هيئة علماء المسلمين في العراق

التقرير السنوي لحالة حقوق الإنسان في العراق (نيسان 2017 – نيسان 2018) ـ الجزء الثاني
التقرير السنوي لحالة حقوق الإنسان في العراق (نيسان 2017 – نيسان 2018) ـ الجزء الثاني التقرير السنوي لحالة حقوق الإنسان في العراق  (نيسان 2017 – نيسان 2018) ـ الجزء الثاني

التقرير السنوي لحالة حقوق الإنسان في العراق (نيسان 2017 – نيسان 2018) ـ الجزء الثاني

 التقرير السنوي لحالة حقوق الإنسان في العراق


(نيسان 2017 – نيسان 2018)


إعداد


قسم حقوق الإنسان في هيئة علماء المسلمين في العراق


الجزء الثاني 


ارتفاع معدل عمالة الأطفال في العراق


في مؤشر آخر على إهمال الحكومة في العراق فئة الأطفال، الذين يمثلون الشريحة الأهم في المجتمع؛ لا يزال ﻋﺪﺩ ﺍﻷﻃﻔﺎﻝ ﺍﻟﻌﺎﻣﻠﻴﻦ ﻓﻲ العراق بازدياد مستمر بسبب ارتفاع معدلات ﺍﻟﻔﻘﺮ والبطالة ﻭﺳﻮﺀ الأوضاع ﺍﻟﻌﺎمة التي تعد من الأسباب الرئيسة لهذه الظاهرة السلبية، التي سجلت حضورها الأكبر هذا العام، ﻭﺑﺮﻏﻢ ﻋﺪﻡ ﻭﺟﻮﺩ ﺇﺣﺼﺎﺋﻴﺎﺕ ﺩﻗﻴﻘﺔ ﻋﻦ ﻋﺪﺩ ﺍﻷﻃﻔﺎﻝ ﺍﻟﻌﺎﻣﻠﻴﻦ، ﺇﻻ ﺃﻥ ﻣﻨﻈﻤﺔ (ﺍﻟﻴﻮﻧﻴﺴﻴﻒ) وصفت ارتفاع معدل ﻋﻤﺎﻟﺔ ﺍﻷﻃﻔﺎﻝ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺮﺍﻕ دون 15 ﻋﺎﻣًﺎ، بالنسب المرعبة، وقد أدت العمليات العسكرية وموجات النزوح والنزوح المتكرر، فضلًا عن منع الحكومة أهالي عدة مناطق من العودة إلى ديارهم؛ إلى ارتفاع ملحوظ في معدلات الفقر في العراق خلال السنوات الأربع الماضية؛ الأمر الذي أدى إلى زيادة مرعبة في نسبة عمالة الأطفال دون سن 15 سنة.


وأفاد تقرير مشترك صادر عن برنامج الأغذية العالمي والحكومة في العراق، بتأريخ 10/4/2017، أن نحو 75 % من الأطفال دون سن 15 عامًا يعملون لمساعدة أسرهم في توفير الطعام بدلًا من الذهاب إلى المدرسة، ويفتقر 3.5 مليون طفل في سن الدراسة إلى التعليم، ليصبحوا أكثر عرضة لعمالة الأطفال والتجنيد من قبل الجماعات المسلحة، وتلخص لنا حكاية الطفل (أمجد سعد)، 13 عامًا، واقع مئات الآلاف من أقرانه الذين دفعهم النزوح مع عائلاتهم للعمل في أعمال شاقة وخطرة طلبًا للقمة العيش، بعد أن حُرموا من الأب والمعيل، حيث تحوّل الأهالي في المناطق المتضررة من أصحاب حق إلى أصحاب حاجة.


ولم يكن حال هذا الطفل وأترابه قبل ثلاثة أعوام ونصف العام هكذا؛ فأسرته كانت تقيم في منطقة (يثرب) جنوبي سامراء وتعيش وسط بستان كبير تمتلكه، لكن القصف العنيف وانتشار مشاهد القتل والدمار دفعت هذه العائلة للهروب بحياتها -كحال مئات آلاف العائلات الأخرى- لتكون بداية رحلة شقاء. وترك أمجد المدرسة بسبب ما تعرضوا له أثناء النزوح وما يعايشونه خلال حياة التشرد في ظل الإهمال الحكومي لقضية النازحين في البلاد، ويقول إن أسرته ليس لها معيل سواه بعد أن فقد والده أثناء رحلة الهروب، ولم يبقَ إلا هو وشقيقه الأكبر، 15 عامًا، كي يتدبرا مصاريف أمهما وأخواتهما الثلاث.


أوضاع الأقليات


مئات آلاف المسيحيين هم من بين ما يقارب خمسة ملايين مهاجر تركوا العراق منذ الاحتلال الأمريكي واستفحال الميليشيات الطائفية في البلاد


لا يزال من بقي في العراق من الأقليات (المسيحيون والتركمان والشبك والصابئة المندائيون واليزيديون وغيرهم)، يرزحون تحت وطأة الانتهاكات الفظيعة في ظل حكومات الاحتلال المتعاقبة في العراق، الذي يشهد انتكاسات كثيرة متتالية وخطيرة في مبادئ القانون الدولي الإنساني منذ 2003 وحتى اليوم؛ حيث يجري تنفيذ مخططات خارجية تبنَّت تهجير وقتل ومحاربة مكونات الشعب المهمشة سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، ومحاربتها بوجودها وبمعيشتها وممتلكاتها، ومن بينها الأقليات في البلاد، ولا سيما المسيحيون الذين باتوا يشكلون أقل من 1% من سكان العراق بعد أن كانوا نحو 4% قبل الاحتلال الأميركي عام 2003.


إذ كان هناك قرابة مليون مسيحي؛ هاجر قسم كبير منهم، بينما أُجبر آخرون على النزوح داخل وطنهم؛ إذ عانت البلاد خلال السنوات الأربع الماضية من تصاعد وتيرة العمليات العسكرية والعنف وما رافقها من موجات نزوح وما تخللها من الانتهاكات والفظائع التي ارتكبت بنطاق واسع غير مسبوق من قبل الميليشيات الطائفية، التي ارتكبت أبشع الجرائم ضد المدنيين في المناطق المستهدفة، ولا سيما الأقليات المجتمعية؛ الأمر الذي أدى إلى المزيد من التمييز والاضطهاد.


وقد أصبح العراق إبان الاحتلال دولة ميليشيات تمارس فيها أبشع الفظائع والانتهاكات بحق المدنيين العزل باسم الحرية والديمقراطية، وبعد دمج الميليشيات المدعومة من إيران بالجيش والشرطة، وتحول قوات الاحتلال الأمريكي إلى قوة جوية لخدمة الميليشيات الطائفية في العراق، وهذا باعتراف الجنرال (ديفيد بترايوس)، المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA)، الذي اعترف أيضًا بأن الميليشيات المدعومة من إيران، أصبحت هي القوة الأكبر في البلاد وانتشرت الانتهاكات ضد المدنيين دون حساب أو عقاب.


ولميليشيات (الحشد الشعبي) في العراق سجل حافل بانتهاكات ترقى إلى جرائم تطهير عرقي بحق (العرب السُنّة) و(الكُرد) في المدن التي تمت استعادة السيطرة عليها من تنظيم الدولة (داعش)، وذلك بحسب منظمات حقوقية محلية ودولية في مقدمتها الأمم المتحدة، التي طالما اتهمت ميليشيا الحشد بارتكاب جرائم عدة على خلفية طائفية ضد المدنيين خلال المدة ما بين 2014 و2017، تنوعت بين: التعذيب والإخفاء القسري وقتل مدنيين وأسرى تحت التعذيب، ناهيك عن عمليات نهب المدن والبلدات قبل حرق ونسف آلاف المنازل والمحال بها. ولم تسلم حتى المساجد من التدمير والحرق على أيدي ميليشيا الحشد، فضلًا عن تدمير قرى بالكامل، ومنع النازحين من العودة إلى مدنهم وقراهم بهدف تغيير التركيبة السكانية لتلك المدن،ومنذ ذلك الحين، هناك تدفق مستمر من التقارير عن الهجمات التي تنفذها الميليشيات الحكومية ضد الأقليات وتدمير منازلهم والاستيلاء على ممتلكاتهم. وقد نشرت مواقع تابعة للميليشيات نفسها صوراً لعشرات المنازل والممتلكات التي هدمتها واستولت عليها دون وجه حق، بحجة أن تقديس هذه المواقع هرطقة.


وتماهيًا مع منهج الإقصاء وتكريسًا لعدم قبول الآخرين، ودعوة صريحة لقتال المسيحيين والصابئة في العراق؛ قال رئيس الوقف الشيعي بالعراق علاء الموسوي، في إحدى محاضراته التي تناقلتها وسائل التواصل الاجتماعي في آذار 2017: ((إن المسحيين والصابئة كفار، ويجب قتالهم))؛ الأمر الذي أثار ردود فعل شعبية غاضبة على نطاق واسع، فضلًا عن ردود الفعل التي صرح بها ممثلو الطائفة المسيحية في العراق، إلى جانب ذلك؛ رفعت 180 عائلة مسيحية في بغداد دعوة قضائية ضد الموسوي، طالبوا فيها القضاء بمحاسبة رئيس ديوان الوقف الشيعي على تصريحاته، محذرين من تعرضهم لأي انتهاكات أو اضطهاد أو قتل من جرائها.


وجاء في الشكوى أن تصريحات رئيس الوقف الشيعي الحالي طائفية تمت بشق الصف وتمزيق اللحمة الوطنية ونسف مقتضيات السلم الاجتماعي بين مكونات الشعب العراقي، في كافة أديانه وأطيافه. وحملت الوثيقة الموسوي مسؤولية تعرض العوائل المسيحية في بغداد والمحافظات إلى أذى أو ترحيل قسري، مؤكدة أن المكوّن المسيحي مكوّن أصيل في العراق.


