هيئة علماء المسلمين في العراق

العراق: بعد 15 عاما من الاحتلال… ما العمل؟... هيفاء زنكنة
العراق: بعد 15 عاما من الاحتلال… ما العمل؟... هيفاء زنكنة العراق: بعد 15 عاما من الاحتلال… ما العمل؟... هيفاء زنكنة

العراق: بعد 15 عاما من الاحتلال… ما العمل؟... هيفاء زنكنة

إن الرغبة كبيرة بنسيان غزو واحتلال العراق، من قبل العديد من الدول. تتحكم بها عوامل عدة، لعل أهمها هو اشتراك الدول المعنية بالغزو العسكري عام 2003، وما سبقه من تهيئة الرأي العام، في بلدان الغزو، بشكل منهجي، منظم، لقبول فكرة احتلال العراق كمشروع «انساني نبيل».


 باتت هذه الرغبة، بمرور الوقت، واقعا تضخم ليمتد إلى نسيان الشعب، مهما كانت معاناته كارثية واضحة، بل اصبح دفعه إلى زاوية مظلمة في الذاكرة الجماعية، ضرورة تتزايد بشكل طردي مع الظهور التدريجي للحقيقة حول دوافع الغزو، ولا شرعيته، وانفضاح الأكاذيب الذي رافقته، من حيازة العراق أسلحة الدمار الشامل، وتهديد بريطانيا بالفناء خلال 45 دقيقة، حسب رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، إلى تعاون النظام العراقي مع تنظيم « القاعدة»، حسب كولن باول، وزير الخارجية الأمريكي، في عرضه الكوميدي ـ التراجيدي أمام مجلس الامن الدولي، في 7 شباط/ فبراير 2003، إلى أكذوبة فرم النظام العراقي معارضيه بآلات يحشرون فيها من أرجلهم أولا، حسب النائبة العمالية آن كلويد، المتباكية على حقوق الانسان، عشية تصويت البرلمان البريطاني على قرار غزو العراق.


قدمت أجهزة الاعلام الغربية في الفترة السابقة للغزو، في حملة مكثفة لتبريره ولاستقطاب الرضا الشعبي، جرعات يومية من المعلومات الكاذبة، تراوحت في نوعية صياغتها ما بين التضليلي الشعبوي، بألسنة الساسة الغربيين، والتضليلي الداعي إلى التدخل «الانساني» بألسنة العراقيين الموالين للغزو، والتضليلي المبتذل، بألسنة « اصدقائهم» الموعودين بصفقات النفط و«الاعمار»، مثل النائبة ايما نيكلسون التي كرمها رئيس الوزراء السابق نوري المالكي في 24/ 1/ 2008 بتعيينها مستشارة فخرية له للشؤون الصحية، وكرمها رئيس الوزراء البريطاني بتعيينها مبعوثة تجارية لدى العراق للاستفادة من علاقاتها ونشاطاتها التجارية المكثفة، بعد الغزو.


بدأ من الواضح، خلال 15 عاما الأخيرة، أن أسباب تنامي الرغبة بنسيان العراق بلدا وشعبا، لا تعود، كما يشاع، إلى انشغال العالم بمآس متعددة اضافية في سوريا واليمن وليبيا، بل هي محاولة الانظمة الامبريالية طمر فشلها في اخضاع الشعب وجعله منصة انطلاق لغزو بلدان أخرى، وان دفع الشعب ثمنا باهظا جراء سياسة «فرق تسد» وتحويل البلد إلى ساحة للصراع المستدام، بتعقيداته الاقليمية من جهة والمحلية الطائفية الميليشياوية من جهة أخرى.


تستدعي هذه الصورة المعقدة، المغموسة بالفساد، المهدد للوطنية، وفي هذه المرحلة الشائكة التي يراها البعض، من أكثر المراحل التي عشناها خطورة على بلدنا وشعبنا، ومع تسرب روح الاحباط والانهاك بعد سنوات طويلة من الصمود والمقاومة، منذ التسعينيات، التوقف للتساؤل عما يتوجب علينا عمله، نحن الذين لم نغادر الوطن، رغم كوننا مقيمين خارجه، الذين وقفنا مع شعبنا في سنوات الحصار الجائر، اعتقادا منا بان الحصار يضعف الشعب وليس الحاكم بالضرورة، وناهضنا شن الحرب وغزو وطننا، منبهين إلى مخاطر الاستجارة بالأجنبي وفتح بوابة العراق للغزاة مع إدراكنا بمسؤولية الأنظمة الاستبدادية في قمع المواطن والحط من كرامته؟.


