هيئة علماء المسلمين في العراق

مسألة شرعية تتعلق بحكم إجهاض الجنين وما يترتب على فاعله
مسألة شرعية تتعلق بحكم إجهاض الجنين وما يترتب على فاعله مسألة شرعية تتعلق بحكم إجهاض الجنين وما يترتب على فاعله

مسألة شرعية تتعلق بحكم إجهاض الجنين وما يترتب على فاعله

ورد إلى قسم الفتوى في هيئة علماء المسلمين في العراق، سؤال بشأن حكم إجهاض الجنين وما يترتب على من فعله، وفيما يأتي تفصيل المسألة:


 السؤال:


امرأة مسلمة تعيش في إيطاليا أجهضت عمدًا جنينها وهو بعمر 45 _ 60 يوماً وتقول أنها كان لديها وضع خاص في ذلك الوقت؛ وتابت إلى الله سبحانه؛ وهي تسأل عن الكفارة؛ وتقول إنها لا تستطيع أن تسأل في إيطاليا حتى لا تفضح نفسها؛ والموضوع تم قبل فترة؛ فهل هناك كفارة من صيام أو صدقة أو أي شيء؟


الجواب:الحمد لله رب العالمين ،والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


 أولاً: يلزم السائلة أمران:


ـ الأول: التوبة ؛ وخلاصتها الندم على فعلتها ؛ ومعاهدة الله عز وجل على أن لا تكرر فعل ذلك مستقبلاً ؛ وينبغي كثرة استغفار الله عز وجل من تلك الفعلة.


ـ الثاني: الكفارة؛ وهي صيام شهرين متتابعَين بلا انقطاع؛ فإن حصل انقطاع أثناء الصيام للشهرين المتتابعَين بلا عذر شرعي يلزمها استئناف الصيام ثانية؛ وإن حصل الانقطاع بعذر شرعي كالعادة الشهرية والمرض الذي لا يمكن الصيام معه ؛ فلا يعدّ ذلك قاطعاً للتتابع؛ وعليها مواصلة الصيام بعد انتهاء العذر المذكور؛ فإن عجزت عن الصيام لزمها إطعام ستين مسكيناً في ضوء مذهب من قال ذلك من بعض الفقهاء.


 ثانياً: والجواب المذكور في الفقرة (أولاً) في ضوء مذهب الإمام مالك ومذهب الظاهرية ومذهب الإمام حجة الإسلام الغزالي عليهم جميعاً رحمة الله تبارك وتعالى ؛ فهم يرون: تحريم إسقاط الجنين بعد استقرار مني الرجل في رحم المرأة؛ جاء في شرح الدردير: (لا يجوز إخراج المني المتكون في الرحم ولو قبل الأربعين يوماً ....)([1]) استنباطاً من قول الله عز وجل: (أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (20) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (21) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (22) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (23))([2])


ووجه الدلالة من هذه الآيات: أن الله عز وجل يدلل على كمال قدرته بأن استقرار مني الرجل في رحم المرأة هي بداية خلق الإنسان وتكوينه ؛ ولولا هذا الاستقرار لما حصلت خلقة الإنسان أصلاً؛ فيجب احترام هذه البداية ؛ ويحرم الاعتداء عليها وإسقاطها ؛ كما يحرم الاعتداء على بقية مراحل التكوين في كيفية خلقة الإنسان وإيجاده؛ وفق ما جاء في قوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14))([3]) ووجه الدلالة في هذه الآيات: أن الله تبارك وتعالى سوّى بين المراحل الأربع في تكوين خلقة الإنسان؛ ودلّل في ذلك على قدرته جل جلاله في كل مرحلة منها؛ ولذلك يجب احترامها جميعاً ويحرم الاعتداء عليها بالإسقاط بأيّ وسيلة كانت لأنّ كل مرحلة لابدّ منها للوصول إلى المرحلة التي تليها؛ بمعنى: أن حكم المراحل المذكورة واحدٌ مِن حيث الاعتداء عليها؛ وقول من يفرق بين بعضها من حيث الحكم قولٌ مرجوحٌ؛ ويعضد هذا الكلام حديث النبي صلى الله عليه وسلم وقد سُئِلَ عن العزل ـ أي: أن يقذف الرجل منيّه خارج رحم زوجته قاصداً منع حصول الحمل ـ فقال: ( ذلك الوأدُ الخفيّ )([4]).


إذن يُعدّ الاعتداء على الجنين في أيّ مرحلة من مراحل تخليقه بإسقاطه من مقدمات وأسباب الموءودة الكبرى وكل ذلك من كبائر الذنوب؛ وقد قال الله تعالى: (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9))([5]).


  والله أعلم


قسم الفتوى ـ هيئة علماء المسلمين في العراق


 


ـــــــــــــــــــ


([1]) شرح الدردير مع حاشية الدسوقي 2/237؛ ينظر: المحلّى لابن حزم 11/30_31 ؛ ينظر: إحياء علوم الدين 1/65


([2]) سورة المرسلات؛ الآيات 20 _ 23


([3]) سورة المؤمنون؛ الآيات 12 _ 14


([4]) رواه مسلم؛ برقم (1442) بَابُ جَوَازِ الْغِيلَةِ، وَهِيَ وَطْءُ الْمُرْضِعِ، وَكَرَاهَةِ الْعَزْلِ


([5]) سورة التكوير؛ الآيات 8_9


أضف تعليق