ويذكر أن الوقف الشيعي قد أصدر بيانًا بشأن الموضوع لم يشكك فيه بصحة المقطع المرئي الذي انتشر، مؤكدًا أنه كان درسًا ألقاه رئيس ديوان الوقف الشيعي قبل ثلاث سنين، لكن المقطع مجتزأ، ونفى أنه تضمن دعوة للقتال أو الاعتداء على أحد من أتباع الديانات الأخرى في البلاد.


وفي سياق الانفلات الأمني وانتشار مشاهد القتل في بغداد؛ ولا سيما مناطق شرقي العاصمة، التي تشهد عمليات تصفية منظمة لما تبقى من المسيحيين العراقيين في العاصمة؛ وقعت مجزرة وجريمة نكراء جديدة ارتكبتها عناصر مسلحة، وقعت مساء الخميس المصادف 8/3/2018، كان ضحيتها هذه المرة عائلة مسيحية بأكملها، والضحايا هم كل من: (الطبيب هشام شفيق مسكوني/ أخصائي الأشعة) وزوجته الطبيبة (شذى مالك دانو) والسيدة (خيرية داؤود) والدة الطبيبة (شذى)، تم قتلهم جميعًا بدم بارد بعد اقتحام منزلهم الواقع في منطقة حي البنوك، شرقي العاصمة بغداد، التي تسيطر عليها الميليشيات الطائفية بشكل كامل. 


ويضاف ضحايا هذه الجريمة إلى قائمة طويلة تضم آلاف المدنيين الذين قُتلوا خلال الأشهر الماضية بنيران الميليشيات الموالية للحكومة، وتندرج هذه الجريمة كذلك ضمن الجرائم التي تُنفذ في العراق منذ ٢٠٠٣، والتي تستهدف الأساتذة والكفاءات العلمية في البلد بهدف تفريغه من العقول وقتل العلماء الأكفاء المشهود لهم في مجال اختصاصهم.


وفي الشهر ذاته؛ اختُطف أحد أفراد جماعة الصابئة المندائيين من متجره وسط بغداد، وعُثر على جثته في وقت لاحق ملقاة في أحد الشوارع بمدينة الناصرية في جنوب البلاد. وتُتهم الميليشيات الطائفية في مثل هذه الجرائم التي شاعت في العراق بعد ظهور الجماعات المسلحة التابعة للأحزاب المتنفذة في البلاد منذ 2003.


وفي بيان لجانب من معاناة المسيحيين في بغداد؛ نذكر ما قاله لمندوب قسم حقوق الإنسان في الهيئة، المواطن (سامي) 22 عاما، الذي كان يسكن منطقة (البتاويين) في جانب الرصافة من بغداد، والآن هو مقيم مع عائلته في العاصمة الأردنية، وينتظرون اكتمال معاملة الهجرة إلى استراليا: كنت طالبًا في المرحلة الابتدائية عندما حُرمت من التعليم لأن عائلتي يخشون بطش الميليشيات، وسط انتشار العنف وانعدام الأمن في بغداد، إلى الحد الذي كان الخروج من بيوتنا غير ممكن، علمًا أن مدرستي لا تبعد عن بيتنا سوى دقائق معدودة للوصول إليها بالسيارة.


ترويع الأهالي والسيطرة على المدن


إمعانًا في منهج الإقصاء وسياسة التهميش والاستئثار في الحكم من قبل حكومات الاحتلال، ومحاولاتها المستمرة التنكر لحقيقة وجود الآخرين؛ تصاعدت في الربع الأخير من العام الماضي التوترات الطائفية والعرقية، وتنامت التهديدات الميليشياوية وفظائعها المرخصة من قبل الحكومة في بغداد والمدعومة إيرانيًا، ولا سيما بعد موضوع الاستفتاء في كردستان وتداعياته الخطيرة، حيث وقعت مواجهات دامية بين القوات الكردية من جهة وبين قوات الحكومة في بغداد والميليشيات التابعة لها من الجهة الأخرى، وقد أظهرت النتائج أن الهدف من تلك الهجمات كان السيطرة على المدن وقتل أو تهجير أهلها والاستفادة من الانتكاسات الأخيرة، التي عانى منها ساكنوا تلك المدن، وفتح الطريق لإعادة ترتيب التركيبة الديموغرافية في محافظات عراقية شمال البلاد وغربها وشرقها في نهاية المطاف. وقد حذر محللون غربيون من أن تصدر الميليشيات الطائفية زمام المبادرة في الحرب ضد تنظيم الدولة (داعش)؛ سيؤدي على نحو متزايد إلى هيمنة تلك الميليشيات التي تدعمها إيران على الساحة العسكرية في العراق؛ الأمر الذي سيتسبب في زيادة تعزيز قبضة إيران على الحكومة في العراق في الوقت الذي تبدو فيه طهران مستعدة لتحقيق انفراجة استراتيجية من خلال عقد الاتفاق النووي مع الغرب.


وقال المحلل الأميركي (كينيث بولاك): ((إن الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران تسيطر على قوات الأمن المختلفة في العراق، ولكن الحكومة في بغداد لا ترغب في الاعتراف بذلك، وغالبًا ما شكلت تلك الميليشيات العمود الفقري في هجمات القوات الحكومية في محافظات: الأنبار ونينوى وصلاح الدين)). وأضاف (بولاك): ((إن سكان تلك المحافظات يشعرون بالرعب إزاء التقارير التي تفيد بأن القوات والميليشيات الحكومية تقوم بعمليات تطهير عرقي وحشية في المناطق المستعادة، فضلًا عن ضلوع تلك القوات بفظائع ضد العراقيين طوال السنوات الأربع عشرة الماضية. وقد تم توثيق حالات وقضايا كثيرة قُتل فيها مئات المدنيين العزل برصاص الميليشيات الشيعية في قرى ومدن عراقية متعددة بمحافظات: بغداد وبابل وديالى والأنبار وصلاح الدين ونينوى وغيرها)).


قالت منظمة (هيومن رايتس ووتش) في 20/10/2017، إن المواجهات التي حصلت في 16 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، في قضاء (طوز خورماتو) المتعدد العرقيات بين قوات البيشمركة التابعة لحكومة كردستان وقوات تابعة للحكومة في بغداد، تسبب في مقتل (5) مدنيين على الأقل وجرح ما يقرب من (51) آخرين. وسمحت القوات الحكومية التي سيطرت على قضاء الطوز في وقت لاحق للمدنيين بنهب ممتلكات المواطنين دون عوائق طوال ثلاثة أيام على الأقل قبل التدخل.


إجبار آلاف العائلات على الفرار


قالت مصادر محليّة: إن ميليشيا (العصائب) هجّرت خلال يومي (12_13) تشرين الأول الماضي؛ سبعين عائلة كرديّة من قضاء (طوز خورماتو) بمحافظة صلاح الدين؛ تحت تهديد السلاح، في وقت شهد فيه القضاء توترًا متصاعدًا إثر مناوشات وقعت بين ميليشيات (الحشد) والبيشمركة، تلا ذلك نزوح عشرات العائلات من القضاء؛ بالتزامن مع قيام ميليشيات (الحشد) بحرق مقار عسكرية وتأزم الأوضاع الأمنية في كركوك، وسعي القوات الحكومية للسيطرة على حقول النفط، واستنفار القوات الكردية جراء ذلك.


وقالت منظمة (العفو الدولية) في 24/10/2017: هناك أدلة جديدة على إجبار عشرات الآلاف على الفرار من قضاء (طوزخورماتو) وسط هجمات عشوائية وعمليات نهب وسلب وإحراق للمنازل، وقد قام فريق تابع للمنظمة بتحليل صور للأقمار الصناعية وأشرطة فيديو وصور فوتوغرافية وعشرات الإفادات استهدفت عمليات النهب والسلب وإحراق البيوت وهدمها في المناطق ذات الأغلبية الكردية، التي جمعتها المنظمة، والتي أظهرت أن المدنيين أُجبروا على الفرار من بيوتهم عقب اندلاع اشتباكات شرسة بين قوات الحكومة في بغداد، مدعومة من ميليشيات (الحشد الشعبي)، وبين قوات (البيشمركة) الكردية في المدينة، في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2017.


ووثّقت المنظمة مقتل ما لا يقل عن (11) مدنيًا جراء الهجمات العشوائية من قبل الميليشيات الموالية للحكومة في بغداد، وفقًا لشهادات سكان محليين في المدينة، بينما نُهبت مئات العقارات وأضرمت النار فيها وتم تدميرها، فيما يبدو هجمات موجهة ضد المناطق ذات الأغلبية الكردية في المدينة. وفي هذا السياق، قالت (لين معلوف)، مديرة البحوث للشرق الأوسط في منظمة العفو الدولية: إن حياة أعداد لا تحصى من الرجال والنساء والأطفال قد دُمرت في (طوز خورماتو) خلال ساعات. وقد فقد الآلاف منازلهم وحوانيتهم، وكل ما يملكون. وهم الآن مشتتون في المخيمات والقرى والمدن القريبة، حائرين فيما إذا كانوا سيتمكنون من العودة إلى ديارهم. من جانبه؛ قال مصدر من مكتب حقوق الإنسان في قضاء (چمچمال) التابع لمحافظة السليمانية: إن نحو (5000) أسرة، أي حوالي (25000) شخص، وصلوا إلى القضاء في يوم واحد قادمين من مدينة كركوك وقضاء الطوز؛ خوفًا من بطش قوات جيش حكومة بغداد والميليشيات الموالية لها يوم الاثنين 16/10/2017. وذكر المكتب أن معظم الذين فرّوا من الأطفال. وقال المكتب: إن النازحين من كركوك بدأوا بالعودة إلى المدينة بعد مرور أيام قليلة على تركها؛ ولكن سيكون من الصعب على النازحين من قضاء الطوز العودة حيث أن المنطقة مازالت غير مستقرة، فضلًا عن حجم الدمار الذي لحق بمنازل المواطنين الأكراد.


