هيئة علماء المسلمين في العراق

ألم يأن لك يا أختاه أن تعتزّي بدينك؟! ... د. أيمن العاني
ألم يأن لك يا أختاه أن تعتزّي بدينك؟! ... د. أيمن العاني ألم يأن لك يا أختاه أن تعتزّي بدينك؟! ... د. أيمن العاني

ألم يأن لك يا أختاه أن تعتزّي بدينك؟! ... د. أيمن العاني

هناك مفارقة ومقارنة أريد هنا أن أضعها بين يدي أولي الألباب والعقول -رجالًا ونساءً، شيبًا وشبانًا-، ولهم أن يحكموا فيها بما تراه أنفسهم؛ ألا وهي قضية مكانة المرأة في الإسلام وفي دونه من الديانات والاعتقادات، وأتساءل هنا ألم يحن الوقت لتعتز الأخت المسلمة بدينها وتؤدي مقتضياته؟!.


ففي بلاد الإغريق؛ كانت المرأة مسلوبة الإرادة وبلا حقوق، وقد ظلمها اليونانيون ومنعوها حتى من الخروج من بيتها، وإذا خرجت كان للرجل حبسها وحرمانها من الماء حتى تموت، وقدّم فلاسفتهم المرأة في كتبهم على أنها آلة لإنجاب النسل والذرية فقط، وكذا تعامل الرومان مع المرأة، وزادوا على ذلك بجعلها بضاعة تُباع وتُشترى، وأرغموها على البغاء؛ فشاعت الفاحشة وتفكك المجتمع وضاعت القيم والأخلاق.


ثم جاءت اليهودية؛ وعدّت المرأة سببًا لحلول اللعنات، وأنها هي من أخرجت آدم من الجنة، بحسب زعمهم، وتم التقليل من مكانة المرأة واحتقارها حتى أصبحت عندهم كائنًا مقرفًا مجرد الاقتراب منها يكون السبب في النجاسة، ولا تزال المرأة ممتهنة عند اليهود إلى وقتنا المعاصر، ويظهر هذا جليًا في كيفية التعامل مع النساء في بعض مدن فلسطين المحتلة التي استولى عليها الصهاينة، ولا سيما في الأحياء القديمة بمدينة القدس، حيث يُواجَهْن بلافتات كبيرة عند مداخل تلك الأحياء تقول: ممنوع دخول النساء.


ولم تكن المرأة أحسن حالًا لدى النصارى؛ إذ تأثرت المسيحية باليهودية في نظرتها للمرأة، وتوارثت التأكيد على نجاسة المرأة، وأصبح شرطًا استغناء الرجل عن النساء ليكون رجل دين أو حتى "البابا"، واعتبرت النصرانية المرأة بضاعة مبتذلة لا يجوز منحها أي درجة كهنوتية لعدم أهليتها؛ لأن القاعدة عندهم هي: (لا كهنوت للمرأة)، فحُرمت من التعليم في الكنيسة، ومُنعت من التدخل في الشؤون العامة، فضلًا عن حظر مشاركتها في مجالات الحياة المختلفة، ولا سيما المجال السياسي؛ إذ حُرمت تمامًا من حق التصويت والانتخاب فضلًا عن حق الترشيح، وظلت المرأة في أوروبا الحديثة محظورة من دخول البرلمان حتى نهاية الأربعينات من القرن الميلادي الماضي.


حتى جاء الإسلام فكرّم الإنسان بالمطلق ذكرًا كان أم أنثى، ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ ]الإسراء: [70، وأعاد للمرأة مكانتها التي تستحق في شتى مجالات الحياة، مؤكدًا على المساواة بين الرجل والمرأة في الخلق، كما يبيّن ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ ]النساء [1، بل عادل ربنا بين كلا الجنسين في الأجر والثواب، في قوله: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ﴾ ]آل عمران: 195 [، وأكد سبحانه على أهمية مكانة الأب والأم على حد سواء ووجوب الإحسان إليهما، وبيّن عظم منزلتهما بإقرانها بمنزلة التوحيد وهو أصل الدين، في قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ ] الإسراء: 23 [.


وقد أوصى الرحمة المهداة بالأم وأكد على ذلك ثلاثًا، ثم أوصى بالأب؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : جاء رجلٌ إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال : يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟، قال: (أمك) ، قال: ثم من؟ قال: (أمك) ، قال: ثم من؟ قال: (أمك) ، قال: ثم من؟ قال: (أبوك) متفق عليه، وقد أثنى الشارع على منزلة الزوجة في كونها سكن الرجل، وخصَّ العلاقة بينهما، كما في قوله: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21]، وأتت القاعدة القرآنية التي دلَّ عليها قول الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]؛ لتكون ضابطًا اجتماعيًا للعلاقات الزوجية وضمانًا لحسن معاملة المرأة حتى ممن لا يميل إليها قلب زوجها، وكما جاء في بيان ذلك بالأثر: فإن أحبها أكرمها وإن أبغضها لم يظلمها؛ لأن المسلم يضع نصب عينيه قول النبي صلى الله عليه وسلم:(خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي)، رواه الترمذي.


