هيئة علماء المسلمين في العراق

المناهج المعاصرة في الفتاوى الشرعية... د.عمر مكي
المناهج المعاصرة في الفتاوى الشرعية... د.عمر مكي المناهج المعاصرة في الفتاوى الشرعية... د.عمر مكي

المناهج المعاصرة في الفتاوى الشرعية... د.عمر مكي

المناهج المعاصرة في الفتاوى الشرعية


د.عمر مكي


 


تباينت المناهج المعاصرة في كيفية إدراك حكم الله تعالى ومراده في المسائل الفقهية المتنوعة في العبادات والمعاملات ويمكن حصر هذه المناهج على ثلاثة اتجاهات عامة:


الأول منهج الإفراط:


وهو المنهج المتأثر بالمدرسة الظاهرية القديمة ويسير بسيرها وإن كان ينكر عليها لفظا ولكنه يمشي على خطاها عملا وسيرا وهم يرون عدم تغير الفتوى في حالة تغير موصوفها أو أعرافها أو مصالحها ولا يعدون الأحكام الشرعية قابلة للتفسير والتعليل ويجعلون الرأي الاجتهادي قولا واحدا يختارونه من بين من يرونه إماما لهم ويجعلون قداسة رأيه واختياره في مسألة ما كحكم النص من غير مراعاة مقاصد الشريعة وحكمها وعللها، وهو يصدق فيهم تعريض الإمام القرافي في الفروق بقوله:


(ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك بل إذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك لا تُجْرِهُ على عرف بلدك واسأله عن عرف بلده وأجْرِهِ عليه وأفته به دون عرف بلدك والمقرر في كتبك فهذا هو الحق الواضح والجمود على المنقولات أبدا ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين وعلى هذه القاعدة تتخرج أيمان الطلاق والعتاق وصيغ الصرائح والكنايات فقد يصير الصريح كناية يفتقر إلى النية وقد تصير الكناية صريحة مستغنية عن النية)([1]).


وقد روى الإمام البخاري في صحيحه حديث عائشة –رضي الله عنها- في التسمية على الذبيحة من حديث: (هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة –رضي الله عنها- أن قوما قالوا يا رسول الله إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم- سَمّوا الله وكلوا)([2])


وهذا الحديث دليل على أن التسمية على الذبيحة ليست شرطا لصحة الذبح وأنه يجوز الأكل منها.


وقد اختلف الفقهاء فيمن ترك التسمية على الذبيحة عامدا أو ناسيا فقال الإمام الشافعي التسمية مستحبة وليست واجبة وهو رواية عن الإمام أحمد وذهب الحنفية وسفيان الثوري وإسحاق بن راهويه ومالك إلى أن من ترك التسمية عامدا لا ناسيا لا تحل ذبيحته وذهب داود الظاهري وأبو ثور الى حرمة أكل الذبيحة التي تركت التسمية عليها سواء عمدا أم نسيانا.([3])


 


وأما ما استدل به الفقهاء الذين اشترطوا التسمية على الذبيحة عند التذكر والقدرة سواءا كان مسلما أو كتابيا بقوله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} [الأنعام: ١٢١] فقد أجيب عنه بما يأتي:


1-   المقصود بقوله: {لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} يراد به ما ذبح للأصنام بدليل قوله تعالى: {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِه}ِ [النحل: ١١٥] وسياق الآية المذيّل عليه بقوله: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} [الأنعام: ١٢١]هو نفسه في قوله تعالى: { أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ } [الأنعام: ١٤٥].


2-   والجواب الآخر أن الله تعالى أباح للمسلمين ذبائح أهل الكتاب في قوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ} [المائدة: ٥] وهم لا يذكرون الله ولا يسمون عند الذبح.


3-   ثم حديث عائشة –رضي الله عنها- الذي تقدم صريح في التسمية لو كانت شرطا لما حلَّت الذبيحة عند وصول الشك في التسمية عليها وهذا يؤكد استحبابها لا وجوبها.