سيرحلون في نهاية المطاف


وتحدث سكان محليون في المدينة كذلك عن تاريخ الاشتباكات والهجمات الانتقامية بين عدد من الأهالي في (طوز خورماتو)، التي كانت تخضع للسيطرة المشتركة لقوات البيشمركة وميليشيا الحشد وقوات الشرطة المحلية، إلى أن سيطرت عليها القوات الحكومية، بتأريخ 16 تشرين الأول الماضي. ووصف أشخاص بقوا في طوز خرماتو، وكذلك آخرون فروا منها ثم حاولوا العودة إليها، كيف أن القوات الحكومية، وكذلك ميليشيا الحشد الشعبي، ومقاتلين ومدنيين من التركمان، شاركوا جميعاً في عمليات واسعة النطاق لإحراق بيوت المدنيين ونهبها وهدمها.


وتحدث شهود عيان عن تلقي رسائل أو مكالمات هاتفية وجهت لهم فيها تهديدات. وذكر من عادوا لفترة وجيزة إلى المدينة أنهم رأوا أضراراً بالغة، وقد لحقت بالبيوت في حي الجمهورية وحي جميلة، اللذين تقطنهما أغلبية كردية. وتحققت منظمة العفو الدولية من الصور الفوتوغرافية وأشرطة الفيديو التي تلقتها من الشهود وتظهر هذه ما لحق ببيوت المدنيين وممتلكاتهم في طوزخورماتو من أضرار، ناهيك عن عمليات نهبها وإضرام النار فيها. ويتألف سكان المدينة، الذين يزيد عددهم على (100.000) نسمة، من عرقيات متعددة تشمل الأكراد والتركمان والعرب. وقد شهدت المدينة في ظل الاحتلال وحكوماته المتعاقبة، أشكالًا من الاشتباكات المتفرقة والعنف منذ 2003.


الأمم المتحدة تدعو الحكومة لحماية الأقليات


دعت الأمم المتحدة الحكومة في العراق لاتخاذ الخطوات اللازمة لدعم وحماية الأقليات، في أعقاب الأعمال الإجرامية والإرهابية الأخيرة التي استهدفت الأقليات في البلاد، وحثتها على إعادتهم إلى مناطقهم بأقرب وقت ممكن، جاء ذلك على لسانالممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق، (يان كوبيش)، الذي أكد في  12 آذار/مارس 2018، على ضرورة اتخاذ الحكومة خطوات حقيقية وفاعلة لدعم مقومات حماية هذه المجتمعات المهمشة والضعيفة، لضمان عودتهم إلى ديارهم، وعدم تهجيرهم مستقبلًا، وحث المرجعية في النجف على الدفاع عن المواطنين الضعفاء في البلاد.


في السنوات الثلاث الأخيرة، عانى المسيحيون تحت حكم تنظيم الدولة، ولا سيما في محافظة نينوى، ولكن معاناة المسيحيين من الأعمال الإجرامية والاضطهاد في أجزاء أخرى من البلاد أكبر، بما في ذلك العاصمة بغداد، حيث يتم تصفية المسيحيين جسديًا وسرقة أموالهم وممتلكاتهم وتزوير المعاملات العقارية لشراء منازلهم بالباطل؛ وفي الماضي القريب قُتلت عائلة مسيحية كاملة متكونة من ثلاثة أفراد تسكن منطقة تسيطر عليها الميليشيات الطائفية بشكل كامل، شرقي العاصمة بغداد، لقوا حتفهم جميعًا بعد اقتحام رجال مسلحون منزلهم وقاموا بقتلهم.


وبعد أقل من أسبوع على حادثة مقتل العائلة المسيحية، اختُطف أحد أفراد جماعة صابئة المندائيين من متجره وسط بغداد، وعُثر على جثته في وقت لاحق في أحد الشوارع. وفي الناصرية بالجنوب، وسط استمرار المحاولات لطرد الأقليات من البلاد في ظل حكومات الاحتلال، وهذا ما أكده تقرير جديد لجمعية حقوق الإنسان العراقية بشأن الأقليات في البلاد، مثل المسيحيين واليزيديين والصابئة وغيرهم، حيث قالت الجمعية: إن الأقليات في العراق اليوم هم ضحايا "الإبادة الجماعية البطيئة"؛ إذ يجري تصفية تلك المجتمعات القديمة إلى حد اختفائها، ووفقاً للتقرير، فإن 81٪ من المسيحيين في العراق قد تركوا العراق وهاجروا إلى بلدان أمريكا وأوروبا. وإن 94٪ من الصابئة اختفوا من العراق. ونحو 18٪ من اليزيديين غادروا البلاد.


وبدأت قرى مسيحية قليلة في عملية إعادة الإعمار بتمويل من منظمات الإغاثة الدولية والمساعدات القادمة من الخارج، مع وجود احتمالية النزوح المتكرر التي ما تزال قائمة وسط إطلاق وعود كاذبة بمساعدة هؤلاء المسيحيين من قبل هذا المسؤول أو ذاك، ولا سيما أنهم لم يلمسوا خطوات جدية حتى الآن، وظلت الوعود مجرد كلمات.


عودة محفوفة بالمخاطر والمخاوف


وعانى المسيحيون واليزيديون، من أحداث إساءة معاملة وتشريد تحت حكم (تنظيم الدولة) في العراق، الذي استولى على مناطق واسعة من البلاد بعد انسحاب الجيش الحكومي منها،واستمرت معاناتهم أثناء العمليات العسكرية وما رافقها من قصف عنيف واستخدام الأسلحة المحرمة دوليًا في مناطقهم. وما يزال عدد منهم في مخيمات مهملة، لكنهم يخشون العودة بسبب المخاطر الأمنية في الأحياء التي فروا منها بعد سيطرة الميليشيات الموالية للحكومة عليها بشكل كامل.


ومع سعيهم للتعافي من آثار القتل والدمار والنزوح، لا يزال مستقبل الأقليات في العراق محفوفًا بالمخاوف، لا سيما مع استمرار الشيعة في الاستحواذ على السلطة في البلاد؛ الأمر الذي يعيق إعادة بناء دولة يمكنها حماية وإدماج الطوائف الدينية والعرقية التي ساعدت في تشكيل شخصية العراق لآلاف السنين.


صراعات داخلية تفرضها العملية السياسية


من بين المخاطر الأخرى التي تهدد وجود الأقليات في العراق، والتي فرضتها العملية السياسية، هي: الصراعات الداخلية بين مجموعات الأقليات أنفسهم، مثل الاحتكاك بين الشبك والمسيحيين في مناطق سهل نينوى منذ العام 2012؛ مما جعل التعايش بينهم صعبًا، بعد أن أقحمتهم سياسات الحكومة في دوامة الصراع من أجل البقاء، وقد باءت جميع محاولات التقريب بالفشل، في ظل تبني الحكومة مواقف إقصائية تجاه الأقليات في العراق تحول دون وصولهم إلى آلية للخلاص من الاضطهاد الذي يتعرضون له على أيدي الميليشيات التابعة للحكومة، في ظل الفوضى العارمة وغياب القانون الذي تعيشه البلاد. فضلًا عن دخول مجموعات من الشبك والمسيحيين في ميليشيات (الحشد الشعبي)؛ الأمر الذي ولد نزاعات وصراعات بينية بين هذه الأطراف.


الخدمات والبنى التحتية والفساد المالي والإداري


حمام الدم واستراتيجية التدمير؛ هذا هو الخيار الوحيد الذي قررت الحكومة في بغداد اعتماده لاستعادة المناطق التي سيطر عليها تنظيم الدولة بعد انسحاب الجيش الحكومي، وترك المدن ومن فيها فريسة سهلة لمقاتليه، وتنقل لنا آلاف الصور والمقاطع المصورة من البر والجو، فضلًا عن شهادات آلاف الأهالي في المناطق المستهدفة، الذين حالفهم الحظ وبقوا على قيد الحياة، والذين شهدوا المأساة التي حلت بديارهم من جرّاء حرب ضروس لم تبقِ ولم تذر، دفع المدنيون -وما زالوا يدفعون- ثمنًا باهظًا للحرب التي يبدو أنها انتهت؛ ولكن من المؤكد أن ما خلفته من خراب غير مسبوق ما زال شاهدًا على الاستخدام المفرط للقوة ضد المدنيين والبنى التحتية في المدن المستهدفة بالحرب على الإرهاب المزعوم، التي شاركت فيها معظم الدول المتنفذة في العالم ضمن التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، والتي وصفت بالحرب الأقل شفافية في التأريخ الأمريكي الحديث. وبحسب التقديرات؛ فقد نفذت الطائرات الحربية للتحالف خلال الأشهر الاثني عشر الماضية نحو (40 ألف) ضربة جوية على مدن عراقية ولا سيما مدينة الموصل؛ ألقيت خلالها ما لا يقل عن (250 ألف) قذيفة وصاروخ، معظمها من النوع الثقيل المحرم استخدامه دوليًا في المناطق الآهلة بالسكان.


وتقدر التكلفة المادية للأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والخسائر الاقتصادية في الحرب الدائرة في العراق منذ أربع سنوات بأكثر من مائة مليار دولار حتى الآن، وفقًا لتقارير أولية تسلط الضوء على الجهد اللازم لإعادة بناء البلاد، حيث يعاني نحو نصف السكان من تبعات الحرب، التيقتلت عشرات الآلاف من المدنيين، وشردت أكثر من 5.75 مليون شخص، فضلًا عن التحديات الكبيرة التي باتت تواجه المدن المستعادة، بوجود كميّات هائلة من الأنقاض -أكثر من ثمانية ملايين طن من الأنقاض- الناجمة عن التدمير الواسع بسبب القصف الذي تعرّضت له، لا سيما مع اختلاطها بالمواد غير المنفجرة والجثث التي ما تزال عالقة فيها ولم يتم انتشالها حتى الآن، كما أكد ذلكبرنامج البيئة التابع للأمم المتحدة. وقد تسببت الحرب في كوارث إنسانية غير مسبوقة في بلد يمتلك أكبر احتياطي من النفط والغاز في العالم بعد السعودية وروسيا على التوالي، ويُقدّر فيه الناتج المحلي الإجمالي للفرد بمبلغ (10 آلاف) دولار أمريكي، بحسب تقديرات البنك الدولي في 2013.


