهذه الأمور إذا كان قلبه معلقًا بها، أما إذا كان معتمدًا على الله غير مبال بها، فلا تضره ولا تمنعه عن جهة قصده. {القول المفيد ج1ص 448- 454}. 
وفي الصحيحين من حديث أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سألوه عن الفأل قال: "الكلمة الطيبة". 

ف  "الكلمة الطيبة" تعجبه - صلى الله عليه وسلم -، لما فيها من إدخال السرور على النفس والانبساط والمضي قدمًا لما يسعى إليه الإنسان، وليس هذا من الطيرة، بل هذا مما يشجع الإنسان لأنها تؤثر عليه، بل تزيده طمأنينة وإقدامًا وإقبالا. 
وظاهر الحديث: الكلمة الطيبة في كل شيء، لأن الكلمة الطيبة في الحقيقة تفتح القلب وتكون سببًا لخيرات كثيرة، حتى أنها تدخل المرء في جملة ذوي الأخلاق الحسنة. 


أضف تعليق