هيئة علماء المسلمين في العراق

رمضان موسم للتغيير وفرصة للارتقاء الإيماني ... ضياء الدين عبدالله الصالح
رمضان موسم للتغيير وفرصة للارتقاء الإيماني ... ضياء الدين عبدالله الصالح رمضان موسم للتغيير وفرصة للارتقاء الإيماني ... ضياء الدين عبدالله الصالح

رمضان موسم للتغيير وفرصة للارتقاء الإيماني ... ضياء الدين عبدالله الصالح

الحمد لله الذي فضّل شهر رمضان على سائر الشهور، وجعله موسماً للمنافسة في الخيرات والتجارة التي لن تبور، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى اله الطيبين الطاهرين وأصحابه الغر الميامين، ورضي الله تعالى عن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:


فمن طبيعة الإنسان التقصير والنقص، ومن سعة رحمة الله تعالى أن يسر للمؤمن مواسم خير يتنافس فيها المؤمن ليُسد الخلل ويكمل النقص والتقصير، ومن هذه المواسم شهر رمضان المبارك الذي هو أعظم فرصة للتغير في حياتنا؛ فرمضان فرصة للتائبين الذين أسرفوا على أنفسهم بالمعاصي، فالشياطين قد صفدت وأبواب الجنان قد فتحت ودواعي الخير أقبلت ووجدت على الخير معينا، فقد قال عليه الصلاة والسلام: ((كانت أول ليلة من رمضان، صفدت الشياطين، ومردة الجن، وغلقت أبواب النار، فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة، فلم يغلق منها باب، ونادى مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك في كل ليلة)) صحيح رواه اصحاب السنن وغيرهم.


 فكل من حولك ما بين صائم وخاشع وباك، فإلى متى الغفلة، رمضان فرصة لتربية أنفسنا على معالي الأمور، وعالي الهمم، فرصة لننزع الكسل والتقصير عن كواهلنا، فرصة لصقل نفوسنا من الأخلاق الرديئة والعادات المشينة، فرصة للعلو بالنفوس إلى مقامات الصالحين ودرجات العابدين، واللحاق بركب المجاهدين، فإن من الحكم في التقرب إلى الله بترك شهوة الطعام والشراب والجماع في هذا الشهر.


ورمضان فرصة لتغيير الأخلاق الرديئة التي انطبع عليها بعض الخلق، فرصة لأَن يرتقوا بأنفسهم، فرمضان فرصة لنزيل الشُح والبُخل من نفوسنا، ونكون كما كان نبيُّنا عليه الصلاة والسلام أجود بالخير من الريح المرسلة وكان أجود ما يكون في رمضان فعن ابن عباس رضي الله عنهما: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل، وكان جبريل عليه السلام يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة)) متفق عليه.


فرصة لنغير من سوء خلقنا وفحش قولنا، ((فإن سابه أحد أو شاتمه فليقل إني صائم)) متفق عليه، ((ومن لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)) رواه البخاري.


ورمضان فرصة لتربية الابناء والبنات، فنفوسهم مقبلة والمجتمع من حولهم يعينهم على الطاعة، والبعد عن المعصية فرصة لتربيتهم على الصوم وترك الشهوات، وفرصة لتعليمهم الصلوات والبعد عن المحرمات، نسال الله أن يصلح أبناءنا ونساءنا والمسلمين أجمعين.


ورمضان فرصة لدعوة الناس وتوجيهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، فالشيطان قد صُفد ودواعي الشر في نفوس الناس ضعُفت، فالوضع مهيئ لمن يريد الأجر، فاحرص على دعوة أهلك وأقاربك وجيرانك وزملاء عملك، بالكلمة الطيبة وبالكتاب النافع والشريط، وغيرها من وسائل الدعوة والإصلاح.


ورمضان فرصة للتغيير للدعاة الذين فترة همتهم، وضعفت غيرتهم، وتوانت عزائمهم، فيشدوا من حالهم، ويستيقظوا من رقدتهم، ويتنبهوا من غفلتهم، وينتهزوا فرصتهم، بدعوة الناس إلى ربهم، والذهاب إلى أماكن تواجدهم وتجمعهم، لتذكيرهم بالله تعالى، وتخويفهم من ناره وجحيمه، وترغيبهم بجنته ونعيمه، والتفكير الجاد لمعرفة الأساليب المناسبة للإصلاح، وليتذكر الدعاة إلى الله فضل الدعوة إلى الله، والسهر من أجلها، والتفاني لها، وجزاء من تاب على أيديهم، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: لسيدنا علي بن ابي طالب رضي الله عنه: (لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) رواه البخاري.


وليكن رمضان محطة روحية تبعث فينا روح الجدية والمثابرة، فنزيد فيه إيماننا ونرتقي في سلمه الدرجات العليا، فيعد الداعية عدته، ويأخذ أهبته، ويملك عليه الفكر فيما هو فيه نواصي نفسه وجوانب قلبه، فيكون دائم التفكير، عظيم الاهتمام، على قدم الاستعـداد أبدا، إن دعي أجاب، أو نودي لبى، غدوه ورواحه وحديثه وكلامه، وجده ولعبه لا يتعدى الميدان الذي أعد نفسه له.


ورمضان فرصة للتغيير، لمن كان قليل الصبر، سريع الغضب، أن يتعلم منه الصبر والأناة، فالصائم الآن يصبر على الجوع والعطش والتعب والنصب ساعات طويلة، وأن يعود نفسه من خلال شهر الصبر؛ الصبر على الناس وتصرفاتهم وأخلاقهم، وما يفعلونه تجاهه من أخطاء


 وليكن شعارنا الدائم (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران: 134)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضـَبِ)) متفق عليه، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من كظم غيظا وهو يستطيع أن ينفذه، دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره في أي الحور شاء)) رواه الترمذي وغيره، فليكن هذا الشهر بداية لأن يكون الصبر شعارنا، والحلم والأناة دثارنا.