وتضمنت التقارير الأولية لتقييم الأضرار والاحتياجات نتائج جزئية، تتطور مع مرور الزمن مع توسيع عمليات الكشف على الأضرار، ولا سيما أن العمليات العسكرية لا تزال مستمرة في بعض المناطق، وقد أظهرت عمليات مسح أجرتها وكالات إخبارية غربية،بناءً على تقارير حقوقية أممية ودولية بالشأن ذاته، أنه ما لا يقل عن (170 ألف) منزل تعرض خلال الحرب للأضرار بشكل كلّي أو جزئي في المناطق المستعادة، إلى جانب نحو (45 ألف) مجمع ومحل تجاري خاص طالها القصف المدمر، فضلًا عن حوالي 300 كم من شبكة الطرق في المحافظات المستهدفة وعشرات الجسور والقناطر، ناهيك عن نحو مائة مسجد وما لا يقل عن 12 دار عبادة، إلى جانب عدد من محطات تحلية وتوزيع المياه ومنشآت توليد الطاقة أو نقلها التي طالها القصف في المحافظات المستعادة، معظمها أضحت تالفة وتحتاج إلى إصلاح كامل.


وعلى الرغم من مرور أكثر من ثمانية أشهر على انتهاء الحرب في الموصل؛ لا يزال الاستقرار هشًا في الجانب الشرقي منها حيث أصبحت الأحياء السكنية هناك مسرحًا للجريمة المنظمة والخطف والابتزاز من قبل القوات الحكومية والميليشيات الموالية لها، ويُزاد على ذلك ضعف تمويل الواردات، خاصة الغذاء والوقود، واستغلال الفوضى من قبل الأجهزة الحكومية في تنوع أشكال الفساد وصوره، الذي يتحمل فاتورته المواطن البسيط، ناهيك عن إساءة استخدام أموال الدولة.


والمثير للريبة؛ أنه على الرغم من التكلفة الباهظة لحرب استعادة المدن التي كانت تحت سيطرة تنظيم الدولة، إلا أننا لم نسمع بإجراءات حكومية لفتح التحقيق في الهجمات الجوية للقوات التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية في العراق، ولا سيما التي أصابت المدارس والمستشفيات والمساجد، ولم يتم تشكيل أي هيئة أو لجنة للنظر في سقوط آلاف الضحايا من المدنيين.


الأموال "المهدورة" بلغت 1126 مليار دولار


في 29 آذار المنصرم؛ قالت اللجنة البرلمانية الحالية،في تصريح أدلى به عضو اللجنة رحيم الدراجي، نشر في أكثر وسائل الإعلام المحلية: إن مجموع الأموال العامة "المهدورة" منذ 2003 لغاية الآن؛بلغت 1126 مليار دولار، مؤكدًا أنه بسبب هدر تلك الأموال لم تكن هناك أي مشاريع جديدة في العراق،فيما أشارت اللجنة إلى أن مصادر القرار السياسي الحالية غير مؤهلة لبناء اقتصاد وطني، وأنهم يمارسون سرقة المال بطرق قانونية تم وضعها لتبرير عمليات نهب الأموال العامة، موضحة أن منهجية عدم المعرفة وغياب التخطيط؛ أدى إلى ضياع هذه الأموال الهائلة، وأن العقلية الموجودة الآن في سدة الحكم لا تصلح لإدارة البلد.


 والفساد في العراق يغرق البلاد من عقد ونصف، واحتل البلد مجدداً المراتب الأولى في الفساد بين دول العالم؛ فالعراق هو البلد الثامن عشر الأكثر فسادًا في العالم عام 2017، وفقًا لمنظمة الشفافية الدولية، مع ميزانيات سنوية على مدى 15 سنة من القهر والسخط، تقدر بأكثر من 1000 مليار دولار أتى الفساد على نصفها، ويقدر حجم الفساد في وزارة الدفاع لوحدها بعشرات المليارات من الدولارات، حيث بلغ حجم الانفاق في الوزارة ما مجموعه 179 مليار دولار، أتت صفقات الأسلحة الفاسدة وعشرات آلاف الوظائف الوهمية على نحو الثلث. وقد طال الفساد قطاعات الصحة والتعليم والإسكان؛ الأمر الذي أثر كثيرًا على نمط العيش بالنسبة لفئات وشرائح واسعة في المجتمع العراقي، ناهيك عن حجم الفساد في قطاع النفط وآثاره السلبية على حياة المواطنين واقتصاد البلاد على حد سواء؛ فعلى الرغم من أن العراق يصدر النفط الخام، لكنه يستورد كل شيء.


وقد تسبب قرار سلطة الاحتلال رقم 38 لعام 2003 بتعطيل النظام الاقتصادي المحلي والقضاء على ما يقارب من 90% من الصناعات المحلية لتكون عاجزة أمام منافسة السلع المستوردة، إلى جانب أكثر من (13000) معمل متوقف عن العمل، ليكون اعتماد العراق في دخله على النفط بنسبة 95% بدلًا عن 51% قبل العام 2003، وقد بلغت إيرادات العراق من بيع النفط خلال السنوات الخمس عشرة الماضية بنحو 700 مليار دولار أهدرت الحكومات المتعاقبة ما نسبته 70%  منها في استيراد المحروقات والسلع والمواد الغذائية، حتى بلغت تقديرات تكاليف استيراد المنتوجات النفطية المستوردة بأكثر من 60 مليار دولار، إلى جانب استيراد الاستشارات القانونية والخدمات الطبية للقطاع الحكومي والأفراد بنسبة 30 %، أما في قطاع الزراعة؛ فقد تراجع العراق من حالة الاكتفاء الذاتي عام 2002، إلى استيراد 75% من الاحتياجات، مع تضاؤل مساحة الأراضي الصالحة للزراعة من نحو 50 مليون دونم قبل العام 2003، إلى أقل من 12 مليون دونم العام الحالي، وفق وزارة الزراعة في الحكومة الحالية.


وبشأن مشكلات العراق في مجال الطاقة الكهربائية؛ فإن ما يقارب 80% من محطات انتاج الطاقة الكهربائية في العراق لا تعمل، وقطاع الكهرباء في مرحلة انهيار مستمر بسبب غياب الاستراتيجية للنهوض وانعدام التخطيط الحكومي، فضلًا عن الفساد المتجذر في جميع مفاصل الحكومة والفشل الذريع في إدارة الأزمة. يحتاج العراق اليوم إلى أكثر من 24000 ميغاواط من الطاقة الكهربائية إلا أن انتاج المنظومة الحالية لا يتجاوز 10000 ميغا واط، فُقد منها خلال السنوات الأخيرة نحو 6000 ميغاواط بسبب الفساد المتجذر في وزارة الكهرباء التي انفقت خلال السنوات الخمس عشرة الماضية ما يزيد على 46 مليار دولار بحجة اصلاح المحطات الكهربائية وزيادة طاقتها دون أي تقدم ذكر، وتقدر حجم الخسائر الاقتصادية من جراء أزمة الكهرباء بالبلاد بأكثر من 300 مليار دولار، ناهيك عن هدر المليارات سنويًا في سبيل شراء الطاقة الكهربائية من إيران، ومع أن حجم الفساد في وزارة الكهرباء هو الأكبر في العراق؛ ولكن حتى الآن لم يتم مساءلة مسؤول فضلًا عن محاسبته بشأن هذه القضية الاستراتيجية التي تمس حياة المواطن بشكل مباشر.


وقد طالت عمليات النهب كميات كبيرة من الآثار، فضلًا عن تفشي ظاهرة بيع المناصب؛ وملفات الفساد الأخرى في العراق في ظل حكومات الاحتلال أكثر من أن تحصى؛ كل هذا يجري بحماية الميليشيات الحزبية والطائفية السياسية، وراح المالكي وجاء العبادي ولم يستطع العراقيون التخلص من الفساد.


انتشار المخدرات في العراق


بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003 تمت إزالة حكم الإعدام بحق مروجي المخدرات، وشهدت مدن العراق، ولا سيما البصرة وبغداد والعمارة، في ظل الفوضى وغياب القانون، زيادة في تهريب وبيع المخدرات، بما في ذلك عمليات تهريب جديدة شملت مادتي (الحشيش والميثامفيتامين)،وهما مادة بلورية بيضاء تنتج في إيران، ويتم تناولهما عن طريق الاستنشاق أو التدخين أو الحقن. كما ازدهرت تجارة المخدرات في البلاد بعد الاحتلال بسبب الفساد المستشري في أوساط قوات حرس الحدود، حيث يتم إدخال كميات ضخمة من المخدرات بالاتفاق مع المسؤولين في ظل الإفلات من العقاب والتواطؤ الرسمي الواضح للعيان. وتقع مدينة البصرة في صدارة ارتفاع مبيعات المخدرات وتعاطيها على مستوى البلاد، حيث تضاعف عدد حالات الاعتقال منذ أواخر عام 2014 مقارنة بالسنوات العشر السابقة، كما قال أحد كبار ضباط الشرطة في إدارة مكافحة المخدرات في المحافظة لوكالة أسوشييتد برس، ويلقي المسؤولون الحكوميون والناشطون اللوم على حالة الفوضى التي تسود المعابر والنقاط الأمنية على حدود العراق، التي يسهل اختراقها، ويعد الفساد والبطالة وغياب الرادع الأمني كأبرز أسباب هذه الزيادة.