ومن الأمثلة المعاصرة على هذا الاتجاه تحريم الذهب المُحلَّق على النساء وهو الذهب المصوغ على صورة حلقة كالسوار والطوق علما بأن الأحاديث ([4]) الواردة في ذلك شاذة لمخالفتها لما هو أصح منها لو افترضنا صحتها، ثم إن العلة إذا كانت هي التحليق فهل يعقل ويفهم منه أنه (يجوز للمرأة أن تتحلى بكيلوات متعددة من الذهب غير المحلق ويحرم عليها أن تلبس خاتما صغيرا أو دبلة؛ لأنه محلق.... فهذا شيء عجيب وفقه سقيم وأحاديث رسول الله –صلى الله عليه وسلم- لا تحتمل هذا وتطبيق صحابة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ليس على هذا، وعمل نساء النبي –صلى الله عليه وسلم- ليس وفق هذا)([5])


والجدير بالذكر أن الأحكام الشرعية ليست نوعا واحدا من حيث مجالات الفتوى وتغيرها ولذا نص العلماء على ذلك فقالوا:


(الأحكام نوعان: نوع لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها. لا بحسب الأزمنة ولا الأمكنة، ولا اجتهاد الأئمة، كوجوب الواجبات، وتحريم المحرمات، والحدود المقدرة بالشرع على الجرائم ونحو ذلك، فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا اجتهاد يخالف ما وضع عليه.


والنوع الثاني: ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له زمانا ومكانا وحالا، كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها. فإن الشارع ينوع فيها بحسب المصلحة)([6])


ومما ينبغي أن يعرف أن التشدد في الفتوى يحسنه الكثير كما قال سفيان الثوري –رحمه الله تعالى-: (إنما العلم الرخصة من ثقة أما التشدد فيحسنه كل أحد)([7]) وهذه الكثرة غير نافعة:


ولو كان الكثيرُ يطيبُ كانتْ       مصاحبةُ الكثيرِ من الصوابِ


فدعْ عنك الكثيرَ فكم كثيرٍ         يُعاف وكم قليلٍ مستطابِ([8])


الاتجاه الثاني:


 وهو منهج التفريط المقابل للأول وهؤلاء بذريعة التجديد الفقهي وتجديد الخطاب الديني وتقديس المصلحة جعلوا الرأي مقدما على النص وجرؤوا الناس على محارم الله فجاءت أقوالهم بجواز ربا البنوك والفوائد المصرفية والتسوية بين الرجل والمرأة في التركات، ولا يستبعد في نمو هذا الاتجاه أن يكون بدوافع الضغوط السياسية وأعداء الإسلام ومحاولات تأويل النصوص بتأويلات باطله يقول الإمام النووي -رحمه الله تعالى-: (يحرم التساهل في الفتوى ومن عُرف به حرم استفتاؤه)([9])


ومن أمثلة ذلك أيضا صدور فتوى عن كل من المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، ومؤتمر رابطة علماء الشريعة بأمريكا الشمالية تبيح للمسلمين المقيمين بأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية الاقتراض بالربا لشراء مساكن([10]) اعتمادا على فتوى منسوبة للإمام أبي حنيفة أخذا برواية مكحول عن النبي -صلى الله عليه وسلم- (لا ربا بين المسلمين وأهل الحرب في دار الحرب) وهي رواية ضعيفة ولا تصح([11]).