وجعل الإسلام الرجل قوامًا على المرأة ليخدمها؛ ففرض عليه رعاية المرأة وحمايتها لما حباه من قوة بدنية، وألزمه تقديم المال والإنفاق عليها وتوفير السكن المناسب لها، مع احتفاظها بكافة حقوق الملكية الخاصة بها، كما يبيّن ذلك قوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ﴾ [النساء: 34]، وهنا لا بد من التنبيه أن المراد من تفضيل الرجال على النساء المذكور في الآية الكريمة هو تفضيل بعض الرجال على بعض النساء، وليس المراد منه تفضيل جميع الرجال على جميع النساء، وإلا فكم من امرأة تَفْضُل زوجها في العلم والدين والعمل والرأي وغير ذلك. وعلاوة على ذلك؛ قدَّم الله الإناث في الهبة على الذكور لحكمة جليلة أخرى وبيان آخر لفضل الأنثى ومكانتها في الإسلام، كما ورد في قوله تعالى: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى:49].


ومع كل هذا نجد بعض النساء من تزهد بعظيم المكانة التي أنعم الله بها عليهن، وتحاول التملص من هذا الفضل الذي خصها الله به، وتسارع للتشبه بالغرب الفاضح والشرق العاطل، وتتظلم من موجبات العفة والطهر، وتتخلى عن لباسها المحتشم الذي لا يصف ولا يشف، وتسعى شاردة من الخير العميم، مستبدلة إياه بالشر المستطير، قبلت أن تظهر أمام الناس كاسية عارية، مائلة مميلة، لاهية بسفاسف الأمور، مستهلكة وقتها وجهودها بها؛ فمتى يا أختاه تعين عظم المسؤولية الملقاة على عاتقك، وتعتزين بدينك، وتقبضين عليه، وتتشبهين بالصحابيات لا بالفاسقات، وتقتدين بالمجاهدات لا بالراقصات. وأنتم يا أولياء الأمور عليكم أن تأدوا الأمانة العظيمة التي حمّلكم الله إيّاها، وأخص بالذكر حق البنات على آبائهن أو من يقوم على تربيتهن، ووجوب إنشائهن إنشاءً صالحًا، وذلك لما فيهن من الضعف غالبًا عن القيام بمصالح الدنيا عامة، جاعلًا سبحانه الجنة ثوابًا لمن أحسن إليهن؛ كما بشّر بذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي ظل صلوات ربي وسلامه عليه يوصي بالنساء خيرًا طوال حياته حتى آخر كلامه قبيل مماته.


إن أهمية المرأة تتجلى في المهمة العظيمة الموكلة بها في بناء المجتمعات؛ فهي المدرسة الفاضلة التي تربي الأجيال وتسهر على نشأتهم وإعدادهم إعدادًا صالحًا، مسلحًا بالعلم، شاعرًا بالمسؤولية، مفعمًا بالأخلاق الحميدة والصفات الحسنة، التي لا غنى عنها لبناء الأوطان، وإعمارها وتطويرها والسير بها إلى الذرى، والذود عنها وفدائها بالغالي والنفيس إن اقتضت الضرورة، ولاقتران العلم بالأخلاق آثار إيجابية تعمّ الأفراد والمجتمعات على حد سواء، وكل شيءٍ إذا زاد رخص إلا الأخلاق تسمو بصاحبها، كما قالت العرب، والأخلاق أساس في نشأة الأمم ورقيها وبقائها؛ فالأمم تضمحل وتندثر إذا ما تراذلت وانعدمت فيها الأخلاق، كما قال الشاعر: إنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا.


وختامًا؛ ليعلم الجميع؛ الكبير والصغير، الغني والفقير، القريب والبعيد، بأننا قوم أعزنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله، وهي الحقيقة التي وضعها الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه بين يدي الأمة، وخارطة الطريق لخير المسلمين وصلاحهم ورفعة شأنهم، وقد قال الإمام مالك رحمه الله: لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. فإذا أراد المسلمون أن يرجعوا إلى سابق عهدهم وقديم عزهم فعليهم أن يرجعوا إلى دين ربهم منيبين إلى الله مؤتمرين بأوامره منتهين عن نواهيه، وبهذا نكون خير أمة أُخرجت للناس نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، ونحق الحق وننكر الباطل، كي ننال مرضاة ربنا وعظيم نواله من خيرَي الدنيا والآخرة، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


أضف تعليق