مراقبون: لم تكتفِ إيران بالسيطرة على العواصم العربية عسكريًا؛ فراحت تسعى لسرقة الشباب بهدف حرمان الدول العربية من جميع مقومات القوة


وقال الدكتور عماد عبد الرزاق، أحد مستشاري وزارة الصحة لشؤون الصحة النفسية، إن المشكلة على مستوى البلاد منخفضة مقارنة بالدول المجاورة، إلا أنها آخذة بالتوسع بنمط مخيف، وأضاف: التقارير التي لدينا تشير إلى أن هناك زيادة ملحوظة في الترويج والتعاطي على حد سواء.


وتقع البصرة على الحدود مع إيران والكويت، وتعد المدينة منفذ العراق الوحيد إلى الخليج العربي، الذي تدخل منه البضائع التجارية إلى البلاد، مما يجعلها أكثر عرضة للتهريب. حيث يتم تهريب كميات كبيرة من المخدرات في حاويات البضائع في موانئ البصرة ومعابر الحدود، وتظل عمليات ضبط الشحنات محدودة في ظل التهاون الحكومي في محاسبة ومعاقبة المرتكبين.


لا توجد مراكز إعادة تأهيل المدمنين


على الرغم من ارتفاع معدلات تعاطي المخدرات إلى نسب غير مسبوقة وصلت إلى أكثر من 7% وفق الإحصاءات الرسمية؛ إلا أن العراق يفتقر إلى مراكز إعادة تأهيل متخصصة للتعامل مع الأشخاص المدمنين، ولا تتوفر الأدوية اللازمة لعلاج مثل هذه الحالات التي تتزايد أعدادها يومًا بعد يوم، فضلًا عن أن البلد يعاني في ظل حكومات الاحتلال من نقص حاد في الأطباء والأخصائيين الاجتماعيين. وقال رئيس قسم الطب النفسي في مستشفى البصرة العام، الدكتور عقيل الصباغ إنه يعتقد أن الإحصاءات الرسمية حول تعاطي المخدرات لا تعكس الواقع في المحافظة. وقال: عندما نحاول التحدث إلى المدمنين لنسأل حول وجود أشخاص آخرين يعرفونهم، فإننا نشعر بأن هناك مناطق كاملة تعاني من هذه الآفة. وقال الصباغ: أنصح المرضى بالبحث عن العلاج في الخارج في بلدان مثل الأردن ومصر؛ لعدم وجود مراكز تأهيل في البلاد فضلًا عن النقص الحاد في الكوادر الطبية والأدوية الضرورية.


وأضاف الصباغ: كان المقرر أن يتم في أوائل هذا العام، افتتاح أول مركز متخصص في الصحة النفسية وإعادة التأهيل في العراق، ويكون في البصرة، مع حوالي 40 سريراً، بعد المطالبات التي استمرت لسنوات بضرورة فتح مثل هذا المرفق. ولكننا لم نحصل على موافقة السلطات على توظيف أطباء وأطباء نفسيين من مصر لعلاج المرضى وتدريب الكوادر من العراقيين.


وقال الدكتور نزهت نجم، وهو أحد الأطباء في مستشفى البصرة العام: إن مادة (الميث)، الاسم المصغر لمادة (الميثامفيتامين الكريستالية) المصنعة في إيران؛ هي أكثر أنواع المخدرات انتشارًا في محافظة البصرة، حيث 60% من نسبة التعاطي في البلاد، يتبعها مادتا (الترامادول) و(الحشيش). وأوضح نجم أن الفئة العمرية الأكثر تضررًا هم الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و 30 عامًا، بينهم 12 % نساء.


في ظل حكومات الاحتلال؛ بغداد الأسوأ عالميًا


في أحدث مسح سنوي أجرته (شركة ميرسر للاستشارات)، في آذار الماضي، لا تزال العاصمة العراقية بغداد المدينة الأسوأ في العالم من حيث نوعية الحياة ونمط المعيشة، ويشمل المسح 231 مدينة من جميع أنحاء العالم، وفق معايير: الاستقرار السياسي وتأمين الرعاية الصحية ومستوى التعليم ومعدل الجريمة ووسائط الترفيه ووسائل النقل، وكانت بغداد في أسفل القائمة منذ عقد من الزمان؛ من جراء حالة الفوضى السياسية التي تعيشها البلاد، واستمرار الحروب وموجات النزوح وتأجيج العنف الطائفي منذ الغزو عام 2003.


محاولة أخرى محكوم عليها بالفشل لإنقاذ البنية التحتية


رغم مرورأكثر من ثمانية أشهر على انتهاء الحرب في الموصل؛ لا تزال هناك أكثر من ثمانية ملايين طن من الأنقاض وأكوام الركام في أحياء واسعة من المدينة


في محاولة أخرى محكوم عليها بالفشل للمساعدة في إصلاح ما أفسده الاحتلال المستمر عبر حكوماته المتعاقبة، تلقى العراق تعهدات بقيمة 30 مليار دولار من المانحين والمستثمرين الذين يرغبون في إعادة بناء البلد الذي دمرته الحرب. وقد جرى ذلك خلال مؤتمر الكويت الدولي لإعادة إعمار العراق الذي استمر ثلاثة أيام، والذي عقد في مدينة الكويت منتصف شباط فبراير الماضي. وإلى جانب كون هذه الأموال لا ترقى إلى اللازم للتعافي من آثار الحرب التي دامت ثلاث سنوات؛ فإن واقع الفساد المتجذر في جميع دوائر الحكومة والفشل الذريع في إدارة البلاد، يجعل الأمل في نجاح مثل هذه المحاولات أمرًا شبه معدوم.


استمرار تهريب النفط العراقي لإيران


اتهامات جديدة لجهات حكومية وميليشيات طائفية بتهريب النفط إلى إيران؛ هذه المرة من قبل رئيس لجنة الأمن والدفاع في مجلس النواب، حاكم الزاملي، الذي صرح مؤخرًا بقيام جهات حكومية متنفذة وقيادات ميليشياوية معروفة، بتهريب النفط من منطقة (طوزخورماتو) إلى إيران. وأكد الزاملي بأن هذه الجهات محسوبة على حكومة العبادي وقيادات في ميليشيات الحشد الشعبي، مؤكدًا أنها تسعى لاستغلال الوضع الأمني الهش من أجل مصالح شخصية، وقد كشفت مصادر إعلامية أن ميليشيات الحشد الشعبي الطائفية في العراق، تقوم بتهريب ما لا يقل عن 250 ألف برمیل من النفط الخام، الذي يتم إنتاجه من حقول في شمال العراق، بشكل غير قانوني إلى إيران يوميًا، وذلك أمام أعين الأجهزة الحكومية، وذلك بعد استيلاء الميليشيات المذكورة على حقول تحوي 21 بئرًا نفطية في المنطقة الواقعة بين (طوزخورماتو وتكريت). وقالت المصادر إن ميليشيا الحشد تنقل النفط عن طريق صهاريج تابعة لها إلى إيران، تمر عبر نقاط التفتيش والحواجز العسكرية الحكومية بمحافظتي صلاح الدين وديالى، وأكدت أنه يتم شحن عشرات الصهاريج من النفط يومياً إلى إيران وبيعها بثمن دون سعر النفط العالمي بكثير.


وطبقًا للمصادر المحلية في العراق، فإن إيرادات تهريب النفط تذهب إلى الجماعات الشيعية المشاركة في الحشد الشعبي والشخصيات السياسية المتنفذة في الحكومة، في حين لم يسجل أي رد من وزارة النفط الحالية حول التقارير المنشورة. وأضاف مصدر عراقي آخر أن إدارة محافظة صلاح الدين ووزارة النفط على علم بالسرقات النفطية، ولكنها تلتزم الصمت لأن ميليشيا الحشد الطائفية هي الحاكم الحقيقي الآن في المحافظة.


وفي الشأن نفسه؛ اتهم نائب سابق -قبل أسابيع قليلة- ميليشيا الحشد الشعبي الموالية لطهران بتهريب النفط الخام المستخرج شمالي العراق عبر صهاريج إلى إيران. وقال عضو لجنة الأمن والدفاع بالبرلمان، شاخوان عبد الله: "إن ميليشيات شيعية وسياسيين متنفذين يقومون بسرقة وتهريب النفط الخام المنتج من حقول محافظة التأميم (260 كم شمال بغداد) إلى إيران بشكل منتظم، ويستخدمون صهاريج تعود ملكيتها إلى 12 شركة نقل خاصة تعود ملكيتها للميليشيات والسياسيين المتورطين في سرقة وتهريب النفط. ولفت النائب عبد الله، إلى أن غرض الميليشيات من تلك التحركات هو السيطرة على 5 آبار نفط تقع ضمن حقل يطلق عليه اسم "بلكانة"، الذي تقدر حكومة كردستان احتياطاته بـ(1.5 مليار) برميل من النفط بغية تهريب إنتاجه إلى إيران، وقد تمكنت من ذلك بعلم الحكومة في بغداد، التي لم تحرك ساكنًا حيال الموضوع.


شركات النفط الأجنبية تجلب القتل لشوارع البصرة


من الجدير بالذكر هنا أن الأمر في مناطق حقول النفط جنوب العراق أكثر خطورة وبشاعة؛ ففي محافظة البصرة مثلًا؛ هناك مشاكل وتعقيدات لا يمكن حصرها، وجرائم يرتكبها المسؤولون الفاسدون وشركات النفط متعددة الجنسيات، وزعماء القبائل الجشعون؛ الأمر الذي يتسبب بصراعات محلية دموية من أجل المال والقوة، التي يغذيها الجشع العالمي اللامتناهي لأصول النفط الأكثر ربحًا في البلاد، والتي يسقط ضحيتها شهريًا العشرات من أبناء تلك المناطق في مواجهات مسلحة لا ناقة لهم فيها ولا جمل؛ فهناك حالة من التقاتل بين القبائل والشركات متعددة الجنسيات والمسؤولين الفاسدين لجني الملايين وزرع الخوف في المحافظة؛ الأمر الذي تسبب بارتفاع معدل القتل مع نشوء "دولة داخل دولة"، في ظل غياب السيادة الوطنية وضعف الحكومة المركزية وإغراءات الثروة النفطية؛ الأمر الذي يهدد شريان الحياة الاقتصادية للعراق، ولا سيما إذا ما علمنا أن شبكات الابتزاز دفعت لثلاث قبائل فقط مبلغ (105 مليون) دولار أمريكي؛ كرشى مبطنة في صورة تعويضات.