ومن أمثلة المنهج التفريط في الفتوى كذلك الفتوى التي تنص على أن


الربا لا يتحقق في النقود الورقية وقد صدرت عن دار الإفتاء المصرية وذلك لأن النقود الورقية بعد عام (1973م) عندما لم ترتبط بالرصيد الذهبي المقابل لها أصبحت كأي سلعة لا يجري فيها الربا فالربا يجري في النقود الذهبية والفضية([12])، وقد بين مجلس المجمع الفقهي الإسلامي بطلان هذه الفتوى فقالوا:


بما أن العملة الورقية قد أصبحت ثمنا وقامت مقام الذهب والفضة في التعامل بها وبها تُقَوَّم الأشياء في هذا العصر -لاختفاء التعامل بالذهب والفضة- وتطمئن النفوس وتمولها وادخارها ويحصل الوفاء والإبرام العام بها رغم انها ليست في ذاتها وإنما في أمر خارج عنها وهو حصول الثقة بها كوسيط في التداول والتبادل، وذلك هو سر مناطها بالثمنية وحيث إن التحقيق في علة جريان الربا في الذهب والفضة هو مطلق الثمنية وهي متحققة في العملة الورقية لذلك كله فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي يقرر أن العملة الورقية نقد قائم بذاته له حكم النقدين من الذهب والفضة فتجب الزكاة فيهما ويجري عليها الربا بنوعيه فضلا ونسيئة كما يجري ذلك في النقدين من الذهب والفضة.([13])


لقد أدرك العلماء واحسوا بخطورة منصب الإفتاء في وقت مبكر فيمن يتولى منصب الإفتاء وهو لا يستحقه فنبهوا عليه وحذروا من تسوره وجعلوا من واجبات الإمام والسلطان رقابة هذا المنصب الخطير، وجعلوه لا يقل عن خطورة المتطبب الجاهل فهذا يفسد الأبدان وذاك الأديان حتى إن الإمام أبا حنيفة -رحمه الله تعالى- يرى عدم الحجر على الحر العاقل البالغ بسبب السفه المالي ونحوه ولكنه يرى الحجر على المفتي الماجن([14])، لما يترتب على ضرره العظيم في دين الناس ودنياهم وقال الخطيب البغدادي: (ينبغي لإمام المسلمين أن يتصفح أحوال المفتين، فمن كان يصلح للفتوى أقره عليها، ومن لم يكن من أهلها منعه منها، وتقدم إليه بألّا يتعرض لها وأوعده بالعقوبة إن لم ينته عنها)([15])


ويقول الإمام الماوردي في كتابه الأحكام السلطانية: (وإذا وجد من يتصدى لعلم الشرع وليس من أهله من فقيه أو واعظ ولم يؤمن اغترار الناس به في سوء تأويل، أو تحريف جواب أنكر عليه التصدي لما هو ليس من أهله وأظهر أمره لئلا يُغتر به)([16])


والاتجاه الثالث في الفتوى هو المنهج الوسطي:


وهو كالفضائل بين طرفي نقص التفريط وغلو الإفراط ومن الطريف أن الإمام أبا إسحاق الشاطبي -رحمه الله تعالى- عبر عن هذا الأمر بقوله:


المفتي البالغ ذروة درجة الاجتهاد هو الذي يحمل الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور، فلا يذهب بهم مذهب الشدة، ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال، والدليل على صحة هذا أنه الصراط المستقيم الذي جاءت به الشريعة، فإنه قد مرَّ أن مقصد الشارع من المكلف الحمل على التوسط من غير إفراط ولا تفريط، فإذا خرج عن ذلك في المستفتين خرج عن قصد الشارع ولذلك كان ما خرج عن المذهب الوسط مذموما عند العلماء الراسخين، وأيضا فإن هذا المذهب كان المفهوم من شأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه الأكرمين، وقد رد عليه الصلاة والسلام التبتل([17])، وقال لمعاذ لما أطال بالناس في الصلاة: (أفتان أنت يا معاذ)([18]) وقال: (إن منكم منفرين)([19])، وقال: (سددوا وقاربوا واغدوا وروحوا وشيء من الدلجة والقصد القصد تبلغوا)([20])، وقال: (عليكم من العمل ما تطيقون؛ فإن الله لا يمل حتى تملوا)([21])، وقال: (أحب العمل إلى الله ما دام عليه صاحبه وإن قل)([22])، ورد عليهم الوصال([23])، وكثير من هذا، وأيضا فإن الخروج إلى الأطراف خارج عن العدل، ولا تقوم به مصلحة الخلق، أما في طرف التشديد؛ فإنه مهلكة، وأما في طرف الانحلال؛ فكذلك أيضا؛ لأن المستفتي إذا ذهب به مذهب العنت والحرج بغض إليه الدين، وأدى إلى الانقطاع عن سلوك طريق الآخرة، وهو مشاهد؛ وأما إذا ذهب به مذهب الانحلال كان مظنة للمشي مع الهوى والشهوة، والشرع إنما جاء بالنهي عن الهوى، واتباع الهوى مهلك)([24]).