ورمضان شهر القرآن لمن هجر القرآن قراءة وتدبراًوحفظاً وعملاً، حتى أصبح القرآن نسياً منسياً، أن يكون هذا الشهر بداية للتغيير، فيُرتب لنفسه جزءاً من القرآن، لا ينفك عنه بأي حال من الأحوال، ولو كان هذا الجزء يسيراً، فأحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل، وقليل دائم، خير من كثير منقطع، ولا تنس الفضل الجزيل لمن قرأ كلام الله الجليل يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف)) رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح .


والقرآن يشفع لصاحبه يوم القيامة ففي صحيح مسلم عن أبي أمامة الباهلي) رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((اقرؤوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه)) ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي ربي إني منعته الطعام والشهوة، فشفعني فيه، ويقول القرآن: رب منعته النوم بالليل، فشفعني فيه، قال: فيشفعان)) رواه أحمد وغيره.


ورمضان فرصة للتغيير لمن كان مفرطاً في صلاته، فلا يصليها مطلقاً، أو يؤخرها عن وقتها, أو يتخلف عن أدائها جماعة في المسجد، ليعلم المتهاون في صلاته، أنه يرتكب خطأً قاتلاً، وتصرفاً مهلكاً، يتوقف عليه مصيره كله، و إن لم يتدارك نفسه، فهو آيل لا محالة إلى نهاية بائسة، وليل مظلم، وعذاب مخيف، قال تعالى: (فويل للمصلين، الَّذين هم عَن صلَاتهم ساهون) (الماعون:4-5)


عن سعد بن ابي وقاص رضي الله عنه قال: (يؤخرونها عن وقتها تهاونا بها)، وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: (هم المنافقون يتركون الصلاة في السر، ويصلون في العلانية), وجاء في الحديث عن سمرة بن جندب رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في الرؤيا قال: ((أما الذي يثلغ رأسه بالحجر فإنه يأخذ القرآن فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة)) رواه البخاري.


إن التهاون بأمر الصلاة والاستخفاف بها، خطأ فادح، وجناية مخزية بكل المعايير، لا ينفع معها ندم ولا اعتذار عند الوقوف بين يدي الواحد القهار، ايها المقصر في الصلاة: إني أدعوك بكل شفقة وإخلاص، أدعوك والألم يعتصر قلبي خوفاً عليك ورأفة بك، أدعوك في مثل هذا الشهر المبارك إلى إعادة النظر في واقعك، ومُجريات حياتك، أدعوك إلى مراجعة نفسك، وتأمل أوضاعك قبل فوات الأوان، إني أنصحك ألا تخدعك المظاهر، ولا يغرك ما أنت فيه، من الصحة والعافية والشباب والقوة، فما هي إلا سراب بقيعةٍ، يحسبه الظمآن ماءً، أو كبرق خُلب، سرعان ما يتلاشى، و ينطفئ ويزول، فالصحة سيعقبها السقم، والشباب يلاحقه الهرم، والقوة آيلة إلى الضعف، ولكن أكثر الناس لا يتفكرون.


ورمضان فرصة للتغيير لمن كان مقصرًا في نوافل العبادات؛ فلم يجعل له منها نصيباً، ولم يأخذ لنفسه قسماً مفروضاً، فيغير من حاله، ويبدل من شأنه، ففي رمضان تتهيأ النفوس، وتقبل القلوب، وتخشع الأفئدة، فينتهز هذه الفرصة، فيحافظ على شيء منها، فهي مكملة لفرائضه، متممة لها، قال صلى الله عليه وسلم: ((إن أول ما يحاسب به العبد المسلم يوم القيامة الصلاة المكتوبة، فإن أتمها وإلا قيل: انظروا هل له من تطوع، فإن كان له تطوع أكملت الفريضة من تطوعه ثم يفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك)) رواه ابن ماجة، وأقل الوتر ركعة، وأقل الضحى ركعتان، وعدد السنن الرواتب ثنتا عشرة ركعة، ركعتان قبل الفجر، وأربع ركعات قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعا غير فريضة إلا بنى الله له بيتا في الجنة أو إلا بني له بيت في الجنة)) رواه مسلم، ويقول صلى الله عليه وسلم: ((أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل)) رواه مسلم.


رمضان فرصة للتغيير للمرأة المسلمة التي أصبح حجابها فتنة، وعباءتها مطرزة، وثيابها فاتنة، وعطرها يفوح و في كل يوم إلى الأسواق تروح، قال صلى الله عليه وسلم: ((أيما امرأة استعطرت فمرت بقوم ليجدوا ريحها فهي زانية)) رواه أحمد، ويزداد الأمر سوءاً، إذا كان الخروج بلا محرم، وليكن رمضان فرصة لضبط النفس في قضايا اللباس، والموضة والاعتدال فيهما، بدون إفراط ولا تفريط، وليكن رمضان فرصة للحفاظ على الحجاب الشرعي؛ طاعة لله تعالى، وإغاظة للشيطان وحزبه.


نسأل الله تعالى أن يتقبل صيامنا وقيامنا ويجعل من رمضان فرصة لنا للتغير نحو الاحسن والأفضل، لنرقى في سُلّم الايمان الى الدرجات العُلى.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


بقلم: الشيخ ضياء الدين عبدالله الصالح


 


 


أضف تعليق