الوضع التربوي والتعليمي


السياسات الخاطئة المنتهجة في العراق منذ 2003 وحتى اليوم؛ تركت سبعة ملايين طفل يعانون الفقر المدقع والحرمان من حق التعليم


يعاني قطاع التعليم في العراق مشكلات جمة، ازدادت أكثر في السنوات الأخيرة من جراء الحرب والدمار الهائل الذي طال قطاع التعليم في محافظات عديدة من البلاد، إلى جانب موجات النزوح وحياة التشرد في المخيمات التي حرمت نحو ثلاثة ملايين طفل بعمر الدراسة من حق التعليم، إذ وصلت نسبة الأمية إلى 32% من إجمالي السكان بعمر عشرة سنوات فأكثر؛ الأمر الذي حدى الأمم المتحدة بإدراج التعليم في العراق ضمن قوائم التخلف في الشرق الأوسط، ومن جانبها؛ قالت المنظمات الدولية الإنسانية إن الوضع التربوي والتعليمي في العراق يواجه تحديات خطيرة تتمثل بصعوبات التحاق الطلاب بالمدارس ما يؤدي إلى ارتفاع معدلات الأمية بين الأطفال والفئات الضعيفة والمهمشة اجتماعيًا، وقد اجتمعت عوامل سلبية عدة تسببت بتراجع المستوى التعليمي في العراق، منها: استمرار الحروب وتواصل أعمال العنف في البلد، تكريس حالة عدم الاستقرار والمناهج التعليمية وقلة الكادر التدريسي، والنقص الشديد في الكتب المدرسية، وانعدام الوسائل التعليمية، وغياب الدور الحكومي في وضع السياسات التعليمية والإشراف عليها وكذلك تمويل التعليم وتطويره وتنفيذ البرامج التعليمية بكافة مراحلها.


وتشير الإحصاءات الرسمية إلى وجود ما لا يقل عن عشرين ألف شهادة مزورة، يعود بعضها لمسؤولين حاليين في الحكومة وأعضاء في البرلمان الحكومي.


وفي العام 2017؛ أصدرت (مؤسسة ويبميتريكس لتصنيف الجامعات) دراستها الأحدث، التي جاءت فيها جامعة بغداد في المرتبة 2356 عالميًا، بعد أن كانت تُصنف قبل 2003 ضمن الجامعات الـ 700 الأولى في العالم، ولم تأخذ قضية التعليم التي تؤثر تأثيرًا مباشرًا على السلوك الإنساني؛ اهتمامًا لدى حكومات الاحتلال المتعاقبة؛ فإلى جانب قلة الأبنية المدرسية والكوادر التعليمية، تعرضت نصف مدارس البلاد للإهمال والهدم والتدمير خلال الحرب؛ الأمر الذي أدى إلى ضعف مركب وخلل متعمد في سياق العملية التربوية في العراق.


وفي الحديث عن واقع التعليم في العراق، اعتمادًا على بعض الإحصاءات المتاحة، ودراستها بشكل موضوعي ومقارنتها بالفترات الماضية؛ يتبين لنا أنه وفق المعطيات السياسية والاقتصادية الحالية فإنه من الصعوبة بمكان وضع خطط يمكنها إعادة التعليم في العراق إلى المسار الصحيح؛ فما قبل 2003، كانت تقارير اليونسكو تقول إن العراق يمتلك نظامًا تعليميًا هو من أفضل الأنظمة في المنطقة، حيثتمكن البلد من القضاء على الأميّة منذ العام 1984م، وكانت نسبة الالتحاق 100%.


أما بعد 2003 فإن الإحصاءات تشير إلى أن نسبة القادرين على القراءة والكتابة في العراق أصبحت 55% في الذكور و 23% في الإناث، كما أن أعداد المدارس في العراق هي بحدود 14500 مدرسة، نصفها يحتاج إلى إصلاح، إلى جانب وجود نحو ألف مدرسة مبنية من الطين في العراق، وفقًا لوزارة التربية، لكن إحصائيات غير رسمية تتحدث عن وجود من (1500-2000) مدرسة طينية أو مبنية من القصب في محافظات ذي قار والبصرة والعمارة والمثنى والديوانية والنجف.


وتعد الحكومة المسؤول الأول عن التدهور الأمني المستمر،وسوء الأوضاع الإنسانية والظروف الاقتصادية وتفاقمها، وتأثيرات ذلك على تعثر مسيرة التعليم في البلاد؛ فبسبب ما تعانيه ملايين العائلات الفقيرة، انخفضت كثيرًا نسبة إرسال الأطفال إلى المدرسة أو إلى تسرب الأطفال من المدرسة في مرحلة مبكرة، ناهيك عن تفشيظاهرة عمالة الطلاب لزيادة دخل الأسرة، وازدادت أعداد المدارس التي باتت بحاجة إلى إصلاح بعد الحرب على "الإرهاب"؛ لتصبح أكثر من (7600) مدرسة، إلى جانب العجز الاقتصادي الذي يحول دون تلبية حاجة البلد من المدارس الجديدة، التي تقدر بأكثر من 11000 مدرسة، بحسب وزارة التخطيط الحالية، وما صاحب ذلك من ندرة غير مسبوقة في المكتبات العلمية وانعدامها في أغلب المدن العراقية.


مراقبون: التلكؤ في بناء المدارس وراءه الفساد الإداري والمالي والصراعات السياسية وغياب التخطيط، فضلًا عن العنف المتواصل في العراق منذ عقد ونصف


وتشير الإحصاءات الرسمية إلى انخفاض معدل الالتحاق بالمدارس الابتدائية العام الماضي بنسبة (30 %)، وانخفاض معدل الالتحاق بالمدارس الثانوية والمهنية بنسبة (50 %)؛ جراء تصاعد وتيرة المعارك واستمرار موجات النزوح والنزوح المتكرر، وتكريس حالة عدم الاستقرار، ويبقى تأثير استمرار العنف على قطاع التعليم في العراق أقل وضوحًا لأن الإحصاءات الرسمية غير دقيقة، وبالتالي فإنها لا تعكس الواقع.


إلى جانب ما تقدم؛ يعاني واقع التعليم في العراق اليوم الكثير من المشاكل التربوية والعلمية والإدارية أيضًا؛ فمن ناحية المدارس نجد أن 80% من عدد المدارس في جميع محافظات العراق غير مؤهلة كمدارس نظامية؛ فنسبة عالية من المدارس في محافظات نينوى والأنبار وصلاح الدين مدمرة بفعل الحرب، يزاد على ذلك ما تعانيه مدارس المحافظات الجنوبية من إهمال وتخلف وعدم تطوير ونواقصها الكبيرة، علمًا أن آلاف المرافق المدرسية تفتقر إلى المستلزمات الأساسية اللازمة لتوفير التعليم اللائق لأطفال العراق.


ولافتقار العراق في ظل حكومات الاحتلال المتعاقبة لأبسط معايير جودة التعليم؛ يحافظ البلد على خروجه من نطاق التقييم كما أظهر ذلك أحدث تقارير مؤشر جودة التعليم العالمي الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي؛ حيث أكد التقرير أن العراق لا تتوفر فيه أبسط معايير الجودة في التعليم؛ ما يجعله غير مؤهل للدخول ضمن إطار التقييم الذي اشتمل على (140) دولة في العالم، ويأتي تقييم المؤشر لجودة التعليم وترتيب الدول استنادًا إلى مؤشر التنافسية المعتمد عالميًا.


ويوجد في العراق اليوم ما لا يقل عن (6) ملايين أُميّ، وفق الجهاز التنفيذي لمحو الأميّة، بعد أن أعلن العراق القضاء على الأُميَّة عام 1984، حيث كانت تداعيات الاحتلال الأمريكي - البريطاني وراء التراجع الكبير الذي شهدته البلاد؛ وانعكاسات ذلك على الواقع بمجالاته المختلفة، وقد وصل الأمر في ظل حكومات الاحتلال إلى أن يصل الأمر أن تكون شريحة كبيرة من أبناء العراق هم من الأُميين.


وقالت منظمة اليونسكو -التي تقوم بجملة مشاريع لمحو الأُمية وتمكين الأفراد في قطاعي التعليم النظامي أو غير النظامي-: إن المؤشرات الأولية تدل بوضوح إلى أن العراق يواجه حالة من تزايد أعداد الأطفال المتسربين من المدارس والأميين من الكبار، وخصوصًا في المحافظات الجنوبية والمناطق الريفية من البلاد، وفي صفوف الشباب والبالغين، والنساء، والمجموعات المهمشة اجتماعيًا.


وكان مجلس النواب الحكومي قد شرع في 2010 قانونًا لمحو الأُمية، شُكلت على إثره هيئة لتنفيذ الحملة وجرى تحديد التخصيص الكفيل بإنجاح الحملة الذي حددته الهيئة بنحو (200) مليار دينار عراقي سنويًا، لكن الموضوع اصطدم بواقع الفساد المستشري في البلاد ولم يصرف سوى أقل من (30 %) من ذلك التخصيص للعام 2011، واستمر التعثر في توفير المستحقات المالية حتى توقفت؛ الأمر الذي تسبب بفشل برنامج محو الأمية في العراق.