من هذه المحطة، ستنطلق، في الشهر المقبل، مبادرة «شهر التضامن مع العراق». وهي مختلفة عن العديد من المبادرات السياسية التي تم اطلاقها في السنوات الاخيرة، لكونها مظلة تمتد بظلها النشاطات التضامنية لعدد من المنظمات والشخصيات الأوروبية والعربية التي بدأت عملها التضامني مع الشعب العراقي على مدى عقود، من بينها منظمة التضامن السويدية، ومحكمة الضمير ببروكسل لتوثيق جرائم الحرب ضد العراق، والتحالف الدولي ضد الحرب، وشخصيات مثل دنيس هاليداي وهانز فون سبونيك، كلاهما استقالا من الأمم المتحدة احتجاجا على سياسة المنظمة تجاه العراق.


وقد شرعت منظمة «تضامن المرأة العراقية» التي تأسست عام 2004، بالخطوة الأولى في تبنيها اطلاق المبادرة يوم 26 نيسان/ أبريل، بلندن، ملخصة في بيان لها الأسباب الداعية إلى هذا التأسيس المهم، مقتبسة كلمات كبير الأساقفة الجنوب أفريقي دزموند توتو، ضد الحرب على العراق: «إن قرار الولايات المتحدة وبريطانيا، اللاأخلاقي، بغزو العراق عام 2003، استنادا إلى كذبة امتلاكه أسلحة للدمار الشامل، هز العالم بأسره، وأحدث استقطابا لم يحدثه اي صراع آخر في التاريخ».


هذه الكلمات، لاتزال تجد صداها، اليوم، كما كان الحال حين تظاهر الملايين، في كل بلدان العالم، عام 2003، في أروع حركة مناهضة للحرب في التاريخ، كما سجلها السينمائي الوثائقي المعروف أمير اميراني في فلمه الوثائقي الشهير «نحن الأكثرية».


اليوم، بعد مرور 15 عاما على الغزو والاحتلال، لاتزال آثار الحرب العدوانية بقيادة الولايات المتحدة على الشعب العراقي، مستمرة، مسببة معاناة لا نهاية لها، وضحايا تزداد اعدادهم بمرور الأيام، ففي دراسة حديثة قام بها نيكولاس ديفيز، مؤلف كتاب «دماء على أيدينا: الغزو الأمريكي وتدمير العراق» بالاشتراك مع ميديا ​​بنيامين، مؤسسة منظمة « كود بينك» النسوية، المعروفة بمطاردتها قادة الحرب على العراق، توصل الباحثان ومن خلال حساباتهما «المستندة إلى أفضل المعلومات المتاحة، إلى أن عدد الضحايا ليس بعشرات الآلاف، كما قد يتبادر إلى الأذهان، بل 2.4 مليون عراقي قتلوا منذ غزو عام 2003».


 فلنتذكر أن لكل ضحية عائلة وأن لكل انسان قيمته التي لا تعوض لأهله وأحبائه، وتوثيق عدد الضحايا واحدا من المسؤوليات التي يتوجب علينا، نحن المقيمين بالخارج الذين لا يتعرضون للمخاطر اليومية كما مواطنينا بالداخل، القيام بها، لئلا يتحول مفهوم العدالة إلى مزحة سمجة يتبادلها القتلة. وفي تلخيصها لأهداف اطلاق مبادرة «شهر التضامن مع العراق»، تحث منظمة « تضامن المرأة العراقية» المجتمعات الغربية على ابقاء « قضية العراق في ذاكرة العالم، لأنها قضية في غاية الاهمية، لملايين الضحايا الذين يستحقون العدالة، وهو فعل ضروري، أيضا، لاستعادة المبادئ الأساسية للسلام والاحترام المتبادل بين الأمم، باعتبارها أساس القيم الإنسانية المشتركة، لضمان مستقبل خال من كوارث الحرب.


إنه للتذكير بجرائم الاحتلال في تهديم دولة، وتفكيك مجتمع، واستهداف ثقافة شعب، كي لا تتكرر الجريمة أبدا. انه، أيضا، للاحتفاء بتاريخ العراق، ومقاومة الشعب العراقي المتعددة المستويات، وطموح العراقيين في تحقيق السلام المبني على المساواة والعدالة».


أضف تعليق