وهذا المنهج الحق في الفتوى يستضيء بهدى الشرع في بيان الأحكام الشرعية الموصلة إلى الغايات الحميدة والسبل الرشيدة والسديدة يقول الشيخ مصطفى الزرقا: (فالحقيقة ان الأحكام الشرعية التي تتبدل بتبدل الزمان مهما تغيرت باختلاف الزمن فإن المبدأ الشرعي فيها واحد، وهو إحقاق الحق وجلب المصالح ودرء المفاسد، وليس تبدل الأحكام إلا تبدل الوسائل والأساليب في الغالب لم تحددها الشريعة الإسلامية، بل تركتها مطلقة لكي يختار منها في كل زمان ما هو أصلح في التنظيم نتاجا وأنجح في التقويم علاجا).([25])


 


ـــــــــــــــــ


([1]) الفروق للقرافي: 1/176-177.


([2]) صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب من لم ير الوساوس، رقم الحديث (2057).


([3]) ينظر: البجيرمي على الإقناع: 4/251، والمقنع: 3/541، وبدائع الصنائع: 5/46، وجواهر الإكليل: 1/212.


([4]) ينظر: مسند الإمام أحمد: 14/140،485.


([5]) المؤنق في إباحة تحلي النساء بالذهب المحلَّق وغير المحلَّق لمصطفى بن العدوي:32.


([6]) إغاثة اللهفان لابن القيم: 1/330-331.


([7]) المجموع شرح المهذب للنووي: 1/81.


([8]) ديوان ابن الرومي: 1/231-232، تحقيق الدكتور حسين نصار.


([9]) المجموع شرح المهذب للنووي: 1/80.


([10]) ينظر: الفتاوى الشاذة وخطرها. د. علي أحمد السالوس: 7.


([11]) ينظر: نصب الراية للزيلعي: 4/44.


([12]) ينظر: الفتاوى الشاذة وخطرها. د. علي أحمد السالوس: 9.


([13]) ينطر: مجلة البحوث الإسلامية:31/373.


([14]) ينظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني: 7/169.


([15]) الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي: 2/324.


([16]) الأحكام السلطانية للماوردي: 361-362.


([17]) وهو حديث البخاري المروي عن الزهري، أنه (سمع سعيد بن المسيّب يقول: سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: ردَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على عثمان بن مظعون التبتُّل، ولو أذن له لاختصينا) صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب ما يكره من التبتل والاختصاء، رقم الحديث(5073).


([18]) صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب من شكا إمامه إذا طوّل، رقم الحديث (705).


([19]) صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب تخفيف الإمام في القيام، رقم الحديث (702).


([20]) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب القصد والمداومة على العمل، رقم الحديث (6463).


([21]) صحيح البخاري، باب التهجد بالليل، باب ما يكره من التشدد في العبادة، رقم الحديث (1151).


([22]) صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب صيام النبي –صلى الله عليه وسلم- في غير رمضان، رقم الحديث (782).


([23]) صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب الوصال، رقم الحديث (1962)، و(1964)، و(1965).


([24]) الموافقات للشاطبي: 5/346-348، تحقيق الدكتور الحسين آيت سعيد، ط قطر.


([25]) المدخل الفقهي العام: 2/925.


أضف تعليق