الوضع الصحي والبيئي


أزمة شح المياه في جنوب العراق تهدد بنزوح سكان مئات القرى والبلدات، وتكبد خسائر مادية كبيرة في قطاعات مهمة أبرزها: الزراعة والصناعة والثروة السمكية والحيوانية، كما ستتعطل محطات لتوليد الطاقة الكهربائية، فضلًا عن توقف مياه الشرب الواصلة للمنازل


يواجه العراق التحدي المائي الأكبر بسبب انخفاض منسوب مياه الأنهار، بالتزامن مع ارتفاع معدلات التبخر، في الوقت الذي تشهد فيه البلاد شحًا في مستويات المياه العذبة، وهو ما قوّض التوازن الذي كان قائمًا بين المياه العذبة ومياه البحر في منطقة شمال الخليج، ما أدى إلى زحف المياه المالحة شيئًا فشيئًا نحو الداخل وغزوها لمجاري الأنهار؛ الأمر الذي سيكون له آثار مدمّرة على الصعيدين الزراعي والبيئي.


وبدأت أزمة شح المياه التي تشهدها البلاد تدق ناقوس الخطر من الجفاف، في ظل عدم وجود أي مؤشرات إيجابية أو إجراءات حكومية لدرء هذا الخطر الداهم والوقاية منه. ووفقًا لمعدلات الانخفاض المتواصل والمؤشرات الحالية لمخزون المياه في العراق، فإن تفاقم هذه الأزمة قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات نقص الغذاء، والنزوح العكسي من الريف إلى المدينة، وازدياد ظاهرة الفقر الذي وصل إلى نسب مخيفة، نظرًا لتداعيات التغير المناخي واحتكار المياه السطحية من قبل دول المصدر وهي سوريا وتركيا وإيران.


ومع دخول موسم الصيف؛ تزداد مخاوف العراقيين من حدوث كارثة إنسانية وبيئية بسبب انخفاض منسوب مياه نهر دجلة إلى حد الجفاف، مع الحديث عن بدء سد (أليسو) التركي العمل في منتصف العام الجاري؛ ما يُدخل العراق في حالة من الجفاف غير المسبوقة، حيث يُعد سد (أليسو) ـ الذي بدأت تركيا ببنائه في آب عام 2006 ـ من أكبر السدود المقامة على نهر دجلة، ويستطيع هذا السد الذي تبلغ مساحة بحيرته نحو (300) كيلومتر مربع، تخزين كمية من المياه تقدر بأكثر من (11) مليار متر مكعب. وفي هذا الصدد، توقعت وزارة الزراعة الحالية أن تُلحق شحة الأمطار -التي لم يشهدها العراق مثيلًا لها منذ (70) عامًا- خسائر فادحة بالقطاع الزراعي في حال استمرار أزمة المياه وعدم إيجاد حلول ناجعة لها، فيما أكد عدد من أعضاء مجلس النواب الحالي أن العراق سيخسر 40% من أراضيه الزراعية في فترة قصيرة جدًا، نتيجة الانخفاض الكبير لمناسيب المياه وخاصة في نهر دجلة.


وكشف مسؤول حالي أن الحكومة تسعى لوضع معالجات وقتية للأزمة تتمثل في: استحداث برنامج تقنين استخدام المياه وإعادة النظر بتوزيع الحصص للمناطق الزراعية ومعالجة التجاوزات الحاصلة من قبل المصانع والورش وغيرها، لتتم في مرحلة متقدمة مراجعة خزين العراق من المياه الجوفية ومحاولة استخدام بعض الآبار للشرب في بعض المدن في حال وصلت البلاد إلى الجفاف.


العراق استخدم أكثر من 50% من احتياطي المياه في البحيرات والمخزون المائي في السدود


وكان وزير الموارد المائية الحالي (حسن الجنابي)، قد قال في تصريح لمحطة تلفزيون محلية: ((من المتوقع أن يشهد الصيف المقبل جفافاً قاسياً نتيجة الحرارة الشديدة المتوقعة وارتفاع نسبة التبخر وكل المؤشرات تدل على ذلك. وأضاف الجنابي: سيلحق الضرر بشكل كبير بالمناطق الريفية والأهوار، وستتضرر الزراعة في هذه المناطق ولن يتمكن السكان من الحصول على مياه الشرب)).


وقال (أيهم المعموري)، المهندس في وزارة الزراعة: إن العراق يتعرض لأخطر أزمة في تاريخه منذ آلاف السنين؛ وهي أزمة المياه التي ستصحر مساحات هائلة من الأراضي الزراعية، وعلى الحكومة في العراق عدم تجاهل الموضوع، وعليها أن تتحرك بشكل عاجل لحل هذه الأزمة الخطيرة.


وحذر مراقبون من توقف كافة المشاريع الاستثمارية المتعلقة بتوليد الطاقة -المتعثرة أصلًا- في البلاد نتيجة شح المياه. وتوقع (محمد العمري) مستشار مركز التخطيط الحضري والريفي، أن تبلغ خسائر العراق في مجمل القطاعات المتضررة من الجفاف خلال العام الأول بأكثر من 10 مليارات دولار. وقال العمري إن الخسائر لن تقتصر على الماديات فقط؛ بل ستكون لها آثار وخيمة على المجتمع والتغيير الديمغرافي الذي سيطرأ في مدن الجفاف.


وقال متخصصون إن مدنًا عراقية كثيرة ستتعرض لكارثة الجفاف المتوقعة، في مقدمتها العاصمة بغداد، إلى جانب مدن الناصرية وميسان والنجف وكربلاء والمثنى وصولاً إلى البصرة أقصى جنوب البلاد.


استمرار تردي القطاع الصحي ونقص الكوادر الطبية


لا يخفى على أحد إن النظام الصــحي في العــراق في حالة احتضار؛ فإلى جانب تداعيات انعدام الأمن والفساد المالي والإداري والفساد السياسي على هذا القطاع المهم، التي سنأتي على ذكرها، هناك عوامل أخرى تؤثر على الواقع الفعلي للوضع الصحي في  العراق اليوم، التي تعكس الجانب الآخر من حقائق التدهور المستمر في مجمل نشاطات هذا القطاع؛ فمع الزيادة السكانية يبقى عدد المستشفيات أقل من الاحتياج، فضلًا عن قلة المستشفيات التخصصية، التيتتمركز في العاصمة بغداد، والتي لا تستوعب أعداد المرضى المحتاجين لخدماتها، ناهيك عن أن أغلب المستشفيات الشغالة مستهلكة ولم يجر تحديثها؛ الأمر الذي قلل من كفاءتها. ولم يتم إنشاء مستشفيات ذات صفات نوعية متطورة سواء بالبناء أو الأجهزة والمعدات بما يتناسب مع ما يجري في العالم المتقدم.


وتظل المستشفيات العراقية تشهد الاختناقات الشديدة، حيث انخفضت الكفالة الصحية إلى سرير واحد لكل ألف مواطن عراقي، وتعاني المباني والمنشآت غياب حملات الإعمار والإدامة والتطوير بسبب الفساد والعبث بالمال العام، إلى جانب محدودية  توفر الأجهزة الطبية التشخيصية؛ مما يجعل المرضى ينتظرون دورهم بالفحص والتشخيص أشهر عديدة، وربما تطول مدة الانتظار لأكثر من عام، ناهيك عن أن الغالبية العظمى من المستشفيات تفتقر إلى الحد الأدنى من النظافة، بسبب قلة المتابعة والنقص الحاصل في الكادر الخدمي، وهذا يضيف عبئًا أساسيًا آخر على واقع هذه المرافق الصحية ويزيد تدهوره.


وتتمثل أبرز مشاكل القطاع الصحي العراقي اليوم في هجرة الكفاءات الطبية الكبيرة المتميزة في مجال الصحة نتيجة للفوضى التي شهدها العراق بعد الاحتلال، إذ لم تكتفِ الجهات المعتدية بتهجير الأطباء فحسب؛ بل راحت تستهدفهم جسدياً وتبتزهم معنوياً ومادياً، وقد أدى غياب الأمن وفوضى السلاح في العراق ما بعد الغزو الأمريكي إلى مقتل ما لا يقل عن 3000 طبيب عراقي منذ عام 2003، وفق دراسات ميدانية نشرتها مجلة (لانست) الطبية؛ الأمر الذي أدى إلى إبعاد الكفاءات التي تتميز بمهنية كبيرة، وعقول مستنيرة لها خبرة كبيرة في هذا المجال، وسيضطر المزيد من الأطباء إلى مغادرة البلاد وستستمر صحة السكان في التدهور؛ لأن الحكومة في العراق لم تتخذ إجراءات حازمة وفورية لحماية ما تبقى من القوى العاملة في مجال الرعاية الصحية من الإذلال والعنف. هذا من جانــب ومن جانب آخر؛ فقد باشرت المستشفيات الحكومية العراقية بتحصيل رسوم للخدمات الصحية -المتردية أصلًا- من المرضى لأول مرة بعد نحو أربعة عقود من مجانية الرعاية الصحية التي تكفلت الدولة بتأمينها للمواطنين كافة.


يشهد العراق زيادة ملحوظة في عدد حالات الكوليرا، بسبب سوء الصرف الصحي ومياه الشرب غير النظيفة وشبكة الكهرباء المتدهورة في البلاد


ويشعر السكان في العراق بالإحباط الشديد بسبب انهيار البنية التحتية وانعدام الخدمات، وانقطاع الكهرباء، وشح المياه، وتهالك شبكة الصرف الصحي، ما يؤدي إلى كوارث صحية مثل تفشي الأمراض المعدية والسارية؛ ففي العراق اليوم هناك أكثر من 39 مرضًا ووباءً منتشر في مناطق مختلفة من البلاد، ولا سيما المخيمات المهملة والسجون المظلمة، فهناك الكوليرا وشلل الأطفال والتهاب الكبد الفايروسي ومرض السل وغيرها. وهذه الأمراض والأوبئة هي تحد حقيقي يهدد حياة العراقيين وتشكل كيفية انتشارها مخاطر جمة يجب تجنبها. وأفاد مسؤولون عراقيون بوجود أكثر من مائة حالة من حالات الكوليرا في العاصمة بغداد، بالقرب من منطقة (أبو غريب)، وفي محافظة النجف، بسبب رداءة نوعية إمدادات المياه المحلية.


وقال المحلل في شؤون الشرق الأوسط (جيمس دينسلو) من مركز السياسة الخارجية في لندن لوكالة "صوت أمريكا": إن تفشي وباء الكوليرا هو إخفاق آخر ينضم إلى سلسلة إخفاقات السياسة الخارجية الأمريكية في دول مثل سوريا والعراق.


فوضى الأدوية آلة أخرى لقتل العراقيين


رغم أن أزمة الفساد في تجارة الأدوية بالعراق يصل عمرها إلى 15 عامًا، إلا أن خلافات الأطراف السياسية بدأت تكشف عن جبل الفساد والجرائم المرتكبة في هذا القطاع الحيوي وخاصة فيما يتعلق بتجارة الأدوية الفاسدة والمزورة


لا يخفي مسؤولون حكوميون وبرلمانيون حاليون وجود فوضى شديدة في القطاع الدوائي، ففي تصريحات صحافية سابقة، أعلن رئيس لجنة النزاهة النيابية (طلال الزوبعي) أن لجنته أوقفت شحنة كبيرة من الأدوية الفاسدة تتضمن أدوية أطفال غير صالحة للاستخدام.وأشار الزوبعي إلى أن وزارة الصحة تتعاقد مع شركات تزودها بأدوية غير مطابقة لشروط جهاز السيطرة النوعية، ولم تطابق الحالات العلاجية للمرضى الأطفال.واعتبر عضو لجنة النزاهة البرلمانية النائب (عادل نوري) أن الموانئ العراقية هي منبع للفساد المالي والإداري وإدخال البضائع منتهية الصلاحية.وقال نوري إنه لا يمكن استمرار الوضع على ما هو عليه وإدخال البضائع الفاسدة إلى العراق، هذه السياسة تعد سببًا آخر لإبادة الشعب العراقي. وكشف نوري أن اللجنة بصدد التحقيق في وجود شحنة أدوية فاسدة، موجودة في ميناء أم قصر جنوب البلاد، لافتًا إلى أن اللجنة تتابع عن كثب هذه الشحنة وتجمع الأوراق والأدلة للمباشرة بفتح التحقيق.


إن الأدوية الفاسـدة التي تسللت إلى داخل المؤســســات الطبية، تشــكل خطرًا صحيًا كبيرًا. (إذا لم تَمُتْ بالانفجارات والعبوات الناسفة، فإنك ستموت بالأدوية والحقن القاتلة)، هذه الكلمات قالها سالم العبيدي، الذي توفي ابنه إثر حقنه بحقنة منتهية الصلاحية في أحد مستشفيات العاصمة العراقية بغداد، معبراً عن الحال الذي وصل إليه الطب في بلاده. ناهيك عن التــستر على علاقــة الزيادة الهائلة بحــالات الأورام والتشــوهات والإسقاطــات والعــقم ذات العلاقة بقــضية استخدام أســلحة الدمار المحظورة في مختلف مناطق العراق، والمــعادن الثــقيلة والتلــوث البــيئي والمــثبتة بدراســات محلية وعالمــية.


بينما تلعب السياسة الدوائية الفاشلة دورًا رئيسيًا في فقدان السيطرة وغياب التفتيش على الطب والغذاء وتدهور صناعة الأدوية؛ فإن المأزق الرئيس هو تحويل العمل المهني الطبي إلى معايير الانتماء الطائفي والمحاصصة، وسلوك سياساتها البائسة في استبعاد وتهميش الأطباء الأكفاء والاعتماد على كوادر غير مهنية، وهذا ما يتم اعتماده من قبل السلطة المتحكمة بالعراق اليوم؛ الأمر الذي له تأثير سلبي على واقع قطاع الصحة، وواقع المؤسسات الطبية التي يُعتمد عليها لتوفير ما يحتاجه المريض العراقي من أدوية ورعاية صحية.


لا عدالة لأطفال الفلوجة


التشوهات الخلقية بالفلوجة تفوق 14 مرة مثيلتها بهيروشيما وناغازاكي، بالمقابل هناك إهمال حكومي الأمر الذي يعيده مراقبون لأسباب سياسية


منذ العام 2003، بدأت التشوهات الخلقية بالظهور في الولادات بمدينة الفلوجة، واستمرت بالازدياد لتصل إلى أن وصلت نحو 19٪ من جميع المواليد الجدد في المدينة، لتشمل عيوب القلب الخلقية وهي أعلى نسبة، تليها عيوب الأنبوب العصبي والأطراف وغيرها. ووردت تقارير عن عيوب خلقية مماثلة لدى سكان العراق الآخرين القاطنين في مناطق تعرضت لملوثات الحرب. إن تصاعد معدلات التشوهات الخلقية للمواليد الجدد في مدينة الفلوجة خصوصاً، وفي مدن عراقية أخرى غرب وشمال البلاد وجنوبها؛ جريمة يقف خلفها عامل مشترك واحد هو القصف الأميركي بواسطة الفسفور الأبيض أو النابالم.


وسجل العراق أعلى معدل التشوه الخلقي في العالم خلال العقد الماضي، وهي الأعلى بين الدول التي تعرضت للقصف بالأسلحة القذرة خلال الحرب العالمية الثانية. وسجلت الفلوجة وضواحيها النسبة الأعلى بالعراق تليها الرمادي وتلعفر والخالدية ثم بغداد في التشوهات الخلقية، في حين أن تأثير تلك الأسلحة على محافظة البصرة ظهر بارتفاع معدلات السرطان التي غلبت نسب التشوهات لدى حديثي الولادة في المحافظة.


وقال مسؤولون في الحكومة الحالية ببغداد: إن التشوهات الخلقية للمواليد الجدد في العراق بازدياد، وهناك ما يسمى بالفوبيا لدى المتزوجين الجدد من الإنجاب بسبب ذلك، مضيفًا أن بعض التشوهات مخيف، مثل الولادة بعين واحدة أو بنصف رأس أو بلا جزء أسفل من الجسم أو بجلد ضفدع أو بلا فم وأذنين. ولفت أحد المسؤولين إلى أن ملوثات الحرب ما زالت عالقة في أنقاض المباني المدمرة والمصانع وهياكل السيارات، وتحتاج إلى مبالغ ضخمة وخبرات وتقنية عالية للتخلص منها.


وذكرت اختصاصية الأطفال، وعضوة لجنة متابعة التشوهات الخلقية في مدينة الفلوجة، الدكتورة سميرة العاني، أن أغلب الإحصائيات المتوفرة تعود للسنوات السابقة نظرًا لعدم تمكن الفرق الطبية من إجراء مسح جديد نتيجة ظروف البلاد، لافتة إلى أن الدراسة التي أعدت عام 2011 تشير إلى أن مقابل كل ألف مولود جديد هناك نحو 187 يولدون بتشوهات خلقية، وقالت العاني إنها سجلت بنفسها خلال أقل من عامين 699 حالة من حالات العيوب الخلقية، منها ولادات بشفاه أرنبية، ورؤوس بيضاوية وعين واحدة في منتصف الوجه، وأطراف متضخمة أو منكمشة وآذان وأنوف وأعمدة فقرية مشوهة، وحالات خلل في العظام والقفص الصدري، وإن أغلب تؤدي إلى الوفاة بعد فترة وجيزة من الولادة أو يتم الإجهاض.


المواطنة نورية عيسى، من سكان مدينة الفلوجة، أكدت أنها أنجبت مولودها الأول بعد متاعب صحية كثيرة خلال الحمل. وتبين بعد الولادة أنه مشوه، وتوفي بعد أقل من شهر واحد. وقالت: إن مولودها كان يعاني من تشوه في الفك إضافة إلى أمراض في القلب وقصر في الذراعين، وانتفاخات في الوجه. ولفتت عيسى إلى أنها شاهدت عددًا من الولادات في مدينة الفلوجة أثناء تواجدها في مستشفى الفلوجة. أطفال يولدون مشوهين، ولا تتوفر علاجات للكثير من الحالات.


ونشر حساب التشوهات الخلقية في مستشفى الفلوجة، على موقع "تويتر"، مئات الحالات خلال الأعوام الـ14 الماضية، منها تشوهات لم يُعرف مثلها من قبل. ويذكر أن كمية اليورانيوم الذي استخدم في العراق بلغت نحو 350 طناً، فضلًا عن القنابل التي تحتوي على الإشعاع النووي والتي انتشرت بشكل واسع في البلاد.


وبيّنت إحصائيات رسمية لوزارة البيئة في العراق وجود 300 موقع ملوث في البلاد يحتاج إلى مليارات من الدولارات وعشرات السنين لمكافحته، إضافة إلى 63 موقعًا عسكريًا ملوثًا نتيجة العمليات العسكرية، فضلًا عن انتشار الملوثات الإشعاعية والعجلات الملوثة في عدة مدن بالبلاد.


وسعت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) إلى طمس الحقائق والأدلة التي تؤكد استخدام أسلحة اليورانيوم المنضب من قبل الجيش الأميركي والقوات العسكرية المتحالفة معه في حربي الفلوجة الأولى والثانية، وأثناء العدوان على مدينة الفلوجة عام 2004 خاصة؛ حيث يقدر الخبراء أن اليورانيوم المنضب الذي استعمل في العراق يساوي في ذريته ما يعادل 250 قنبلة ذرية، وأنه أُطلقت على العراق خلال حربي الخليج الأولى والثانية كمية هائلة من ذخائر اليورانيوم خلفت أكثر من 2200 طن متري من اليورانيوم المنضب.


 


يتبع... 


ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ


ـ الجزء الأول


ـ الجزء الثالث


ـ التقرير كاملًا


أضف تعليق